الطراونه يكتب.. معادة عاقل خير من مودة احمق

8 أغسطس، 2018

د. خليف الطراونه

لقد تفاجأنا وأدهشتنا ما نشره بعض الكتاب مؤخرا ؛ بحجة الدفاع عن الوطن ومقدراته وقيادته ؛ والتي كانت الغاية منها- كما يعتقد هؤلاء الكتاب – خيراً للوطن وأهله، ولكن نشتم ، ومن السطور الأولى ، رائحة الحقد والكراهية والتربص شرا في كل كلمة منها؛ما أحدث إرباكا وسوء فهم . وبدلاً من رص الصفوف وتوحيد الكلمة والإلتفاف حول القائد عملت هذه الكتابات وشبيهاتها على بث روح الفرقة وتعزيز قيم سلبية، وصلت إلى حد السب والشتم والمهاترات ،خصوصاً وأن مثل هذه المقالات نشر في الصحف الرسمية.
من ناحية اخرى نرى أن بعض من يكتبون عبر قنوات التواصل الاجتماعي المختلفة – وبالحجة نفسها ايضاً – يطلقون العنان لأقلامهم ببث سموم الحقد والكراهية والإشاعة بحجة الدفاع عن الوطن ومحاربة الفساد وغيرها، كما نجم عنه الخوض في اعراض الناس واغتيال الشخصيات والترويج للإشاعة بأشكالها المختلفة دون امتلاك الحجة والأدلة والبراهين على ما يقولون، وبهذا اضاعوا فرص استثمار متوقعه تعود بالنفع على مملكتنا وأهلها الطيبين.
هذا لا يعني ،بأي حال من الأحوال، أن نطالب بتكميم الأفواه وعدم محاربة الفساد والترهل الإداري والمحسوبية والشلليه وبكافة أشكالها ومواقعها ،ولكن المقصود أن لا نتحول جميعاً بالدولة الأردنية إلى قضاة ومحامين ومفتيه في كل مناحي الحياة، وأخذ دور أصحاب الاختصاص والحديث بالنيابة عنهم؛ لأن هذا من شأنه أن يدعم الفساد وأوكاره بدلاً من محاربته، وأن نوجه الأنظار إلى أشخاص في الوظائف العامة قد يكونون ابرياء، ونترك المجرمين الحقيقيين يعيثون فساداً ويتمددون.
إن دواعي الإنصاف والحقيقة، تتطلب من عقلاء ومخلصي الوطن جميعاً – محاربة الفساد والفاسدين من خلال دور الحكومة الأردنية بالدرجة الأولى بتطبيق القوانين الموجودة حالياً وسن تشريعات جديدة لسد العجز الحاصل، بالإضافة إلى القيام ببعض الخطوات الإصلاحية والإجرائية لتقليل مستوى الإشاعة ومعالجتها؛ ومن اهمها:
أولاً: عدم ترك الفراغ للإشاعة وتمددها، وذلك من خلال تقديم الإيضاحات الدقيقة في الوقت المناسب بمنتهى الوضوح والشفافية حتى نجهض الإشاعة في مهدها.
ثانياً: البدء الفعلي بتعزيز مبدأ تكافؤالفرص وتحقيق العدالة الإجتماعية في جميع المحافظات ، وكافة مناحي الحياة ليراها الناس على أرض الواقع وليس من خلال الخطابات المنمقة والخطابات الإجتماعية الموسعة والبطولات المزيفه عبر قنوات التواصل الإجتماعي المختلفة.
ثالثاً: تعزيز مناخ الاستثمار فعلاً وليس قولاً والبدء بالمحافظة على المستثمرين الأجانب والمحليين الموجودين حالياً في مشاريع إستثمارية على ارض المملكة وحمايتهم من كافة أشكال الإبتزاز والأتاوات من المواطنين أو المتنفذين أو المعرقلين لحركة الاستثمار بدعوى أنهم يدافعون عن مصالحهم في مناطقهم الضيقه، وخصوصاً في المشاريع الكبرى التي بدأت في المملكة بنجاح سواء في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والصخر الزيتي أو الطاقة النووية وغيرها الكثير.
رابعاً: قراءة أعداد الطلبات التي تقدم للسفارات الأجنبية سواء كانت للهجرة أو للعمل والتي كانت أخرها منصة التوظيف القطرية ، ودراسة أسباب هذه الحالات ووضع الخطط الإجرائية الأنية وطويلة الأمد لمعالجة مثل هذه الإختلالات.
خامساً: أن تقوم الحكومة بمتابعة من يسيء إلى اللُحمة الوطنية والقامات الوطنية في المراكز العامة ودوائر الدولة خصوصاً التي تاخذ منها المنحى الشخصي، واغتيال الشخصية والمناكفات السياسية وتصفيه الحسابات ؛ لأن هذا كله من شانه أن يسيء للوطن لأ أن يعزز من كرامته وعزه ومجده.
سادساً: أن تشكل الحكومة لجنة محايدة من أصحاب الرأي والإختصاص المشهود لهم بالنزاهة والعدالة ونظافة اليد لمساعدة هيئة مكافحة الفساد لقراءة كافة الملفات التي اثيرت في الرأي العام خلال السنوات الأخيرة وإصدار تقارير حولها في جميع الوسائل المتاحة وإحالة الملفات التي فيها شبهات فساد للجهات المعنية حتى ننتهي من هذا الأمر إلى غير رجعة، ومن ثم تقوم الحكومة بمحاسبة من يسيء للأشخاص الذين ثبتت براءتهم من التهم التي زيفت بحقهم أوكانت بمثابة الشك الذي لا يرقى إلى يقين حتى تعود الثقة بين المواطن والحكومة وحتى يعود النسيج الإجتماعي إلى لحمته التي كنا نتغنى بها في أردن الخير والعطاء والألفة والمحبة، أردن المهاجرين والأنصار.
سابعاً: أن تباشر الحكومة من غير تردد أو تأني بإستحداث أو دعم المشاريع الصغيرة المنتجة في كافة المحافظات لدعم الشباب المتعطل عن العمل وتوجيههم نحو العمل والإنتاج بدلاً من السعي للوظائف الحكومية ووظائف القطاع الخاص غير المجدية، ويمكن عمل ذلك من خلال استحداث صناديق للإستثمار بدعم من الحكومة ومشاركة من القطاع الخاص والصناديق السيادية في الأردن ومن خارجه لإقامة مثل هذه المشاريع الإستثمارية الصغيرة والمنتجه ،ويمكن أيضاً التوجه إلى ابناء الأردن الغوالي في بلاد الغربة للإستثمار في مثل هذه التجمعات الذكية والتي من شأنها أن تساهم في تحريك عجلة الإقتصاد والمساهمة في القضاء على ظاهرتي الفقر والبطالة اللتين يعتبران من الاسباب الكامنة وراء إنتشار الجريمة بأشكالها والمخدرات بأنواعها وإهتراء المنظومة القيمية بشكل كامل.
إن مسيرة الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي، مسيرة تراكمية شاملة والبدء بواحدة منها يعطل البدء بالأخرى. ولهذا فإن المنحى الشمولي للتعامل مع القضايا والمشكلات المحلية التي تؤرق كافة أطياف الشعب الأردني هو المطلوب . ويجب أن تبدأ جميعها بخطوط متوازية حتى ننهض بمجتمعنا الذي نرغب أن نعيش فيه بسلام وأمان وطمأنينة، وأن نحافظ عليه لأبنائنا وأحفادنا ،كما وصلنا من الأجداد مُهابا وعزيز الجانب.
إن الأردن يحوي طاقات بشرية كبيرة مؤهلة ومدربة في معظمها وقادرة على الإنجاز والإنتاج، إلا انهم في الغالب مغيبون عن دوائر صنع القرار سواء كان ذلك بقصد أو بإهمال أو بسوء تقدير ، وأن الواجب اليوم يحتم علينا جميعاً، أن نعيد رص الصفوف وتقوية اللحمة الداخلية وتعظيم الإنجاز ومحاربة الفساد والمفسدين والعابثين والمشككين أيضاً والذين يصطادون بالماء العكر لتعكير صفو العلاقات بين أبناء الشعب الواحد، ما ينجم عنه زيادة في الفقر والبطالة وضعف في الاستثمار وبعثرة للجهود؛ لأن هذه المحبة عندما تأتي بغير وعي يطبق عليها النقد القائل “والله إن معادة عاقل خير من مودة أحمق”.
حمى الله الأردن وأهله الطيبين القابضين على جمر الصبر والمحبة .وحمى الله قائد الوطن لما فيه الخير والصلاح.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *