الأزمة التي تحتاج إليها أوروبا

18 أكتوبر، 2015
المصدر:باري آيكنغرين*

 

إنه لأمر صعب أن نشعر بالتفاؤل بشأن أوروبا. ففي الصيف الماضي، هددت المصارعة الشرسة بين ألمانيا واليونان بتمزيق الاتحاد الأوروبي إرباً. وفي بلد تلو الآخر، تكسب الأحزاب السياسية المتطرفة المزيد من الأرض. وبفضل توغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين داخل أوكرانيا، الفناء الخلفي للاتحاد الأوروبي، تحولت السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية إلى مزاح سخيف، والآن تأتي أزمة اللاجئين. والآن تراوغ بلدان الاتحاد الأوربي الثمانية والعشرون حول كيفية توزيع 120 ألف لاجئ، في حين عبر ثلاثة أضعاف هذا الرقم البحر الأبيض المتوسط في الأشهر التسعة الأولى من عام 2015 وحده.

ويتوافد اللاجئون عن طريق البر وليس البحر وحده. فألمانيا وحدها تتوقع نحو مليون طالب لجوء هذا العام. ومن المضحك أن نتصور أن الحكومات الأوروبية سوف تكون قادرة على ترحيل أي جزء كبير من هؤلاء الوافدين أو «إعادتهم إلى أوطانهم» بلغة الدبلوماسية. فهم كمثل الكرة المطاطية سوف يرتدون لا محالة.

ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق حول كيفية التعامل مع هذا الفيضان من البشر، فقد أعلنت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في البداية أن بلدها يتحمل التزاماً تاريخياً باستيعاب اللاجئين، قبل أن تتراجع في مواجهة الانتقادات السياسية.

وفتحت المجر حدودها، على أمل أن هذا المد البشري سوف يمضي قدماً ولن يستقر على أراضيها، ولكنها بعد ذلك أقامت سياجاً من الأسلاك الشائكة عندما تبين لها أن المقاصد الأخرى المرحبة باستقبالهم قليلة.

وفي مستهل الأمر قاومت بلدان الاتحاد الأوروبي في أوروبا الشرقية تلقي نصيبها من المئة والعشرين ألف لاجئ؛ ولكن مع اعتمادها على التحويلات المالية من بلدان الاتحاد الأوروبي الأكثر ثراء، أذعنت بعد أن مورست معها دبلوماسية لي الذراع على نحو أشبه بما حدث مع اليونان. وفضلاً عن زيادة الشكوك حول كفاءة زعماء أوروبا وتضامنهم، فإن هذه الأزمة تهدد الإنجاز الأهم للاتحاد الأوروبي، السوق المشتركة، والتي تضمن حرية التنقل للسلع والخدمات ورأس المال والبشر.

الواقع أن اتفاقية شنغن الذي يتيح العبور الحر بدون تأشيرة هو الذي يعطي حرية تنقل البشر معناها الحقيقي. ولكن نظراً لعدم قدرة الدول المشاركة على فرض سيطرتها على حدودها مع دول من خارج الاتحاد الأوروبي، أعادت ألمانيا وغيرها من أعضاء اتفاقية شنجن فرض الضوابط على الحدود مؤقتا. بل وقد تكون هذه الخطوة أكثر من مؤقتة، مع ارتفاع أصوات مؤثرة الآن تدعو إلى إلغاء اتفاقية شنغن.

ولن يكون تفكيك الاتفاقية أقل من انتكاسة اقتصادية كبيرة. ذلك أن السماح للشاحنات والقطارات بعبور الحدود الداخلية للاتحاد الأوروبي دون تعطل أو انقطاع لا يسهل التجارة فحسب؛ بل إنه يشجع أيضاً على تنمية سلاسل الإمداد وشبكات الإنتاج الإقليمية. ومن الممكن إنتاج قطع السيارات في إحدى الدول الأعضاء ثم تجميعها في أخرى، وبعد ذلك يمكن تسليم المنتج النهائي إلى السوق. وفي وقت حيث تناضل أوروبا لتعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية، فإن إعادة فرض الضوابط على الحدود سوف تكون بمثابة ضربة خطيرة.

ومن عجيب المفارقات هنا أن هذا على وجه التحديد هو النوع من الأزمات الذي أنشئ الاتحاد الأوروبي لمعالجته. ذلك أن حل مشكلة الحدود والأمن يستلزم العمل الجماعي من قِبَل البلدان الأوروبية. فالبلدان فرادى، مثل اليونان، لديها قدر محدود من الحوافز للاستثمار في الضوابط ما دام اللاجئون عابرين فحسب. وفي الوقت نفسه، لا تفضي التحركات الفردية من قِبَل كل دولة على حِدة، كما تفعل المجر التي لا تبدي الاستعداد حتى للتسامح مع المهاجرين العابرين، إلا إلى تحويل اتجاه تدفقهم.

والاتحاد الأوروبي لديه وكالة تدعى فرونتكس لتنسيق وتعزيز السياسات الوطنية لفرض الضوابط على الحدود. ولكن الحكومات لم تسمح لها بإصدار التوجيهات للوكالات الوطنية. وإذا كان لهذه الأزمة أن تُحَل، فإن هذه الحال لابد أن تتبدل، وينطبق الأمر نفسه على إعادة التوطين.

فمن غير المتوقع أن تكون ألمانيا والسويد المقصدين الوحيدين لكل اللاجئين القادمين. وتقاسم الأعباء ضرورة أساسية لجعل الأعباء محتملة. من حيث المبدأ، ليس من الصعب صياغة الخطوط العريضة للاتفاق.

فبوسع ألمانيا أن توفر المال واليد العاملة لتأمين الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ومن الممكن أن تتفق الدول المجاورة لها بعد ذلك على قبول المزيد من اللاجئين وتزويدهم بالفرصة الاقتصادية الحقيقية كحافز للبقاء.

وسوف يتطلب إنشاء مؤسسات لتعزيز أمن الحدود وإعادة توطين اللاجئين أن تأخذ أوروبا خطوة أخرى نحو التكامل السياسي الأكثر عمقا، في إطار قرارات يتم اتخاذها على مستوى الاتحاد الأوروبي، وليس المستوى الوطني. وربما يكون هناك عزوف عن التفكير في هذا الأمر، ولكن لا يوجد خيار آخر إذا كان لأوروبا أن تحظى بأي أمل في التوصل إلى حل للمشكلة. والمزيد من الأسلاك الشائكة على الحدود ليس بالحل الوافي. فأوروبا تحتاج أيضاً إلى معالجة الظروف التي تدفع المقيمين في البلدان التي مزقتها الحروب وابتليت بالفقر إلى الفرار.

وحتى الآن كان الاتحاد الأوروبي غير فعّال بمفرده في نشر المساعدات والدبلوماسية والجنود على الأرض لمعالجة الصراعات في أفريقيا والشرق الأوسط.

وبشكل خاص، كانت ألمانيا وهي الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي مترددة في المساهمة بالقوات والتمويل بل وحتى النصيحة الاستراتيجية، وهو ما يعكس تاريخها العسكري القاتم.

والواقع أن ميركل، باستثناء مشاركتها في المفاوضات بشأن أوكرانيا، أذعنت للاعتراضات ذات الجذور التاريخية من قِبَل الجمهور الألماني على تعميق التشابكات الخارجية. بيد أن هذا التحفظ لم يعد مقبولًا.

ذلك أن أحد الأسس المنطقية لإقامة المشروع الأوروبي كان دوماً السماح لألمانيا بإبراز قوتها الدبلوماسية والعسكرية في سياق سياسة خارجية أكبر تشمل الاتحاد الأوروبي بالكامل. وبهذا يصبح بوسع الألمان وغيرهم ن الأوروبيين أن يثقوا في كون ألمانيا قوة إيجابية من أجل التغيير. ولا يملك المرء إلا أن يتساءل: إذا لم يكن ذلك الآن، فمتى إذن؟

* أستاذ في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وفي جامعة كمبريدج

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *