ابو كركي يكتب…ذكريات مقدسية

21 ديسمبر، 2017

ا.د نجيب ابو كركي

بفضل الجيش العربي المصطفوي هيأ رب العزة لي وانا ابن معان ابا عن اجداد ان ارى النور في المستشفى الحكومي بداخل غالقدس القديمة والذي تصله المركبات عبر باب الاسباط. كان والدي رحمه الله معظم الوقت ضابط فئة الاشارة بكتيبة الامام علي الثامنة من لواء الملك طلال قبل تقاعده عام 1965 وعودتنا من بيت المقدس الى الزرقاء.

من عاصروا تلك الحقبة يعلمون ان كتائب الجيش العربي كانت تتبادل الامكنة بانتظام ما بين خو و الضفة الغربية وحدث ان درست الصف الخامس الابتدائي مثلا بثلاثة مدارس زرقاوية ومقدسية. كان من طقوسي الاسبوعية مرافقة الوالد لصلاة الجمعة في الاقصى المبارك نستقل باص العيزرية حيث كنا نسكن الى القدس مقابل تذكرة قيمتها قرش للبالغ العاقل، نصل موقف الحافلات المقابل تقريبا لباب الساهرة و ننتقل على الاقدام للاقصى دخولا من باب العامود حيث نستقبل بمجموعة بسطات انيقة حول الممر معظمها يبيع العاب الاطفال الخفيفة على ما اذكر نلج منها لساحة واسعة نسبيا ودرج رحب لطيف الانحدار مرصع بمحلات تجارية على الجانبين ثم خيار ما بين شارعين ( في الواقع زقاقين) على اليمين يميز مدخله من جهة اليسارمحل “بن ازحيمان” يتوكل باستقبال انفك بعبق القهوة و بعد امتار قليلة وعلى الجهة اليمين كنافة جعفر ! كفيلة بألعاب شهوة يجيدها اللعاب !

ان استمريت في الزقاق ثمة تفرعات منتهاها على اليمين كنيسة القيامة حيث يمكنك الدخول وصعود درج ضيق مرصع يؤدي لتاج العذرى وقد تحصل على شمعة وابتسامة عريضة مريحة من “ابوناالخوري” حتى وان كنت مسلما، وبعدها من الجنوب الغربي ثمة باب الخليل و القلعة و على اليسار بعد مسيرة دقائق باحة المسجد الاقصى المبارك الغربية تحرسها ببهاء قبة الصخرة المشرفة ، على اليمين واليسار من البوابة المؤدية لمسرى النبي عليه صلوات الله وسلامه ثمة مجموعة من الاضرحة احدها يحتوى رفاة المغفور له الحسين بن علي طيب الله ثراه حيث رسخت بذهني بتلك المنطقة بعد احدى الزيارات للضريح عبر الشبك ذكرى طفولية عزيزة لا تمحى مع الزمن.

هناك وجدت ” بريزة” عشرة قروش في احدى نزلاتنا ” للمدينة” كما كان يدعوها اهل القرى المحيطة. هنا وهناك بكل الازقة تصدفك نساء بمرتبة جدة بثوب فلسطيني مطرز بعناية وحنان موفرا جلوسا مريحا على الارض امامها” لقن” كبير يحتوي تينا او عنبا او “كورسا” زاهيا كاملا من النعنع والبقدونس والفجل العادي او البتيري ، لا تخلوا من زبائن يفاضلون باهتمام بالغ بين ضمم العشبيات المختلفة لضمان الحصول على الافضل . احيانا يكون ثمة جديد فاكهة لا اعرفها اطلبها من الوالد رحمه الله الذي لم يكن بهذا المجال يرفض لي طلبا انها حبات وشرحات من ” جوز الهند” يبتاعها لي ، يدفعني فضولي ان اسأل عن اسمها ويبدو ان سفير معان في القدس لا يعلم لكنه يجيب بدبلوماسية “كل واشكر” طعم مميز اصبحت ابرمج ترقبه كل اسبوع ولكن هيهات انه غير متوفر غالبا حتى جاء يوم يزورنا به عمي الاصغر ” ابو جورج” التي يلفظها المعانيون ” جرج” سريعة حادة كضربة سيف، كنيته ايام الصبا التي تحولت مع الزمن الى ابو عصام في الواقع بعد حين ، جاء قادما من معان و اصطحبته للقدس بمرتبة دليل سياحي وبتلك المرة اقابل فاكهتي للمرة الثانية واطلبها منه ( رداوة نفس عابرة لا تقاوم!) يقول:- تكرم يا عمك بس وشو اسمها؟ وافيده ” كل واشكر!” في الخلاصة حصلت عليها بعد مداولات مع ” الفكهاني” مسجلا نادرة لطالما اثارت بنا الضحك فيما بعد، رحم الله والدي وعمي عبد الله “ابو عصام ” وكذلك عصام ” ابو عبد الله” ورفع الله الغمة والوباء عن القدس الشريف بهمة امة تنبذ تناحرها و تعطي الاولوية لتحررها. انه سميع مجيب .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *