الدكتورة عصمت حوسو تكتب :- إنفلونسرز عالريحة

6 نوفمبر، 2019

المؤثرون (المؤسرون) اجتماعيًا هم ذاتهم المعروفون أيضًا بِ(الإنفلونسرز) -أدامهم/هن الله ذخرًا للوطن- فلهم حضور جماهيري كبير جدًا عبر بوابات العالم الافتراضي المختلفة، ومعايير اعتبارهم (مؤسرين ومؤسرات) هو عدد المتابعين/ات لهم، والذين ينتظرون ما يقدموه بشغف منقطع النظير يوميًا، حتى وإن كانوا هم ومنشوراتهم بريحة وعلى الريحة..

لسنا ضد هؤلاء البتّة، فيجب علينا التسليم بحقيقة فرضت نفسها علينا “قسرًا” لا طوعًا، مفادها أن العالم الافتراضي لم يكتفِ فقط بإزاحة العالم الواقعي، وإنما أوشك أن يحلّ محلّه بالمجمل، ولكننا ضدّ المعايير التي يتم الاعتماد عليها لوسم هؤلاء -من الجنسين- بالمؤثرين والمؤثرات، ونحن أيضًا ضدّ اختزال التأثير في القطاع العريض من المجتمع وحصره في القضايا السطحية وإهمال القضايا الوطنية الكثيرة جدًا، فلا ضير بقليل من العدل في الحدّ الأدنى في سيرورة كل منهما.
ويا حبذا لو استفاد هؤلاء الإنفلونسرز من “الكمّ” الهائل لعدد متابعيهم وعمل خلطة منوّعة في عروضهم تشمل أمور هامة مع منشوراتهم التافهة كذلك، مثل الإعلان عن كل ما هو جديد في عالم العلم والكتب والمعرفة مثلاً، والاختراعات العالمية الجديدة التي تفيد المتلقّين في جميع المجالات، جنبًا إلى جنب مع القضايا الوطنية أيضًا، وعدم حصر أنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعي في (القضايا الشخصية) فقط، والتي لا تهمّ العوام بقدر ما تهمّ الفضوليون منهم، أولئك المتطفلون لمعرفة أسرار وخصوصيات الناس بشغف، واستخدامها مادة دعائية للشهرة، وما أكثر الشريحة الأخيرة للأسف الشديد، وربما وجودها يفسّر لنا سبب التفنّن الشرس حاليًا في فبركة الشائعات ونقل الأخبار الملفّقة مؤخرًا بسرعة قد تكون بمستوى سرعة الضوء، فمشاركة الإنفلونسرز حياتهم الشخصية بتفاصيلها اليومية الدقيقة زادت من “حبّ الفضول” لدى الناس المتخمين أساسًا به، وصارت موضة ومادة للتقليد لا تتطلب أكثر من نشر الشائعات أو السخافات لاستدراج المتابعين والمتابعات، وما عزّز من انتشار هؤلاء وتفشّي ظاهرتهم هو استدعائهم لافتتاح مطعم ما، أو محل هنا، أو دعاية هناك، مقابل مبالغ ضخمة قد توظف عدد لا بأس به من العاطلين عن العمل، وتفتح بيوت مغلقة عاجزة عن توفير الحاجات الأساسية..

من المؤسف فعلاً أن تصبح الغاية تبرّر الوسيلة لهؤلاء الإنفلونسرز، ونشر التفاهات الرديئة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وقد تصل في البعض إلى مستوى هابط جدًا يستخفّ بعقول المتابعين، ألا يكفينا اندثار زمن الأبطال والبطولات في المجتمع العربي؟! ألا يكفينا أن الجيلين الأخيرين قد شهدوا عصر الانكسار العربي والكثير من الهزائم والخيبات؟! أليس الواجب يستدعي هؤلاء المؤثرين/ات لرسم صورة جميلة عن الوطن والعروبة وتقديم رسالة قيّمة للأجيال اللاحقة؟! وبما أنهم يعتبرون أنفسهم “القدوة” لمن يتابعهم في كل شيء، أليس عليهم أن يكونوا بمستوى المسؤولية ويهتموا في رسم (نموذج) جميل يقتدي به القطيع وراءهم؟!

وعليه، ماذا ننتظر من هذا الجيل إذًا بما أنه يتلقّى يوميًا على جميع وسائل التواصل الاجتماعي في كل ثانية رسائل مسمّمة للفكر، وهادمة للعلاقات، ومدعاة للانحلال الأخلاقي في معظمها إن لم يكن جميعها؟! هل ننتظر مستقبل عربي حافل بالعلوم والاختراعات والآمال والإنجازات مثلاً عندما يكون “الإنفلونسرز” هم النموذج الأصل لا الاستثناء؟!

وما يدعو للضحك حدّ السخرية، أن مثل هؤلاء حازوا على لقب (سفراء) لأوطانهم، وممثلين عن مواطنيه، في حين أنهم حقيقةً لا يمثّلون إلاّ أنفسهم عندما تمسي طريقتهم مبتذلة ورخيصة لا تليق بالوطن ولا تشبه قيم مواطنيه الجميلة، ولا حتى تعبّر عن الفطرة الإنسانية السويّة..

اعتقد أنه آن الأوان اليوم لوضع حدًا لمهازل الإنفلونسرز، والسير على خطى الدول المصدّرة لنا إنتاجاتها ونحن ما زلنا مستهلكين سلبيين لها، فتلك الدول قامت بتقنين هذا التوجه وحولته إلى تخصص علمي، يحصل الإنفلونسرز من خلال الالتحاق به على أدوات علمية وطرق محترمة لتوصيل الرسائل المرغوبة للجمهور، أو التأثير في الرأي العام بشكل إيجابي، وتدريب من يريد منهم امتهان هذا النشاط والترزّق منه عبر (التسويق الرقمي)، وذلك لتطوير قدراتهم الإنسانية ومهاراتهم الأخلاقية من أجل التأثير على متابعيهم وتوجيههم حيث يريدون بطرق لائقة.

بات تأهيل هؤلاء حاجة ملحّة، ووجب على أولي الأمر توجيه الإنفلونسرز نحو مناصرتهم للقضايا الوطنية، اجتماعية كانت أم سياسية، واعتبارها واجب وأولوية وطنية لا مفرّ منها أمامهم، وأن يكونوا معول بناء لا هدم، ويحتّم الواجب عليهم البحث عن كافة سبل التعلّم والاستزادة الثقافية التي تجعل منهم مؤثرين حقيقيين لا زائفين، ووضع الحدّ لتلك الفقاقيع الهلامية التي جعلت منهم (الصدفة) المحضة ومرحلة “الهشاشة المعرفية” التي نحياها في هذا الزمن الأعوج (مشاهير)، ولكنهم من كرتون، ومنفوخين على فاشوش..

كلامنا هنا لا يعني أننا ضدّ لغة العصر وأدواته، أبدًا، فنحن ندعو دومًا إلى التحلّي في “المرونة” بالدرجة الكافية للتكيّف مع مستجدات العصر ومدخلاته، بحيث تمكّننا من إجادة لغة الحوار مع جيل هذه الحقبة العجيبة، وتمكّننا من إتقان مسابقة الزمن لأجل اللحاق بركب عملية (التغير الاجتماعي) المتسارعة جدًا في كل شيء، باستثناء “الذهنية البالية” القائمة على إرث ثقافي تمسّك بعادات وتقاليد قبيحة وترك تلك (العتيقة) الجميلة تميل في مهبّ الريح..

متابعة هؤلاء “الكثرة” بالعدد لا بالفكرة، يقود إلى تسفيه العقول، ويعكس انحدار فكري وانحلال أخلاقي وافتقار شديد للوعي، بالإضافة إلى تنامي مخاطر الجهل بسبب تأثيرهم، فتبدو عروضهم في ظاهرها مسليّة وممتعة، ولكنها تضمر مخاطر شتّى في باطنها، فلم تعد وسائل التواصل الاجتماعي محصورة في فئة المراهقين كما عهدناها في بداياتها، فيتابعها الطفل في سنواته الأولى أو الكهل في سنواته الأخيرة، وهذه نقطة تحوّل خطرة تحمل في طياتها مكمن النعمة والنقمة في ذات الوقت، ولا بدّ من التنويه هنا أن المتلقّي لم يَعُد اليوم في ظلّ هذه الفجوة العمرية بين المتابعين يتمتّع بالقدرة الكافية لإفراز الغثّ من السمين، ولا الصالح من الطالح، من رسائل الإنفلونسرز في عروضهم المنشورة، فالطفل يضحك عليها والكهل يتسلّى بها..

في كتابه (سحر الشخصية) يقول الكاتب الفرنسي بول كليمون جاغو “كلنا نبثّ من قريب إشعاعات حيوية تعمل بمثابة المغناطيس، وتتدفق حول كل منا موجات مغناطيسية في دوائر ضيقة تنبعث من أطراف الجسم الدقيقة كالشعر والأهداب والجفون وأطراف الأصابع، وكل قرار أو نية حازمة بتوجيه هذه الإشعاعات نحو نقطة معينة من جسم شخص آخر تمكّن الموجة من التأثير فيه” وهذا سرّ تأثير بعض الأشخاص على الآخرين، طبعًا هذا الأمر يرتبط بالنواحي الجسدية للمؤثرين، ولكن (مفتاح بوابة التأثير) في الآخرين هو الحرص على تقبلهم للمؤثر نفسيًا، حتى يتمكنوا من تقبّل أفكاره وشخصيته، وعند نجاح الوصول إلى مرحلة (التقبّل النفسي) لدى الجمهور يبدأ التأثير الحقيقي عليهم وبعمق شديد، ونحن وإن طبقنا هذه القاعدة العلمية على الإنفلونسرز الحاليين، نجد أنهم بعيدون كلّ البعد عنها، وقريبون جدًا من التأثير السطحي، سريع الزوال والاندثار، ولا يفعل شيء سوى تخريب العقول وتشويش الأفكار..

النصيحة التي نقدمها هنا لمثل تلك النوعية الساذجة من الإنفلونسرز، قبل نشر أي شيء فكروا في المستقبل البعيد لا القريب، واسألوا أنفسكم ما يلي: هل إذا شاهد أبناءكم وأحفادكم مثل تلك الترّهات بعد عقد أو عقدين من الزمن، هل سيشعرون بالفخر والتباهي بكم أم منشوراتكم ستغدو مادة للخجل منها والشعور بعار القرابة بكم ؟؟!!
اعتقد أن الإجابة على مثل هذا التساؤل بعيد المدى -لمن يعقل- من الإنفلونسرز تفرض عليهم أن تصبح موادهم الدعائية ومنشوراتهم لاحقًا مرهونة “بالنوع لا بالبوع”..

وأخيرًا، بما أن نماذج (القدوة) حاليًا من الإنفلونسرز على (الريحة)، فلا مفرّ أمامنا في هذا المقال إلاّ أن نتذكّر ونذكّر دومًا بإحدى مقولات الكاتب الأمريكي هوار أرنولد:
“سأنظر إلى فوق، وأحبّ، وأضحك، وأرفع الآخرين”. وحتى ذلك الحين سيبقى لنا من هذا الحديث بقية…دمتم…
دة.عصمت حوسو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *