بدران يحاضر عن أسباب فشل الدول

29 أكتوبر، 2015

قال معالي وزير التربية والتعليم الأسبق د. ابراهيم بدران أنه لم يعد من الممكن في العصر الحديث إدارة شؤون الأمم الا من خلال بناء دولة وطنية تستند الى الأركان الرئيسية السبعة التي تقوم عليها الدول الحديثة وهي المشاركة السياسة ، والأمن ، والاقتصاد ، والمؤسسات ، والتعليم ، والثقافة والعلم والتكنولوجيا والإبداع والديمقراطية والمواطنة وسيادة القانون. وهذه الأركان كل منها يشكل آلة أو مسيرة بالغة التعقيد والحساسية وينبغي أن يعمل بالتنسيق والتزامن مع الآلات الأخرى حتى يولد النظام بكامله ما نطلق عليه نجاح الدولة وتقدمها واستدامة هذا النجاح.

وبين بدران في محاضرة استشرافية مستقبلية له في جمعية الشؤون الدولية يوم أول من امس الثلاثاء أن الشكل من الإدارة  يجعل من إدارة الدولة المعاصرة عملية معقدة لا يستطيع أن ينفرد بها طرف من الأطراف سواء كان فرداً أو حزباً أو مجموعة . ذلك أن التفرد والتسلط وإقصاء الآخر يؤدي الى توقف التقدم والى السير في طريق الفشل . وكلما كانت هناك اخفاقات في أداء الأركان الرئيسية السبعة كلما جعلت هذه الاخفاقات بنيان الدولة أقل قوة وتماسكاً وزادت فيه من عناصر الضعف أو ما يطلق عليه هشاشة الدولة من الداخل ومن الخارج على حد سواء. فالدول التي تخفق في إدارة شؤونها المختلفة تصبح هشة وقابلة للانكسار والفشل في حين أن الدول التي تنشئ لنفسها برامج واضحة وتوافقات سياسية مجتمعية دائمة ومعايير أداء وآليات تصحيح داخلية من خلال الرقابة والمساءلة والشفافية فإنها تصبح أكثر قوة وأقل عرضة للهزات الخارجية وتكون مواطن الضعف أو الهشاشة فيها ضئيلة. وقد طور الباحثون والعلماء مقياساً لنجاح الدول أو فشلها أو قوتها وهشاشتها يسمى دليل هشاشة الدولة. وكلما صغر هذا الرقم الذي يعتمد على حصيلة أداء الأركان الرئيسية للدولة الوطنية الحديثة كلما كانت الدولة أقل هشاشة وأكثر استقراراً . ويتراوح الرقم لعام 2015 بين (17) لبلد مثل فنلندا وهي الأولى والأفضل في العالم لتصل الهشاشة الى (115) في بلد مثل جنوب السودان وتشاد وسوريا والعراق وهي تعتبر الآن دول فاشلة قريبة من الانهيار. أما الدول العربية الأخرى فإن دليل الهشاشة فيها يبدأ عند (52) مروراً بـ (75) في الأردن وانتهاء بالأرقام الأخرى.

وتساءل بدران: لماذا تفشل الأمم وتتحول الى حالة الضعف والهشاشة ؟ مجيبا بعد تحليل عميق بأن الأمم تنزلق في طريق الفشل حين لا تصدمها حالة الضعف التي هي فيها ولا ترى نقاط الخلل في أدائها ، وانما تحاول أن تغطي ذلك بعبارات وأعذار. وتفشل الدولة حين يكون التركيز لديها ليس على المستقبل ومتطلباته وانما الحاضر يوما بيوم أو الماضي، فلا تحسم القضايا  المعلقة ولا تتيح الفرصة لقادة الرأي والعلم فيها أن يؤدوا دورهم فيتأتى عن ذلك غياب للثقافة التنويرية والرؤى المستقبلية وتتراجع أنظمة التعليم وتعجز عن انتاج أجيال مبدعة . وتفشل الدولة حين تمعن في الاهتمام والتركيز فقط على الحكم والإدارة وليس في بناء الدولة ذاتها فلا تتطور مؤسساتها السياسية والاقتصادية وتنظر الى السياسة والاقتصاد على أنها حكر على مجموعة دون أخرى فتضعف المواطنة ويشعر المواطن بالاغتراب وبالتالي تغيب المساءلة والشفافية وتتحرك المؤسسات القائمة على حالة هلامية ضئيلة الانجاز. وحين تغيب الرؤية المستقبلية يغيب المشروع الاقتصادي ويأخذ الانتاج المحلي بالتراجع ، وتضعف الصناعات الوطنية فيتراجع الاقتصاد الوطني ، ويزداد الاعتماد على الخارج سواء بالمساعدات أو الاستيراد ، ويتفاقم الحال بالبطالة وعدم مشاركة المرأة . .فتزداد مساحات الفقر وخاصة في الأطراف والأرياف ويأخذ كيان الدولة بالاختلال . ويتفاقم الحال حين تكون هناك ضغوط ديموغرافية نتيجة للهجرات واللجوء أو لتوترات داخل مكونات المجتمع وغياب المساواة وضآلة تكافؤ الفرص فيتعمق الفساد المالي والإداري والمحسوبية والقرباوية وتضعف منظمات المجتمع المدني فلا تقوم بدورها على المستويات المختلفة.

 

وحين تكون البيئة الجغرافية ضعيفة سواء من حيث قلة الأمطار أو ندرة المياه السطحية أو البيئة الحارة كما هو الحال في معظم الأقطار العربية وتتراخى الدولة عن تطوير البيئة وتغيير الجغرافيا بإنشاء الغابات والسدود والمرافق المائية والمساحات الخضراء تتفاقم الهجرة من الريف الى المدينة وتزداد الدولة هشاشة وتصبح مهددة بالانهيار في أي لحظة>

وسأل أيضا هل هناك خروج من حالة الفشل ؟ بالتأكيد نعم . هذا ما فعلته دول كثيرة صغيرة مثل سنغافورة وكبيرة مثل الهند .

فاجاب: لا بد أن تتوافق الدولة في جانبها الرسمي والقوي والأحزاب السياسية أولاً بصدق وثقة على المشاركة السياسية والمجتمعية بمساواة وتكافؤ بين مختلف الأطراف ويدرك الجميع أن التنازع على الحكم والسلطة هو خسارة للجميع ، وتنظر الى المستقبل وتضع مشروعها الاقتصادي ، وتعمل وفق برنامج لبناء الاقتصاد الصناعي الاجتماعي ، وبناء المؤسسات وتطوير التعليم بشكل جذري  وكلي باتجاه ترسيخ العقل العلمي والإفادة الكاملة من العلماء والخبراء وتأكيد سيادة القانون بالممارسة الفعلية.  أذاك وبمشاركة الجميع وتشجيع الاستثمار وإذكاء روح الريادية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية وتشجيع الإبداع بأخذ منحنى الانهيار بالتوقف وتبدأ حالة جديدة من الصعود والتماسك تمكن الدولة من استعادة طريقها نحو المستقبل بثقة وقوة .

وفي نهاية المحاضرة دار نقاش موسع مع الحضور.

 

 

 

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *