بُوم… مِن أجل السلام

28 مارس، 2018

چوزي جلاسيوز

مَزَارِع أردنيّ يحمل بومة من بُوم الحظائر في كيبوتز "سديه إلياهو" في إسرائيل.

مَزَارِع  يحمل بومة من بُوم الحظائر في كيبوتز “سديه إلياهو” في إسرائيل.

في أوائل عام 1982، مَنَحَت حديقة الحيوان التابعة لـجامعة تل أبيب في إسرائيل عالِمَ الطيور يوسي ليشيم هدية غير معتادة؛ وهي 15 بومة من بُوم الحظائر (المعروف كذلك بالبُوم المصّاص). كان لدى حديقة الحيوان فائض من البُوم، وقال ليشيم إن بمقدوره الاستفادة منه. وضع ليشيم البُوم في شاحنة صغيرة، وذهب به شمالًا إلى إحدى الكيبوتزات (مَزارع يهودية جماعية) في سهل الحولة. كانت المزارع الموجودة هناك مُبتلاة بشدة بفئران الحقل، لدرجة أنّ في بعض الأعوام كانت حقول بأكملها تطنّ بصوت صريرها العالي. ساور ليشيم – الذي كان يعمل لصالح “جمعية حماية الطبيعة في إسرائيل” – القلق، لأن المزارعين في محاولتهم مكافحة الآفات كانوا يُفْرِطون في استخدام مادة كيميائية قاتلة للقوارض، تُسمَّى “فلوروأسيتات الصوديوم”، أو المركّب 1080. كانت هذه المادة قد حُظِر استخدامها قبل ذلك الحين بعشر سنوات في الولايات المتحدة، بسبب تأثيراتها السامة على الدببة الرمادية، والصقور، والعقبان. وفي إسرائيل، كانت هذه المادة تتسبب في مقتل الطيور المهاجرة، وطيور البلشون المستوطنة. رأى ليشيم أن بُوم الحظائر (واسمه العلمي Tyto Alba)، الذي يحب التغذي على القوارض في الحقول الزراعية، ولا يزعجه العيش على مقربة من البشر، ربما يكون الحلّ… فبمقدوره مكافحة القوارض بصورة طبيعية.

في ذلك العام، استُدعي المُزَارع الذي كان ليشيم قد خَطَّط للعمل معه للخدمة بالجيش الإسرائيليّ، من أجل الحرب في لبنان، وقُتل هناك. لم يردع ذلك ليشيم، الذي شارك بدوره في الحرب. وفي العام التالي، أعاد بدء تجربته بمساعدة مُزَارع آخر، فأعَدَّ صناديق تعشيش البُوم في كيبوتز يُسمى “سِديه إلياهو”، إلى الجنوب من وادي بيت شيعان بإسرائيل.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، وعدد كبير من الصراعات اللاحقة، حقق استخدام بُوم الحظائر في مكافحة القوارض نجاحًا فاق أَشَدّ توقعات ليشيم تفاؤلًا، وانتشر في أرجاء واسعة من إسرائيل، والأراضي الفلسطينية المجاورة، والأردن. وجَمَع هذا الأمر علماء عرب وإسرائيليين معًا في وقت تزداد فيه حدة التوترات السياسية. وعن هذا يقول ليشيم، الذي يعمل الآن أيضًا في جامعة تل أبيب: “تمتلك الطيور القدرة على جَمْع الناس معًا؛ لأنها لا تعرف الحدود”.

في شهر يناير، اجتمع عددٌ من الباحثين من دول بالشرق الأوسط، والبحر المتوسط، وشمال أفريقيا في أحد المنتجعات على البحر الميت في الأردن؛ بهدف مشاهدة صناديق تعشيش بُوم الحظائر في الحقول، ومناقشة النتائج العلمية، ووضع خطط لجهود مماثِلة في مصر، وقبرص، واليونان، وتونس، والمغرب. يفيد هذا البرنامج المزارعين، والتنوع الحيويّ، والشبكات الاجتماعية السياسية على السواء، وذلك حسب قول سارة كروس، اختصاصية عِلْم الحفظ الحيويّ بـجامعة كاليفورنيا في ساكرامنتو، التي ستستضيف في شهر مارس بعض الباحثين المشاركين في ورشة عمل إسرائيلية- أمريكية مشتركة، تدور حول هذا الموضوع. يقول المؤيدون إن هذا المشروع أكثر أهمية من أي وقت مضى، في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب في ديسمبر الماضي اعتزام الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وهو ما تَسَبَّب في توتر العلاقات بين إسرائيل وجيرانها. ويقول منصور أبو راشد، الذي يعمل مع ليشيم ويدير “مركز عَمّان للسلام والتنمية”، وهو منظمة غير حكومية مُكرَّسة لتعزيز الحوار بين شعوب الشرق الأوسط: “من الصعب أن نطلب من الناس في الأردن، أو الدول العربية الأخرى، التعاون مع إسرائيليين في ضوء إعلان ترامب، لكن ينبغي أن يواصل العلماء تعاونهم؛ من أجل نفع أهل المنطقة؛ ومن أجل السلام”.

وسائل مكافحة طبيعية

لم يبدأ مشروع البُوم بداية سلسة.. فصناديق التعشيش الأُولى، التي تمّ استيرادها من أوروبا، لم تكن مُصمَّمَة بما يناسب المناخ الحار، وتسببت في شَيّ بعض صغار البُوم حتى الموت. وفي غضون حوالي خمسة عشر عامًا، انتشر المشروع في وادي بيت شيعان كله، على مساحة مقدارها حوالي 16 ألف هكتار، وذلك حسب قول شاؤول أفيل، مُزَارع “سديه إلياهو”، الذي عمل مع ليشيم في تدشين البرنامج هناك. ويقول أفيل إنّ أُولَى أمارات النصر تجسدت في مزارع التمر، حيث إنّه في استطاعة الفئران تسلُّق نخيل التمر والتعشيش فيه، ولا يمكن بيع التمور التي قضمتها الفئران، ولوثتها ببرازها، لكنّ هذا الضرر اختفى حين تأسست مبادرة بُوم الحظائر. ويقول أفيل إن البرنامج “ناجح بنسبة %100” في محاصيل القمح، والتمر، والزيتون، والرمان، غير أن البُوم لا يكفي لحماية كل المحاصيل؛ فمثلًا لا تستطيع القوارض منع نفسها من التهام براعم البرسيم الحجازي اليانعة.

انتشر استخدام المزارعين الإسرائيليين للبُوم، غير أن ليشيم أدرك أن ثمة مشكلة تواجه البرنامج.. فالبُوم اليافع الذي تربى في صناديق التعشيش في وادي بيت شيعان كان ينتشر في أنحاء وادي الأردن، الذي تتقاسمه الأراضي الفلسطينية والأردن. وحين كان البُوم يعبر الحدود، تسببت مبيدات القوارض أحيانًا في تسميمه.

وفي عام 2002، قابل ليشيمأبو راشد، وهو لواء جيش أردنيّ متقاعد كان له دور محوري في صياغة معاهدة السلام المبرمة في عام 1994 بين إسرائيل والأردن، وتعاونا معًا. وبحلول عام 2008، وبعد بعض العقبات التي سَبَّبها مزيد من أعمال العنف السياسي بالمنطقة، حصل ليشيم، وأبو راشد، وعماد الأطرش، مدير “جمعية الحياة البرية في فلسطين” في بيت ساحور، على تمويل من الاتحاد الأوروبي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية؛ من أجل بدء المشروع، بوصفه برنامجًا عابرًا للحدود.

أعَدّ الباحثون صناديق تعشيش في مواقع للدراسة عبر ثلاث مناطق في وادي الأردن، ودرَّبوا المزارعين، وعرَّفوا المجتمعات المحلية بالبرنامج. وفي الوقت الحالي، توجد آلاف من صناديق التعشيش في إسرائيل، ومئات منها في أماكن أخرى بالمنطقة (انظر: “طيور عابرة للحدود”)، رغم أن بعض الأطفال الفضوليين خرَّبوا بعضها في الأراضي الفلسطينية، وذلك حسب قول عماد الأطرش. ويقول أبو راشد إنه رغم تشكُّك معظم المزارعين في الطيور في البداية، حيث إن البُوم ذا اللون الأبيض الشاحب يُعَد نظير شؤم في أجزاء عديدة من الشرق الأوسط، إلا أنهم غيروا رأيهم، بعد أن رأوا نتائج المشروع. ففي الشرق الأوسط، يمكن لزوج من بُوم الحظائر التهام ما بين ألفين و6 آلاف حيوان ثديي صغير سنويًّا. ويضيف أبو راشد: “يشعر المزارعون بتأثير ذلك في محصولهم السنوي”.

كبر الصورة

Source: Ori Peleg/Alexandre Roulin

مواد كيميائية أقل

يقول مناصرو المشروع إنّ نتائجه مبهرة إجمالًا، واستخدام مبيدات القوارض يرتفع وينخفض بما يتوافق مع دورات الزيادة والانخفاض الطبيعية في عدد القوارض، غير أن استخدام المركّب 1080 في الحقول الإسرائيلية انخفض بمتوسط يتراوح بين 40، و60 في المائة منذ بدء البرنامج، وذلك حسب قول يواف موترو، عالِم البيئة بوزارة الزراعة الإسرائيلية في بيت دجن. (لم تُنشَر دراسة موترو، لكنه قدّم النتائج في أحد المؤتمرات)، حيث قال موترو إن مفترِسات القوارض الطبيعية الأخرى – ومنها صقور العوسق، والثعالب، وبنات آوى، وطيور اللقلق – تلعب دورًا حين لا يجري استخدام مبيدات القوارض، لكن أفضل الأدلة على أن بُوم الحظائر يتسم بالفاعلية – كما يقول يورام يوم-توف، اختصاصي علم الحيوان بـجامعة تل أبيب – هي أن المزارعين المهتمين بما يجنونه من أرباح لكل فدان يختارون استخدامها، بدلًا من رش المبيدات الكيميائية.

تعلَّم الباحثون الكثير أيضًا عن عادات الصيد الخاصة بالبُوم، من خلال البرنامج. فقد كان عالِم البيئة موتي تشارتر– من “معهد شامير البحثي” بـجامعة حيفا في إسرائيل – قد ربط أجهزة إرسال لاسلكي ببُوم الحظائر، وتبيّن أنه يستطيع الطيران ما بين 4 و7 كيلومترات، بعيدًا عن صناديق التعشيش كل ليلة؛ بحثًا عن الفرائس؛ وهي مسافة أبعد كثيرًا من المسافة التي افترضها العلماء الإسرائيليون في البداية، ومقدارها 500 متر. (تمخضت الأبحاث التي تَستخدِم أجهزة الإرسال اللاسلكي مع بُوم الحظائر في دول أخرى عن نتائج مشابهة). وفي مؤتمر البحر الميت، الذي انعقد في يناير من العام الجاري، قدَّم عالِمَ الطيور، ألكسندر رولين – من جامعة لوزان بسويسرا – تقريرًا عن دراسته البحثية التي لم تُنشَر بعد، موضحًا أن اللون الأبيض لبُوم الحظائر ربما يحسِّن فرص نجاحه في الصيد. فالفئران تنفر من الضوء الساطع بطبيعتها، ومن ثم، فإنها تتسمّر في أماكنها عند مواجهة اللون الأبيض الشاحب للبُوم. وقد وجد رولين، الذي بدأ التعاون مع المشروع منذ ثماني سنوات، بعد أن قابل ليشيم في اجتماع علميّ، أن في الليالي المُقمِرة يتعزز هذا التأثير؛ إذ يتسبب ضوء القمر في جعل ريش البُوم أكثر سطوعًا، وهو ما يجعل القوارض تتسمّر في أماكنها لفترات أطول.

نشر الخبر

ليست إسرائيل، والأردن، والأراضي الفلسطينية هي الأماكن الوحيدة التي استُخدِمَ فيها بُوم الحظائر، بغرض مكافحة الآفات، وإنْ كانت هي مكان البرنامج الوحيد العابر للحدود. فقد استخدم المزارعون في ماليزيا بُوم الحظائر منذ عام 1988؛ لمكافحة القوارض في مزارع نخيل الزيت، رغم أن الحكومة تشجع أيضًا استخدام مبيدات القوارض، حسبما يقول تشارتر. وتقول كروس إن بعض المزارعين في كاليفورنيا بدأ بالفعل في استخدام صناديق تعشيش بُوم الحظائر وصقور العوسق؛ لحماية بساتين الليمون، وأشجار الجوز، ومَزارع العنب، وغيرها من المحاصيل. كما تشير إلى أن فكرة استخدام الطيور كوسيلة بيولوجية للمكافحة يرجع تاريخها إلى القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، كجزء من مجال يُسمَّى علم الطيور الاقتصادي، الذي جرى تعريفه وقتذاك – حسب إحدى المراجعات في عام 1899 – بأنه “دراسة الطيور من منظور الدولارات والسنتات”، غير أن الفكرة طواها النسيان بمجرد أن صارت مبيدات الآفات مُستخدَمة على نطاق واسع. ومؤخرًا، بدأت هذه الممارَسة تعود إلى الحياة ببطء، بسبب تناقل الحديث عنها أساسًا.

تُتَابِع كروس وغيرها من العلماء نتائج ما يحدث في وادي الأردن باهتمام. ويقول خافيير بينيويلا، عالِم البيئة في “معهد بحوث موارد الصيد” بمدينة ثيوداد ريال في إسبانيا: “إنه مشروع مذهل”. فقد تعاون بينيولا في بلده الأم مع منظمة الحفاظ على البيئة، غير الحكومية، المسماة “مجموعة إصلاح الحياة الحيوانية الأصلية وموائلها” GREFA، التي شيّدت أكثر من ألفي صندوق تعشيش لبُوم الحظائر، وصقور العوسق؛ بهدف السيطرة على أعداد فئران الحقل. ويقول تشارتر إن تجارب صغيرة النطاق، مستلهَمة من الخبرة الإسرائيلية، قد بدأت في كل من الأرجنتين، وأوروجواي. وفي قبرص، شُيِّدَ 27 صندوق تعشيش لبُوم الحظائر في تعاون تجريبيّ مع إسرائيل في عام 2015، والهدف هو بناء حوالي 60 صندوق تعشيش أخرى هذا العام، وذلك حسب قول إلينا ماركيتاني، مسؤولة التنمية بمنظمة “حياة الطيور بقبرص” غير الحكومية، التي تعمل على الحفاظ على الطيور البرية في البلاد. ويقول مارتن هليكار – مدير المنظمة – إن برنامج الشرق الأوسط “شيء رائع، يجب تجربته واستنساخه، مع تكييفه ليتلاءم مع الظروف المحلية”. ومع ذلك.. وباستثناء المشروع الإسرائيليّ، توجد ندرة في البيانات الموثوق بها بشأن استخدام البُوم في مكافحة القوارض، وذلك حسب قول لورينز سوانبويل، اختصاصي عِلْم الحفظ الحيوي بـجامعة فندا في ثوهوياندو بجنوب أفريقيا.

يقول رولين إن العلماء العاملين في مشروع وادي الأردن يتجنبون – بشكل عام – الحديث في السياسة. ومع ذلك.. فهم منتبهون لما يخلفه عملهم من صدى سياسي. ففي العام الماضي، نشر رولين وتشارتر، وأبو راشد، وليشيم، وآخرون ورقة بحثية بعنوان “الطبيعة لا تعرف حدودًا.. دور الحفاظ على الطبيعة في بناء السلام” (A. Roulinet alTrends Ecol. Evol. 32, 305–310; 2017)، وأوضحوا فيها أن مِن شأن تدابير معينة، مثل مشروع البُوم، أن تساعد على التوفيق بين المجتمعات المتصارِعة، وبناء الثقة المشتركة، دون إثارة القضايا الحساسة التي تكمن في جذور الصراع. ويقول ليشيم: “في منطقة يسودها الصراع، بمقدور مشروع كهذا، أو أي مشروع مشترك، أن يكون ذا نفع، لأن خلاصة القول هي أن السياسيين يخفِقون. أعلم أنني لن أحل مشكلة الشرق الأوسط، لكنْ بإمكاني أن أؤدي دوري الصغير في هذا الشأن”.

 المصدر
  • Published online: 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *