أيمن المجالي: رواية أيام الحسين الأخيرة ونقل ولاية العهد

10 يوليو، 2017

 

د. مهند مبيضين

صاحب إرث سياسي، لكنه كاتم السر، وصاحب الحسين في محنته الأخيرة  قبيل الوفاة، وهو الذي لم يتاجر بما لديه من معلومات، وظل وفياً للدولة، وأنيقاً في الحضور، ومبتمساً حتى وإن كان وجعه من ذوي قربى. وهو الندي والباسط اكفه، والمبتسم حتى لمن يعاديه.

ساعته دوماً تُشير إلى الكرك، والتوقيت هناك يحضر، والبوصلة تناديه جنوباُ تسكن أوجع الشهادء دوماً، باسم الأب مرة، وباسم المدينة الأبية العريقة مرة أخرى، وباسم الوطن دوماً، هناك يقرأ ابو ناصر على سفوح شيحان وسمّ الحضور ويضع بصمته الخاصة.

لا لشيء، بل لأنه لم يصعد وطنياً، على رافعة مدريد وتيار السلام المرير، بل على تراب وطنه، ونظرته إليه التي ترى أن حلول الاقتصاد تريد جرحات واصلاحات سياسية عميقة، ولم يجاهر بنقدٍ جارح، بل ظل ملتزماً وقار الصحبة والظل الندي، الذي يحضره منذ أيام الحسين.

لم يدخل أيمن المجالي إلى المشهد السياسي، من بوابة مدريد، ولم يطرح  السلام على روح العرب الغابرة، عشية ذكرى خروجهم من الأندلس، مردداً قول عمر بن قميئة:

خليليَّ لا تستعجلا أَنْ تَزوّدا وأَمْ تَجْمَعَا شَمْلِي وتَنْتظِراً غَدَاً
فما لَبَثٌ يَوْماً بِسَابِقِ مَغْنَمٍ ولا سُرْعَتِي يَوْماً بِسَابِقَة ِ الرَّدَى
وإنْ تُنْظِرَانِي الْيَوْمَ أَقْضِ لُبَانَة وتَسْتَوْجِباَ مَنّاً عَلَى َّ وتُحْمَدَا

 

كان المجالي  شاهداً على الفترة الأردنية الأكثر حرجا في العقد الأخير من القرن العشرين. فهو رفيق الراحل الحسين في الوجع، حضر الوجع في أوله، وظلّ حتى آخره، وبعد أن وري جسد الكبير النبيل الثرى، بقي أبا ناصر دوماً وفياً لتلك المدرسة الكبيرة في الخلق والسماحة، والتي حفظ دروسها في رغدان ودار الندوة ومايو كلينك، وهو دوماً يداوي دوما عتب خصومه بالحب.

يتذكر المجالي الكثير من تفاصيل التاريخ غير المكتوب، فهو كان شاهدا على إعادة ولاية العهد إلى نصابها الدستوري، يوم ناداه الحسين وهو على سرير الشفاء في “مايو كلينيك”، قبل شهرين من تغيير الولاية، وقال: “انا سأغير لصالح الأردنيين ولما فيه خير الهاشميين”.

تفاصيل السنوات الاخيرة من حياة الحسين، ماتزال محفورة في ذاكرة المجالي الذي رافق الملك الباني في أسعد أيامه، كما رافقه في مرضه، بحيث أصبح محل ثقة كبيرة، ليطلعه على هذا التغيير المهم، حتى قبل أن يطلع عليه مدير المخابرات العامة وقتها سميح البطيخي، كما يقول.

بداية المشوار الطويل كانت درامية، حين كان الحسين يلقي خطابا في كلية الأركان العام 1997، ولاحظ  في حينها التعرق الشديد على الملك. يقول: “إن الحسين رحمه الله قاوم الإجهاد والتعب” وعندها اتصل المجالي بالدكتور يوسف القسوس، وسمير فراج رحمه الله، وأعطى تعليمات بتجهيز طائرة تحسباً للظروف.

يتابع المجالي سرد الواقعة بقوله :”أتّم الملك خطابه أمام الضباط، ورغم استعادته توازنه وبهجته، إلا أن تعرقه زاد كثيرا، فطلب أن تتم معاينته في قصر الندوة” وهناك بدأت قصة الوجع، الذي أصاب سيدأ كبيراً من سادة بني هاشم..

لم يطل المرض، فهو زائر لا يستأذن،  ففي تموز (يوليو) 1998 سافر المجالي مع الحسين الى أميركا لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة، وما أن تم تشخيص الحالة، حتى كشف لأسرته الأردنية طبيعة مرضه، كان الحسين واضحا ومصراً على الوضوح، في زمن كان الملوك يخبئون آلامهم البسيطة.

في رحلة العلاج لازم المجالي الملك، وكان يرافقه الى واشنطن بعد كل فحص، في الوقت الذي كانت فيه المباحثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين منعقدة في واي ريفر، ظهر الحسين للتاريخ مرة أخيرة في مسار السلام، الذي كان يدرك االحسين أن ثمنه سيكون كبيرا منذ أن حلت بالعرب نكستهم الموجعة عام 1967. فكان الخطاب الشهير للحسين في أحلك ظروفه الصحية.

وحين عاد الحسين لعمان، 1999 قبل الوفاة، وقف المجالي خلف الملك الكبير الذي طلب سجادة صلاة وأدى ركعتي شكر لله، كان الزمان يعلن ما هو قد لا محالة عنه، فبعد ايام ردد الناعي: مات الملك عاش الملك. وهنا ادرك المجالي أن المغادرة ستكون قريبة لإرث كبير وزمن مجيد. لكنه وإن خرج، فقد عاد لاحقا نائبا وسياسيا ووزيرا، وعيناً ورجل اقتصاد، وله في مجتمعه احترام الكبار.

الرجل الذي تسنم مهام جساما، وكان أمينا في وقت غابت فيه البوصلة لدى كثيرين، رأى النور في عمارة التلهوني خلف المحكمة القديمة في شارع السلط، العام 1949. لم يكن هزاع المجالي قد دخل الحكومة، لكنه كان مهيئأ لها.

الابتدائية والإعدادية أنهاهما في مدرستي تراسنطة والمطران، حيث تلقى دروسه على يد نخبة من أساتذة تلك المرحلة ومنهم الإعلامي جميل عازر (مذيع قناة الجزيرة حالياً)، وعاطف الهلسا وميشيل حمارنة، لكنه يعترف بأنه لم يكن متفوقا، لكنه كان ذا شقاوة واضحة.

بعد المطران وتراسنطة انتقل المجالي للدراسة في كلية الأمة الواقعة بين مدينتي رام الله والقدس في فلسطين، وانتظم في القسم الداخلي مع زملاء أردنيين وعرب، منهم: علي سالم الصباح، فهد الصباح، وصديقه الحالي المحب له ناصر الصباح الاحمد رئيس الديوان الأميري بدولة الكويت.

بعد كلية الأمة، أنهى الدراسة الثانوية في الكلية العلمية الإسلامية، واختار أن يدرس التاريخ في جامعة بيروت العربية. ويصف حياته هناك بعد العام 1968 بأنها كانت صعبة، فقد كان يضطر الى التنقل من بناية لأخرى خوفاً من الصراع المسلح.

في حزيران (يونيو) من العام 1973 التحق بدائرة المراسم في وزارة الخارجية، ثم أصبح ملحقاً دبلوماسياً. وطلب الانتقال الى العمل في السفارة الأردنية في واشنطن، ليعود بعدها الى مركز الوزارة مساعداً لمدير المراسم في سن مبكرة نسبياً. وظل فيها حتى العام 1979، وما إن شغر منصب مدير المراسم حتى تم اختياره للمنصب، وعمره آنذاك ستة وعشرون عاماً.

ومع أن الرجل عين في الخارجية في فترة الوزير صلاح أبو زيد وعز الدين المفتي ثم مروان القاسم، إلا أنه يرى في حسن ابراهيم، الذي أصبح فيما بعد وزيرا، عرابا له، من دون أن يخفي اختلافه مع مروان القاسم. وهو يعيد خبرته مع حسن ابراهيم لطبيعة المرحلة وتقدير الرجل له، فهو من منحه الفرصة ليكون اصغر مدراء المراسم سناً، الأمر الذي أثار عليه الخصوم.

في مراسم الخارجية، طور المجالي عمل الدائرة، مدخلا عليها نظام النداء اللاسلكي “الوكي توكي”، وفعّل عمل الدائرة ووسع مهامها خلال فترة عام ونصف العام قضاها بها، ليدخل بعدها الخبرة الأهم والانضج في حياته في كانون الأول(ديسمبر) 1979 بالعمل في الديوان الملكي بطلب من رئيس الوزراء عبدالحميد شرف.

شكل له الديوان بيتا للخبرة، كما أظهر المنافسين والانداد. واختبر كذلك إحراجات وقع فيها أحياناً بحكم الوظيفة.

بيد أن المقام لم يطل بـ (أبو ناصر)، في دائرة التشريفات، إذ سرعان ما انتقل للعمل مديراً لمكتب الملكة نور. “كانت تلك نقلة نوعية من عمل تشريفي الى عمل إداري وإعلامي أكثر أهمية، ظللت فيه اربعة أعوام لأعود بعدها للتشريفات”.

استمر المجالي بين عامي 1988- 1993 مديراً لمكتب الملكة نور، فشعر أن خبرته اكتملت، وكانت انتخابات العام 1993 على الأبواب، فحدثته نفسه بالترشح لمجلس النواب، وفاتح الملكة نور بذلك، غير أنه أُخبر بعد ذلك أن الملك حسين سيختار له موقعاً جديداً.

حدس الرجل انبأه بأنه سيتولى رئاسة التشريفات الملكية، وصار له ذلك في تشرين الأول (أكتوبر) 1993، وكان رئيس الديوان الملكي يومها الأمير زيد بن شاكر، فيما كان رئيس الوزراء عبدالسلام المجالي.

ورغم العمل بعيداً عن التشريفات خلال الاعوام 1988 – 1993 إلا أن انداد الرجل ظلوا على سعيهم لإقصائه، كما يؤكد.

تقييد الرجل والحد من طموحه بديا جليين عندما استلم التشريفات: “عملوا على ربط رئيس التشريفات بمستشار الملك آنذاك ينال حكمت”، فكان عليه أن يسعى لاستعادة ثقة الملك حسين به.

يعترف المجالي، الذي يرأس اليوم مجلس إدارة البنك التجاري، بأنه استغرق وقتا ليكسب ثقة الحسين، لأن هناك من “اشتغلوا ضده”، فواجهته مشكلة تضارب الصلاحيات بين موقعه كمدير للتشريفات، ومع مدير المكتب الخاص آنذاك.

وبما أن استعادة الثقة لا تتم بسهولة، فقد أتيحت له فرصة استعادتها. وكان الاختبار الاصعب عندما أُرسل مع مجموعة من كبار موظفي الديوان الملكي الى واشنطن لإعداد ترتيبات اتفاقية السلام مع اسرائيل العام 1994.

ويروي أنه سافر مع الأمير طلال بن محمد وينال حكمت، وكان ذلك أول لقاء له مع الاسرائيليين.

جرى اجتماع مهم له في الكونغرس حضره وحيدا عن الجانب الأردني، وطوال الوقت حاول أن يحصل على برنامج المحادثات، لكن من دون جدوى، وقد اقترب موعد قدوم الملك حسين.

ومن خلال علاقاته استطاع الحصول على برنامج اللقاء من إحدى موظفات البروتوكول في واشنطن، ليعود إلى غرفة الفندق ويبدأ بطباعة البرنامج.

اتصل به الملك الحسين في حدود الثامنة والنصف، وسأله عنها، فأجابه بأنه حصل عليها قبل إعلانها. وتأكد الملك حسين منه بأنه لن يكون هناك أي احتمال لأي مفاجأة، و”فعلاً أرسلتها إلى جلالته مشفرة”.

تلك اللحظة مهمة بالنسبة للرجل، إذ يعتبرها أول المراحل في إعادة بناء الثقة مع الراحل الحسين. وما ان تم إعلان تفاصيل برنامج الزيارة والمحادثات حتى تنفس الصعداء.

النجاح الذي حققه المجالي في واشنطن أفرغ الهواء من أشرعة الخصوم، وقاده إلى مهمات أكبر، ليبدأ فيما بعد بالإعداد لترتيبات معاهدة وادي عربة، ومن ثم زيارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون الى مجلس الأمة، وإلقاء خطابه هناك.

في وادي عربة، شارك الإسرائيليون بالترتيبات، واعتنوا بالأمور اللوجستية، فيما ركز الجانب الأردني على أمور أخرى.

عند وصول الرئيس كلينتون الى مطار العقبة، طلب الأميركان أن يصعد الملك حسين معه بسياراتهم وفق أنظمتهم، فأخبرهم المجالي أن الاردن لا يقبل ذلك، وأن الملك حسين سيستخدم سياراته.

وقبل أن يلقي الرئيس كلينتون خطابه في البرلمان الأردني، طلب الأميركان إجراء بروفة في مجلس الأمة للرئيس باستخدام Tile Printer وهنا يقول المجالي: “أخبرناهم بصعوبة ذلك وعدم إمكانية الأمر، وأن الذهاب سيكون لمجرد الخطاب ولمرة واحدة ولا يمكن استخدام البرلمان لعمل بروفة كمقدمة لخطاب الرئيس. وبالفعل تم إجراء البروفة في قصر الهاشمية”.

بين 1995 – 1996 حصلت تغييرات في القصر، طاولت رئيس الديوان والمستشارين، ورشح المجالي لذلك، الا ان الملك أبقاه.

في العام 1997 اندلعت أحداث الخبز التي انتهت بإقالة حكومة عبدالكريم الكباريتي. يذكر الرجل أن الملك كان في ذلك النهار في مناسبة رياضية في منطقة تل الرمان، وغادر المجالي مع الملك مساء الى العقبة، وحين وصل هناك علم بأمر الاضطرابات، فانزعج كثيرا. آنذاك كان سميح البطيخي مديراً للمخابرات، فأصر الملك على العودة إلى العاصمة، وحين حطت الطائرة بعمان، انتقل الى اجتماع طوارئ في مديرية الأمن العام.

في الاجتماع بدا أن الملك لم يكن مرتاحا في “لقاء الأزمة” بمديرية الأمن، فنقل الاجتماع الى قيادة الجيش، وكان عبدالحافظ مرعي الكعابنة قائداً للجيش، حيث أعطى الإيجاز للملك، معقبا “أن الناس في الكرك جيدون ويحبونك يا سيدي لكنهم على عدم رضا من الحكومة”.

قي العام 1998 حصلت تغييرات أخرى في الديوان: خرج عون الخصاونة من الديوان، وجاء فايز الطراونة، وبقي المجالي رغم تلك التغييرات.

أحب الملك حسين (ابو ناصر)، واحتفل له بعيد ميلاده في قصره بالعقبة، وكان حدثاً نادراً أن يخص الحسين مدير تشريفاته بمثل تلك اللفتة. يومها وقعت اضطرابات معان، وفيها قتل طفل من المدينة، وأصر الأمن على تشريح الجثة، فيما شدد الأهالي على دفنه.

مدير الأمن آنذاك والحكومة أصروا على التشريح، ودار جدل كبير حسمه المجالي باقتراح قبول طلب الأهالي، وعندما تهدأ النفوس يجري التفكير بأي إجراءات تحقيقية، وأيده الملك حسين الذي كان قد دخل صدفة وسمع جدل المجالي مع مدير الأمن العام بحضور مدير المخابرات العامة البطيخي، وقال الحسين: “اللي بحكيه ايمن مزبوط”، وهكذا راقت الفكرة في مقر إدارة الأزمة جنوب غرب معان.

يعترف المجالي بأنه لم يبنِ كثيراً على تراث والده. أو لم يستثمر في اسم الباشا الراحل حابس، كما استثمر آخرون بأسماء أعيان أسرهم.

زوجته “فلير زواتي” ذات الأصل النابلسي، تعرّف اليها في اثناء عمله في وزارة الخارجية، وأنجب منها ناصر وزينة وآية ومحمد. وظلت الأسرة تواظب على الذهاب إلى الكرك كل أسبوع، فالطريق كافية لأن يلقى الرجل أحبته ويستمع اليهم، معترفا بإخفاقه في حياة الأبوة مع ابنائه بسبب طبيعة عمله.

يحب المجالي الشعر النبطي، ولا يعنى كثيراً بالأغاني، يقرأ في السياسة أكثر من الأدب، ويرى أن كتاب آفي شليم “أسد الأردن” فيه كثير من المغالطات، وتعوزه الدقة.

كما يعترف بأنه يخطئ في تقدير مدى صدق الأصدقاء، ولا يدعي أنه سابر في نظرته، ولا يهمه أن يوصف بالحكمة والنبوغ. المهم أن يكون صادقا ومنسجما مع نفسه وينام ليله الطويل باطمئنان وحبور.

 

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *