«أسطورة العَوْد الأبدي» لميرشيا إيلياد: تاريخ للمقدّس

30 سبتمبر، 2015

ابراهيم العريس

اشتهر الباحث الروماني الأصل ميرشيا إيلياد بواحد من أهم الكتب التي درست تاريخ الأديان والمعتقدات الروحية والتي وضعت في القرن العشرين. ولقد بلغت شهرة هذا الكتاب الواقع في أكثر من ألفي صفحة أن كثراً من القراء نسوا أن إيلياد الذي وضع معظم كتبه بالفرنسية وأحياناً بالانكليزية، ودرّس خصوصاً في جامعات الولايات المتحدة، ووضع عدداً كبيراً من الكتب الأخرى، وكذلك ألف روايات غريبة الأجواء فلسفية اللغة والمواقف، منها واحدة حولها المخرج الأميركي فرانسيس فورد كوبولا فيلماً قبل سنوات بعنوان «شباب دون شباب». غير أن ما يشفع للقارئ «الناسي»، هو أن القسم الأكبر من أعمال إيلياد، سواء كانت كتباً تاريخية – دينية ضخمة، أم مؤلفات أصغر حجماً أم نصوصاً ابداعية، تدور دائماً حول مواضيع أثيرة لديه، قليلة العدد جداً، أبرزها مسألة المقدّس وعلاقة الانسان به منذ فجر التاريخ. وهنا اذا قلنا «مقدس» نقول بالتالي: أسطورة، حتى وإن كنا نعرف ان اهتمام إيلياد بالأساطير كان ضمن اهتمامه بتاريخ الأديان والمقدّس، لا العكس… أي أنه في هذا يقف، دراسةً، على النقيض من عالم الإناسة الكبير كلود ليفي ستراوس الذي كان اهتمامه بالإسطورة انساني البعد أولاً واخيراً. بالنسبة الى إيلياد، المهم قبل أي شيء آخر، هو دراسة المقدّس، لأن ما من دراسة حقيقية لكينونة الانسان، منذ ظهوره في الكون، يمكن أن تقف خارج تلك الدراسة. واذا كنا نطالع هذه الفكرة الأساسية والتأسيسية في معظم نصوص ميرشيا إيلياد، فإننا سنجدها أكثر وضوحاً لديه في واحد من كتبه المبكرة وهو كتاب «أسطورة العود الأبدي» الذي أصدره العام 1949، أي في زمن كان إيلياد لا يزال يعتبر فيه عالم اجتماع وحسب. وهو أتى في هذا الكتاب ليخلص نفسه من ذلك التصنيف الأكاديمي الخالص، وليفتتح سلسلة أعماله التي راحت تتوالى في علاقة مباشرة مع تطور أفكاره وبحوثه حول المقدّس والانسان وتاريخ الأديان في صورة عامة.

غير أن هذا التطور لم يجعل من «أسطورة العود الأبدي» نصاً بائداً، بل أتى ليؤكده تأكيداً مدهشاً. ولعلنا لا نعدو الحقيقة إن نحن قلنا هنا، أن معظم بحوث إيلياد التالية، بما فيها كتابه العمدة «تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية» إنما هي تنويع على ذلك الكتاب المبكر. ومنذ بداية الكتاب يلاحظ القارئ المهتم ان إيلياد ينطلق فيه من تفكير الانسان البدائي، تماماً على الشاكلة نفسها التي ينطلق بها مفكرون آخرون لدراسة تاريخ الفكر اليوناني انطلاقاً من الانسان الذي كان موضوع ذلك الفكر، أو الثورة الفرنسية انطلاقاً من تاريخها الانساني الخاص. ويؤكد لنا إيلياد بداية أن السمة الرئيسة التي تطبع فكر الانسان البدائي، إنما هي فكرة التناسق الأصيل والفهم الجذري للبيئة المحيطة، اللذين يجعلان الإنسان قادراً حقاً على أن يسكن عالمه من دون تصنّع. وعلامة هذا هو الطبيعة نفسها، هذه الطبيعة التي هي منطقياً العالم نفسه بالنسبة الى الانسان البدائي، والتي لا تُترك هنا أبداً عرضة للامعنى الذي تخلقه الأحداث العارضة، عادة، أي الأحداث التي تصنع ما يسمى التاريخ. بالنسبة الى الانسان البدائي يتخذ العالم طابعاً أونطولوجياً، لا طابعاً تاريخياً. وفي هذا المعنى لا يعود للانسان ذلك الموقع المركزي الذي يسبغه عليه الفكر الانساني النهضوي. وفي المقابل، اذا كان موقع الانسان يمنعه من أن يؤلّه نفسه، فإنه يعطيه مكانة أساسية في الكون. وفي هذا الإطار يصبح واضحاً كيف أن إيلياد يصر على أن القداسة ليست هنا، كما يقول المفكرون «العقلانيون»، مقولة سيكولوجية تعيش تدهوراً دائماً وتراجعاً مع تقدم الانسان في علاقته مع التاريخ، بل هي ترتبط بالانسان منذ ولادته، وتكون هي من يعطيه مداره الروحي. وهكذا، بدلاً من أن يكون كل تقدم تقني خطوة على طريق إبعاد الانسان عن تلك النزعة الروحية، يصبح خطوة اضافية على طريق تأكيد انسانيته وبالتالي سماته الروحية. وهكذا، أيضاً، خارج نطاق هذا التطور التقني الذي يخدم الروح أكثر ما يخدم، لا يعود للإنسان، في سلوكه الشخصي، أية علاقة بالتاريخ. التاريخ لا تعود له، بالنسبة الى الانسان، علاقة بكينونته بل بما يملك… وبالتالي بما يضاف على مر الزمن الى تلك الكينونة من خارجها. وعلى ضوء هذا يصبح المسعى الأساس للانسان طوال وجوده، تبرير ما يمكن أن يكون عارضاً في سلوكه، عبر دمجه في التجدد المتواصل لزمن المقدّس لديه. ومع هذا فإن هذا «الجديد» والذي لا يمكنه – في نهاية الأمر – إلا أن يكون تاريخياً ومندفعاً الى الأمام في شكل لا رادّ عنه، سيكون مستبعداً من فكره التأملي، الذي يقف خارج كل تاريخيته، مهتماً فقط بفكرة العود الأبدي للأفعال ذات الإنجاز الالوهي.وإيلياد، إذ يصل في تحليله الى هذا الحد يصرخ (كما فعل ليفي – ستراوس في مجال حديثه على صعيد آخر – عما خسره الفكر الغربي العقلاني حين رفض أن يلتقط اليد التي مدها هنود أميركا الحمر الى كريستوف كولومبوس مرحبين، فإذا بالذي أتى «مستكشفاً» يتحول جزاراً): انظروا كم فقد الإنسان اذ تخلى عن تلك الثقافة الأصيلة! كم كانت خسارة للإنسانية أن يقطع الانسان عن ثقافته الطبيعية القدسية، ليرمي به فريسة في فك التاريخ، أي تلك الكارثة المتسارعة؟ والحقيقة أن ميرشيا إيلياد، اذ يطرح هذه الاسئلة الشائكة، لا يحاول ان ينسينا أن فلسفة التاريخ، ولدى بعض كبار الذين اهتموا بتدوينها وشرحها، وفي مقدمهم الفيلسوف الألماني هيغل، لم يفوتها أبداً أن تؤكد – عقلانياً – ما يؤكده هو، حين يرى إيلياد في أفكار حول مثل هذا الموضوع عبّر عنها هيغل في نصوص عديدة له، مثل «أصول فلسفة الحق» و «فلسفة التاريخ» لا سيما «موسوعة المصطلحات الفلسفية»، نزوعاً الى الوقوف بحيرة وإعجاب أمام الفكر البدائي الأصيل، ذلك الفكر «الذي احتوى الكينونة في شكل طبيعي من دون أن يرى من واجبه أن يفلسفها».

ومع هذا فإن إيلياد ينبهنا الى أنه اذا كان الفكر العقلاني الهيغلي قد توقف عند تلك الأصالة، فإنه انما تحدث عنها كما لو كانت حلماً غير متماسك، جزءاً من طفولة الانسان. اما بالنسبة اليه، هو، أي ميرشيا إيلياد، فإن الدور الذي يأخذ المقدّس على عاتقه لعبه في حياة الكينونة، إنما هو الدور القائم في وضع كل ما هو موجود في علاقة تامة مع كينونته الخاصة. وبهذا تنتفي كلياً فكرة أن يكون لدى أصحاب الفكر البدائي أية لفتة صوب ما يمكن تسميته تاريخ الإنسان… طالما أن هذا التاريخ لا يعود موجوداً على اعتبار أن الوجود يصبح، في الفكر البدائي، هو الجوهر، ولا يعود الوجود تفسيراً للجوهر، أو الجوهر تبريراً للوجود.

عندما وضع ميرشيا إيلياد (1907 – 1986) هذا الكتاب في العام 1949، كان في الثانية والأربعين من عمره. وسيقول لاحقاً ان اشتغاله على «اسطورة العود الأبدي» لم ينتج لديه عن الغرق في أية أزمة روحية، كما حاول بعض كاتبي سيرته أن يقولوا. في معنى أن ما في هذا النص سنجده موزعّاً لاحقاً في كتبه التالية، سواء أرّخت للأساطير، أو للمعتقدات الدينية – لأن هذا كله يمتزج في نهاية الأمر لدى إيلياد امتزاجاً تاماً، اذ يدور كله من حول كلمة واحدة كانت وظلت دائماً أساسية لديه: المقدّس -، بحيث يمكن النظر الى اسطورة العود الأبدي – كمفهوم وككتاب – باعتبارها الأسطورة المؤسسة لكل ذلك المتن الذي شكلته كتب إيلياد.

والواقع أن المرء، إذ يقرأ روايات ميرشيا إيلياد، حتى وإن نحّى دراساته العلمية الغزيرة، جانباً، سوف يدهشه أن يكون هذا الكاتب، استخدم المفاهيم نفسها كعمود فقري لعمله الروائي. ومن هنا لن يكون غريباً أن نلاحظ أن عدداً لا بأس به من رواياته، تدور أحداثها في الهند. ذلك البلد – القارة، الذي درسه إيلياد طويلاً وفي العمق، على اعتباره صاحب الحضارة التي لم تتوقف عن أن تخص المقدّس بكل اهتمامها، ولا سيما المقدّس في علاقته، مع الطبيعة من ناحية ومع الانسان من ناحية ثانية.

المصدر: الحياة اللندنية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *