أنور إبراهيم.. فينيق السياسة الماليزية

26 مايو، 2018

د. عبدالوهاب الأفندي

للمرة الثانية خلال عقد ونصف، يخرج أنور إبراهيم، السياسي الماليزي المخضرم، من السجن إلى قلب الساحة السياسية في بلاده. وهذا إنجاز ليس يسيرا لرجلٍ هو الآن في السبعين، وقد سجن مرتين بحكم قضائي، أراد أن يثبت عليه تهمة الشذوذ الجنسي، وهي كبيرة الكبائر في بلد محافظ مثل ماليزيا. وهذا يعني أن الشعب لم يصدّق التهم ضده، وأهم من ذلك، لم يصدّقها من لفقوها ضده، ومنهم حليفه الحالي ورئيسه السابق مهاتير محمد، الذي كان أول من استخدم هذه الفرية في عام 1998، لإقصاء أنور إبراهيم من موقعه القيادي في الحزب، وفي نيابة رئاسة الوزراء، والخلافة المعلنة فيها.
وأذكر هنا أننا كنا قد وجهنا الدعوة لأنور لإلقاء المحاضرة الافتتاحية في برنامج الديمقراطية والإسلام الذي تشرفت بتأسيسه في جامعة وستمنستر مع الزميل والصديق الدكتور عزام التميمي عام 1998. وكنا فكرنا وقتها في أنسب شخصيةٍ يمكن دعوتها لتقديم محاضرة الافتتاح، ولم نجد أفضل من نائب رئيس وزراء ماليزيا، وذلك لكونه مفكراً، وفي الوقت نفسه، زعيماً في بلد ينعم بقدر من الديمقراطية والازدهار الحضاري. وقد استجاب أنور بدون تردّد للدعوة التي وصلت إليه في بداية فصل الصيف، وظللنا طوال الصيف نتواصل مع مكتبه لإكمال ترتيبات المحاضرة التي كان قد حدّد لها شهر أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام، لكن الأمور بدأت تتدهور سريعاً بسبب خلافات بين أنور ومهاتير بشأن إدارة الأزمة الاقتصادية التي عصفت بدول جنوب شرق آسيا. وفي مطلع سبتمبر/ أيلول، فوجئنا بإقالة أنور من الوزارة ثم اعتقاله. وقد تعرّض للضرب من مدير الشرطة الفيدرالية، قبل أن تلفق له تهمة الشذوذ الجنسي، ويحكم عليه بالسجن 11 عاماً. (أجبر مدير الشرطة على الاستقالة عند الكشف عن جريمته).
مرت 13 عاماً على تلك الدعوة، قبل أن نستضيف أنور في الجامعة لإلقاء محاضرته في

يوليو/ تموز 2011، وكانت المفارقة أن موضوعها كان التحولات التي أحدثها الربيع العربي في العالم الإسلامي. كانت سبع سنوات قد مرّت على إطلاق سراح أنور من السجن في عام 2004، وبعد التقدم الكبير الذي أحرزه التحالف الذي شكله وقاده في انتخابات عام 2008. ولم تكن مصادفةً أن أحيت الحكومة تهم الشذوذ الجنسي ضد أنور عقب الانتخابات التي أوشك التحالف المعارض فيها أن يطيح حكومة الجبهة الوطنية التي حكمت البلاد منذ الاستقلال عام 1957، وفي الوقت الذي كان يتشاور فيه مع الكتل البرلمانية، لتشكيل تحالفٍ يسقط الحكومة. وقد برأت المحكمة أنور من التهم في مطلع عام 2012، لكن الحكومة لم تيأس. وأيضاً لم تكن مصادفة أن محكمة الاستئناف أعلنت إلغاء حكم البراءة في الأسبوع الأول من مارس/ آذار عام 2014، قبل أسبوعين فقط من انتخاباتٍ فرعيةٍ كان أنور ينوي خوضها. ولكن حكم الإدانة، ومعه حكم بالسجن خمس سنوات، منعه من خوض تلك الانتخابات.
لم تمنع عمليات الاستهداف هذه أنور من مواصلة عمله السياسي، ونشاطه الدولي في مجالات عدة، من أبرزها دعم قضية الديمقراطية في العالم الإسلامي، وكذلك دعم التعليم. وخلال عامي 2013 و2014، كان لي شرف مشاركة أنور رئاسة لجنةٍ دوليةٍ كانت تهتم بتطوير التعليم العالي في البلدان الإسلامية. وقد عقدت اللجنة اجتماعاتٍ في عواصم عدة لمناقشة القضايا المتعلقة بموضوعها، وأصدرت تقريراً نشر العام الماضي. وخلال اجتماعات اللجنة أخيرا، خصوصا الاجتماعين في لندن واسطنبول، كانت هناك نقاشات جانبية بشأن التهديد الذي يواجهه أنور بالسجن. وقد كان هناك رأي يدعو أنور إلى عدم العودة إلى كوالالمبور، لأن الحكومة كانت عازمةً، على ما يبدو، على إخراجه من الساحة السياسية بأي ثمن. وفي هذه الحالة، فإن في العودة تعطيل لطاقاته، وخنق لمساهماته المتعدّدة. أما الرأي الآخر، فكان يعطي أولوية للبعد السياسي، ويرى أن عدم عودة أنور إلى مواجهة المحكمة قد يفسّر هروبا، وقد يهدّد مستقبله السياسي. وفي النهاية، اختار أنور الرأي الثاني، وعاد إلى مواجهة مصير محتوم، حيث أودع السجن في مطلع عام 2015، وظل فيه حتى منتصف شهر مايو/ أيار الحالي، حيث حمله تسونامي من التأييد الشعبي من الزنزانة إلى قمة السلطة.
ولا شك أن نية خصوم أنور كانت اغتياله سياسياً بضربة مزدوجة: تكرار فرية الشذوذ

الجنسي، والقتل البطيء في السجن. فإيداع رجل في السابعة والستين السجن خمس سنوات هو أقرب إلى حكم إعدام، خصوصا إذا كان يواجه مشكلات صحية. ولكن أنور خرج من السجن وهو شعلة متقدة من النشاط والأفكار الخلاقة. وأهم من ذلك، خرج بروحٍ متسامحة، مع مهاتير الذي وضعه في السجن من قبل، واحتاج إليه وإلى حزبه هذه المرة، لينازل خليفته في الحكم، ومع نجيب رزاق الذي كرّر جريمة مهاتير وفريته، فقد كانت واحدة من أولى محادثاته بعد الفوز في الانتخابات، حين كان لا يزال داخل مستشفى السجن، مع رزاق.
ويعود جزء كبير من الفضل في هذا الانتصار الكبير إلى زوجة أنور الصابرة، وان عزيزة وان إسماعيل، التي قادت الحزب في غيابه، وكانت بجانب مهاتير، حين أعلن هذا النصر غير المسبوق. فليس في كل يوم تستطيع حركة معارضة إزاحة تحالف الجبهة الوطنية الذي حكم البلاد منذ استقلالها عام 1957، فقد يكون أنور مثل طائر الفينيق الذي ينبعث من الرماد متحدّياً الفناء، ولكن هذا يعود إلى من وثقوا به، وآمنوا بنزاهته وصدقه، خصوصا الشباب من ذوي التوجهات الإسلامية المعتدلة، وعشاق الديمقراطية من كل توجه.
يبقى أن التحديات التي تواجه ماليزيا تحتاج أكثر من شخص واحد، وحتى أكثر من رجلين وامرأة، مهما كانت مواهبهم وقدراتهم، فماليزيا تعيش، منذ استقلالها، حالة توازن دقيق بين أربع مكونات: الملاويون الذين يمثلون الغالبية، وكلهم مسلمون تقريباً، والصينيون الذين يمثلون 23% من السكان، لكنهم يتحكمون في الاقتصاد، ثم الهنود، ويمثلون 7%، وأخيراً بقية السكان الأصليين، خصوصا بعض المجموعات القبلية والعرقية في أطراف البلاد. وقد حققت الجبهة الوطنية التي تتشكل من أحزابٍ تمثل كل هذه المجموعات السكانية، وتحكم عبر صيغ توافقية، الاستقرار للبلاد، ثم الازدهار الاقتصادي تحت حكم مهاتير. وهناك مخاوفُ بين كثيرين من أن الانفتاح المفاجئ قد يهدّد هذا الاستقرار. وعليه، فإن التحديات التي تواجه التحالف الحاكم الجديد كبيرة جداً. ولكن ماليزيا أثبتت في الماضي قدرةً على التماسك ومواجهة الصعوبات والتحديات والانتصار عليها.

  • عن العربي الجديد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *