الإخوان.. التقدم على الطريق المسدود

26 أكتوبر، 2015

منذ شهر أو أكثر لا يمر يوم إلا وتطالعنا مواقع تابعة لجماعة الإخوان المسلمين ويهاجمنا بعض كتابهم أو من لفوا لفهم وذاقوا طعم أموالهم بمقالات وتحليلات تصب جميعها في خانة أن جدلا واسعا تشهده صفوف الجماعة بشأن المفاضلة بين الالتزام بمنهج “السلمية” في مواجهة “الانقلاب في مصر” أو الجنوح نحو “العمل المسلح” على اختلاف درجاته.

وفي هذه اللعبة تظهر وجوه على المسرح بعد شهور من الاختفاء، كما حدث أخيرا من نائب مرشد الجماعة، محمود عزت، ومن قبله محمود غزلان، الذي ألقي القبض عليه بعد نحو أسبوع من نشره المقال وكلاهما أراد أن يدفعنا للتصديق بأن جدل السلمية والعمل المسلح المزعوم يتسع وأنهم كقادة تاريخيين للجماعة مصرون علي الالتزام بمنهج السلمية الذي أسس له حسن البنا مؤسس الجماعة وأن قوة الجماعة في سلميتها وأن غضب قطاع من الشباب من هذا النهج وانغلاق أبواب التغيير السلمي في وجوههم هو ما دفعهم مجبرون للسير في طريق العمل المسلح، لكنهم لا يقرون هذا الفعل ويدعون هؤلاء الشباب للعودة إلي منهج البنا.

هذا ما يقوله اثنان من المشهورين بانتمائهم للجناح القطبي داخل صفوف الجماعة ووفقا للتصنيف التقليدي لقيادات الجماعة، الذي أثبتت التجربة عدم صحته، وفي المقابل تفتح ذات المواقع ويخصص ذات الكتاب مساحات مضادة للهجوم على القيادات التاريخية ونهج السلمية المزعوم.

وعلى تخوم تلك المعركة تبدأ ماكينة إعلام الإخوان الدولية في تمرير أخبار عن زيارة قيادات إخوانية لإيران بعد بدء “عاصفة الحزم” وأن تحقيقا داخليا يجري بشأن تلك الواقعة لأنها تخالف محاولات الجماعة العودة لحضن السعودية من بوابة الأزمة اليمنية.

وتتواصل عمليات بث أخبار وبالونات اختبار من هنا وهناك، وفي حقيقة الأمر فإن إلماما ولو بسيطا بأدبيات الجماعة وتاريخها التنظيمي والحركي يكشف دون معاناة زيف هذه الادعاءات مع التسليم بالطبع بوجود تباينات داخل الجماعة بسبب الضربات الموجعة التي وجهت لها منذ الإطاحة بحكمها في مصر.

أقول إن جدل السلمية والجنوح نحو العنف كان وما يزال الستار الذي يتخفى خلفه قيادات الجماعة منذ تأسيس “النظام الخاص”، الذي نفذ عمليات اغتيال سياسي من أرضية حزبية ضيقة لا وفقا لأجندة عمل وطنية.

فصحيح أن سياسة الاغتيالات السياسية كانت معتمدة في النصف الأول من القرن العشرين كإحدى وسائل المقاومة الوطنية، لكن الإخوان حين طبقوها انطلقوا من حسابات الجماعة العنصرية لا حسابات الجماعة الوطنية، فاغتيال النقراشي والخازندار كان لقرار حل الجماعة والقبض علي عدد من قياداتها وهم من هذا الباب كانوا يمارسون إرهابا لا كفاحا وطنيا شريفا.

وفيما كانت بنادق “النظام الخاص” تحصد أرواح من وضعهم مؤسس الجماعة في خانة الأعداء كانت ماكينة الجماعة الإعلامية تتبرأ منهم بالقول: “ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين”.

وفي التأسيس الثاني للجماعة تكرر المشهد وبعد إفراج الرئيس السادات عن قيادات الجماعة ضمن صفقة مواجهة الناصريين والشيوعيين بواسطة الإخوان، إذ أسس الإخوان مع صالح سرية تنظيم الفنية العسكرية.

وتلقي سرية البيعة من أعضاء التنظيم في منزل زينب الغزالي، التي قالت لهم إن بيعتكم للتلمساني تلزمكم بتنفيذ تكليفات سرية، وحين فشلت العملية وسقط التنظيم ذهبت زينب الغزالي إلى المحكمة، وبصقت في وجوه المتهمين ونهرتهم بعد الاتفاق مع السادات على إخراج قيادات الجماعة من لائحة الاتهام والاستمرار في تنفيذ اتفاق المواجهة مع قوى اليسار.

وتحت هذا الستار خرجت قيادات الجماعات الإسلامية من عباءة “الجماعة الأم” لتتواصل لعبة نبذ العنف وتقديم نموذج التنظيم الدعوي الميال بحكم تكوينه الفكري وبناءه التنظيمي للعمل السلمي، حتى قتل السادات واستمرت اللعبة مع نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وما تلاه حتي انكشفت النوايا عند الخروج الكبير للمصريين في الثلاثين من يونيو لإبعادهم عن الحكم.

ولعل ذاكرة المصريين تحفظ جيدا هتافات الإخوان وأنصارهم: “ألف تحية للمشير من قلب ميدان التحرير”، وهتافهم الذي نحتوه ورددوه أمام مكتب الإرشاد: “يا داخلية إحنا معاكي ورب العزة بيتولاكي”، لكن حين دارت الدائرة تغير السلوك أيضا من منطلقات حزبية تغلب مصلحة الجماعة على المصلحة الوطنية وبدأت عمليات التفجير تطال كل شيء لتكدير حياة المصريين.

الشاهد أن فكرة جدل العنف والسلمية ليس صحيحا وأن ماكينة إعلام الإخوان مدعومة بأموال وأجهزة مخابرات دولتين على الأقل لن تتوقف عن الدوران لإطلاق أكبر قدر من الدخان للتمويه على محاولات إعادتهم للمشهد عبر تسويات تقدم قيادات بعينها باعتبارها تؤثر السلمية وترفض العنف.

أو على الأقل تبييض صفحة الإخوان للدخول إلي مياه السياسة الدافئة التي تمنحهم طوق النجاة للبقاء على قيد الحياة واستمرار ممارساتهم المزدوجة، لكن يبدو أن تلك المحاولات لن تفلح وأن تقدم الإخوان على هذا الطريق يعني ألا تغيرا سيحدث فهو تقدم على طريق مسدود.