طارق مصاروه ذاكرة الصحافة في نصف قرن

21 أبريل، 2019

محطات في حياة مصاروه:
كان شاهدا على أيام اغتيال رياض الصلح
يروي كيف سمح الروس للملك حسين بالمناورة وشكروه لانه لم يكذب
اغتيال العقيد عدنان المالكي في دمشق
وصفي التل دفع ديونه بعد العودة وارسلة لألمانيا
كيف أسست العرب اليوم ومجلة ألأفق
صدام حسين والكباريتي ورفع الخبز

كتب د. مهند مبيضين

توفي صباح اليوم الاحد 21/4/2019 في عمان الكاتب الصحفي والوزير الاسبق طارق مصاروة عن عمر يناهز 83 عاما.
عاصر مصاروه “القومي العربي” الإعلام الأردني في مراحله الأولى، وتشرب الفكر القومي في سن مبكرة من طفولته. يرى أن الديمقراطية وسيلة لتقدم الأردن، لكن المهم عنده “عيش الناس بكفاية وعدالة والدين وسيلة لتشريف الحياة وليست الحياة وسيلة لتشريف الدين”.

يقدم نفسه بقوله: “أنا تلميذ أنطوان سعادة” ويستطرد “لكن للأسف قيادة أي حزب تذهب للبنان تنحرف عن مبادئها ونحن تعرفنا إلى الحزب القومي في سوريا…”.

ولد في مأدبا العام 1936 “في حارة العزيزات” لأسرة ميسورة فوالده سليم المصاروه كان هاجر مبكرا لأميركا وبعد اغتراب “عاد وعمر بيت وشيد طاحونه واشترى ثلاث شلايا غنم وهو أول واحد طلع من حوش المصاروه”.

يصف الحوش بقول :”حوشنا طلع منه سبعمائة واحد، وكان مكون من سبع بيوت وله مدخل واحد، وكل بيت فيه بئر ما،وأهل الحوش ممن هاجروا من الكرك لمادبا أواخر القرن التاسع عشر”. وبعدما طلع الناس من الحوش “أكتشف في أرضه بقايا كاتدرائية وإذا بأرضه كلها فيسفساء”.

طاحونه والده كانت مقصدا للبدو القادمين من “المشاريق ومن السعودية” وفي مأدبا كانت الذاكرة الأولى، عشر سنوات من الدارسة في أولها كانت في مدرسةدير اللاتين للصف الثاني ومن ثم “أقام الأمريكان مدرسة وذهبت من مدرسة اللاتين وسجلت أنا وغالب هلسا القادم من ماعين في الصف الخامس ولم ندرس الصف الثالث والرابع..” وفي عداد الزملاء كان معه في مدرسة اللاتين فواز أبو الغنم، وفي مدرسة الأميركان ميشيل حمارنه وهاني حدادين وآخرين.

آنذاك مناهج الدراسة كانت صعبة ومتقدمة “قرأنا الأدب الغربي، وآنذاك مأدبا بدت حلما للبدو..وتأخرها اليوم نتيجة لهجرة العناصر المثقفة لعمان..”.
العام 1947 رحلت الأسرة لدمشق “والدي جاء على باله أن يزعل لمجموعة عناصر” وما أن وصلت الأسرة دمشق حتى عمل والده بالتجارة وتغيرت مواقع سكنها في حي السادات وفي باب توما.

درس في الشام بالمدرسة الآسية الأرثوذكسية، ونال البكالوريا السورية، ومن ثمّ درس بمدرسه للحزب في قرية حينا في منطقة جبل الحرمون.

اغتيل العقيد عدنان المالكي في 22 ابريل 1955 دفعه للهرب لبيروت “وبقي والدي بدمشق” وذلك بعد توجيه تهمة الاغتيال للحزب القومي السوري الاجتماعي، وما أعقبها من صدور حملة اعتقالات انتهت بوضع آلاف من أنصار الحزب في السجون.
استقطابه للحزب القومي السوري لا يعزوه لأحد، بل كان نتيجة موجة تعاطف بسبب إعدام أنطوان سعادة العام 1948.

ذلك الحدث ترك آثاره على الإقليم فذلك ما “أدى لقتل رياض الصلح في عمان العام 1951” وهو يروي أسماء المنفذين من الحزب القومي السوري ومنهم “الرفيق محمد أديب الصلاح وكان بالجيش الأردني برتبة شاويش والذي جاء عنده ميشيل الديك وهو صاحب مقهى في درعا والثالث كان عائلة حداد.. وبعد الاغتيال قتل الديك ومسك محمد أديب وحداد هرب للشام ومن الشام أرسله الحزب للبرازيل…” وبرأي مصاروه كان أنطوان سعادة مؤثرا وفيلسوفا ومقاتل بطبيعته وكان هذا سبب تعلق الشباب به.

بقي مصاروه في بيروت ستة أشهر، وظل على انتمائه للحزب حتى العام 1961 وبعد أن جاءت القيادة لعمان “قلنا لهم هل وظيفة القوميين الذهاب للحبس”.

تكرار فشل الانقلابات، وانعطافات النخبة العربية وفشل أحلام الوحدة قادة الرجل للركون للعمل بالإعلام بالأردن، وفي العام 1958 تأسست جريدة الوطن من قبل سمير الرفاعي رئيس الحكومة وكانت غالب الجرائد اليومية بالقدس، ورأس تحرير الوطن صبحي زيد الكيلاني، وكتب مصاروه بتوقيع طارق لأول مرة على العامود الثامن في الصفحة الأولى.
ذات صباح جاء إليه البريد برسالة من القائم بالأعمال الأردني في طهران وصفي التل “امتدح ما كنت اكتب” وبعد شهرين أغلقت الوطن. وكان سبب الإغلاق رفع يد سمير الرفاعي عنها وحلول هزاع المجالي رئيسا للحكومة محله.

بعدها طلبه محمود الشريف وكان مدير للأخبار في الإذاعة، “عرض علي الشغل براتب 40 دينار، وأصريت على 45 ليرة وافترقنا وبعد يومين جاء وصفي وحل مديرا للتوجيه الوطني محل عبد المنعم الرفاعي، وطلبني وكان عمري 21 سنة وقابلته وعينني في 19/5/1959 بوظيفة معلق سياسي بالإذاعة”.
آنذاك صقل تجربته مع أعلام الإعلام الوطني ومنهم أمين أبو الشعر “وكان لي أباً وكنا نحب وصفي في حين كان هزاع نمطا فريدا من السياسيين الأردنيين وظلّ يأتي للإذاعة بمعدل خمس مرات بالأسبوع…”.

تطور مصاروه في الإعلام والمطبوعات “أحيانا لا يرضوا عني وانقل للمطبوعات وعندما يرضون أعود للإذاعة” ولكنه استقال من الإذاعة في حكومة سمير الرفاعي العام 1963.
تعليقاته الساخنة جعلت رئيس الحكومة سمير الرفاعي يحتج عليه عند عبد الحميد شرف مدير الإذاعة يومها فقدم مصاروه استقالته “ومن ثم استقال عبد الرحيم عمر وبقينا سويا معاً في المطاعم بلا عمل”.
العام 1965 جاء وصفي رئيسا للحكومة “عدنا ودفع ديوني” وبعد عام أرسل ببعثه لألمانيا وهناك درس إعداد البرامج التلفزيونية، ولما عاد كانوا يعدون لإنشاء التلفزيون الأردني.
كان من المفروض “أن أكون مدير برامج، فاقترح علي محمد كمال أن اذهب لألمانيا وذهبت إلى بون وبقيت حتى العام 1970.
عودة وصفي رئيسا للحكومة كانت حملت معها قرار دفاع بمصادرة جريدة الدفاع التي بناها أصلا سليم الشريف، على قطعة أرض بمساحة ثلاث دونمات ومن ثم خطف سليم الشريف في أحداث 1970 وأظن أن من خطفه أبو علي أياد وقام وصفي بإصدار قرار المصادرة.

سليم الشريف عند التأسيس كان ذهب لبنك القاهرة واخذ 300 ألف دينار ومن ثم انكسر البنك فأرسل وصفي موظف اسمه عفيف الحسن وكان يعمل بالبنك المركزي ليدير البنك وينقذه وفعل ذلك بجداره ومن ثم دفع المبلغ المستحق للبنك لإقالة البنك من عثرته.
سميت الجريدة الجديدة بالرأي على اسم جريدة القوميين العرب التي كانت تصدر بعمان وكان يكتب بها وصفي التل في أواسط الخمسينيات.

بعد التأسيس طلب طارق مصاروه من وصفي أن يتصل بغسان تويني لأخذ تجربتهم في الصحافة “ذهبنا للنهار ومعنا راكان المجالي ومحمد مصالحة ومحمود الكايد وشاكر عربيات وكان يومها يرسم الكاريكاتير وبقينا عشرين يوما ببيروت وفوجئنا أن وصفي طرد أمين أبو الشعر رئيس التحرير واحضر مكانه نزار الرافعي.

لم يرق لمصاروه ما فعل وصفي “كان معروض علي أن أذهب مستشارا لشيخ قطر، قلت للرافعي لا أريد أن اشتغل معك” وبقي حتى 1975.
اغتيال وصفي التل جرح الرجل “كانت ضربة وأكلت هواه قوية”. ومن ثم ّعاد وعمل مدير برامج بالإذاعة وبعدها استقال وصار شريكا بجريدة الدستور أواخر السبعينيات وكانت حصته 10%.

انتقل مصاروه بعدها في تجربة أخرى “رئيسا لتحرير صوت الشعب وحاولت أن أعيدها لألقها” وعمل مع مرويد التل رئيس مجلس الإدارة “وأوقفنا تدهورها”.

أحداث اليرموك العام في أيار 1986 وتداعياتها ومقتل ثلاث طلاب بها جراء تدخل الأمن أدت لإخراج الرجلين من صوت الشعب “طرد مريود لأنه نشر خبر مقتل ثلاث طلاب واحتج رئيس الحكومة”.
حينها كان مصاروه في نيروبي “قلت لا أريد البقاء وجاء محمد الخطيب وحاول إقناعي بالبقاء وعدت للرأي..” بعدها منع مصاروه وفهد الفانك وخالد محادين وعبد الرحيم عمر من الكتابة في الرأي “اتهمونا بأننا نشاغب على السلام ونزل خبر بأسمائنا نشر خبر في الجروسيلم بوست”.

العام 1997 أسس مصاروه العرب “وقبل أن تصدر في عددها الأول استقال “جراء اختلالات مالية”. وعن العلاقة بصدام حسين يقول مصاروه، زرنا العراق وكانت حكومة الكباريتي رفعت أسعار الخبز، ولما قابلناه ناداني وقال عيني أبو علي، انت اللواء 41 في الجيس العراقي” ذلك بسبب دفاع طارق عن العراق في زمن الحصار، ويضيف: طلب مني الرئيس صدام حسين ان انقل رسالة للمك حسين، إذا السيد الكباريتي يريد مجاولة الخليج او لطموح سياسي ورغائب، فانا ازود الاردن بالنفط، مثله مثل اي محافظة عراقية، وذلك الذي كان لاحقا”
وفي العام 2004 طلب إليه أن يؤسس الغد “بقيت شهرين وجئت بسميح معايطة ومن ثم خرجت من المشروع بسبب تعيني عينا في مجلس النواب.”

علاقته بالصحافة لا تقتصر على الجرائد إذ أسس مجلة الأفق العام 1982 و”أغلقتها الدولة بسبب المطالبة بالتخصص” وبعدها أعاد إصدارها العام1992 و”أفلسنا أنا ومريود التل ودفعنا ديون طائلة تلبسناها”.
أصعب محطات كانت عندما بقي عشرين عام ساكن في بيت ليس له “لا يوجد مصدر واضح للراتب”. ولكنه برغم مرارة التجربة وحبها وإخفاقها ليس نادما “لكن لم يكن هناك طريق آخر، والإعلام مهنة من لا مهنة له..”.
أندر مواقفه مع الرحل الملك حسين هي “لما أصدرنا مجلة الأفق ذهبنا أنا ومريود التل لمقابلة الملك الحسين فأخذت معي جهاز تسجيل وجلسنا بمكتبة وإذا بالفيش لا يدخل.. فقام سكرتيره الصحفي فؤاد أيوب بإحضار جهاز من عنده، فؤاد قال: اكبسوا الكبسيتن وبدأنا المقابلة”.
اقترح الحسين لحظتها عليهما أن يكبسا كبسه جانية لإتمام التسجيل “قلت: سيدي لا أعرف عن الجهاز وفؤاد قال لي اكبس بس الكبستين، وضحك الملك، وأتممنا المقابلة ونحن نظن أننا نسجل لنكتشف عندما عدنا للمكتب ان جهاز فؤاد أيوب لم يكن يسجل وكان الملك عارف واستحضرت كل سؤال وأرسلت المقابلة لينال حكمت واطلع الملك عليها وضحك كثيرا.”

ذات مرة ذهب مع الراحل الحسين لروسيا العام 1976 وكانت العلاقات مع الاميركان متأزمة على صفقة سلاح وهناك قال الحسين للروس “ما بدي اشتري منكم بس بدكم تسمحوا لي أن أناور وقال الرئيس السوفيتي بودغورني: يا صديقي أشكرك لأنك ما كذبت مثل أصدقائنا العرب، وسنسمح لك أن تناور وثاني يوم أخذونا لقاعدة عسكرية لحلف وارسو وكان جماعة الحلف من العرب لم يدخلوها وبدأت العروض العسكرية أمامنا وبعد أن عدنا بأسبوع الاميركان لما رأوا الزيارة وافقوا على طلبنا بتزويدنا بصواريخ هوك”.
زوجته الأولى ألمانية أنجب منها ولدان البكر سماه علي لأنه أحب علي بن أبي طالب “اعتبرته الوحيد الذي خسر في السياسة لأنه صاحب خلق..” وهو يعمل اليوم رئيس تحرير مجله في فرانكفورت وابنه الثاني رعد ويعمل في فرانكفورت أيضا وبعد وفاة أم تزوج من السيدة نبيلة مصاروه “ابنة عمي”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *