التل يكتب…حبيب الزيودي .. حمل شعره بروحه فأتعبها

27 أكتوبر، 2017

كتب محمد حسن التل
تمرد قلبي والجنان تــرددا

فقلت استبينوا الأمر قالوا: تأكدا

فحشرجت الآهات والدمع خانق

بحنجرتـي، أواه من فجـأة الـردى

… وكأنه قدر الأردن، أن يمضي الخيرة من أبنائه، وهم في عز عطائهم وشبابهم، وكأنه قدر العظماء، أن تختطفهم يد المنون، بسرعة وفجأة موجعة.

حبيب الزيودي، فارس أردني ترجل فجأة، وبدون استئذان -وهل يستأذن الموت عندما يداهم صاحبه؟!!- كان صباحاً، تكاد تغلب الغيوم فيه، على الشمس، وكنت في اربد، مدينة عرار، الذي أحبه حبيب، حتى مات في حبه، ولحق به، أتابع عبر محطات الفضاء، أخبار الموت في سوريا والعراق، وكل الأرض العربية المنكوبة.. عندما رن الهاتف، ونقل لي صديقي وزميلي، الدكتور مهند مبيضين، خبر رحيل حبيب، للوهلة الأولى، لم أستطع، أن أستوعب ما قاله مهند، وكما هي عادتنا، عندما يأتينا خبر الموت.. الاستنكار.. وكأننا لأول مرة، نعرف بالموت، وكأن الموت، ليس بأقرب إلينا، من حبل الوريد، وننسى قول الحق عز وجل، الذي قهر عباده بالموت إنك ميت وإنهم ميتون .. الآية.

حبيب الزيودي، عرفته عن قرب متأخراً، وكعادته، يكثف اتصالاته بأصدقائه وزياراته ويقطعها فجأة ويختفي، ثم يظهر أيضاً فجأة، كما كان رحيله.

“في اللقاء الأول به، في دار الدستور قبل ثلاث سنوات، رأيت فيه الإخلاص المطلق لتراب الأردن، وكان إخلاصاً ذا وجع، وكانت بعينيه لمعة، لم أستطع تفسيرها، إلا عندما جاءني نعيه، تلك اللمعة الحزينة، التي تنذر برحيل سريع.”

أحب حبيب، عرار، حباً كبيراً، وكان يعتبره والده واستاذه في الشعر، كان عندما يتحدث عن عرار مصطفى وهبي التل ، تحس بالوثبة في نفسه، والعشق من بين حروف كلماته وأشعاره، أحب عمَّان كمعشوقة غالية، كما أحب الكرك والسلط واربد والمفرق والعالوك وغريسا والطرة والدرة، وكل الأرض الأردنية، ولكن عمَّان، كانت بالنسبة له، محراب الحياة. كان مسكوناً بحبه لتراب الأردن، دافع عن هوية الأردن، بعناد الفارس وثبات الجندي، وتغنى به، بحروف الشاعر، وكلماته.

رغم كل شراسته المحببة وعنفه الجميل، كان يحمل بين ضلوعه، قلباً رهيفاً، وبين فوديه، عينين تلمعان دائماً بالدمع الحار، كأي مبدع صادق وشاعر، صاحب روح وثابة، شعره يعكس آلامه وأوجاعه وهمومه على وطنه وأمته، إن غيمة الحزن، التي ظللت كل من عرف برحيل، هذه القامة الكبيرة، دليل واضح على مكانة الرجل، بين الناس، ووصوله إلى قلوبهم، فحبيب لم يكن متشدقاً، ولم يكن منافقاً، ولم يكن طبَّالاً، ولا زمَّاراً، بل كان شاعر وطن تعكس أبيات شعره ما في نفسه من سمو وصدق وشهامة.

كان صديقاً للجميع، وكان ذا مزاجية محببة، يقسو على الجميع، عندما يرى الخطأ، لا يجامل في شعره، ولا في أفكاره، كان جيشاً بكامله، يدافع عن وطنه، وعن هويته، وظل كذلك، حتى لبَّى نداء المنون، ولقي وجه ربه.

حبيب.. سأقول لك ما كانت جدتي تقول، بموت عزيز في موال الحزن الاردني الخالد جديد يسلّم على العتيق، يقولوه ترى صاحبك من يوم الفراق حزين .

ترى، من يستطيع أن يخمّن، كيف سيلقى حبيب، عرار، وكيف سيكون هذا اللقاء؟ وماذا سيروي له، عن أخبار الدار والديرة.

حبيب الزيودي.. حمل شعره بروحه فأتعبها، فتوقف قلبه، وهو ينبض، بحب الأردن وتقديس ترابه.

حبيب الزيودي… في حياته وفي موته سيظل حنا على حنا.

 

عن الدستور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *