خلافة المليار دولار

21 ديسمبر، 2015

كولوم لينتش، دافيد فرانسيس* 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في الشهر الماضي، شنت الطائرات الأميركية المقاتلة غارات على حقول النفط والمصافي والمئات من الشاحنات الناقلة للبترول بالقرب من مدينة دير الزور السورية. وفي إطار العملية التي يطلق عليها اسم “المد والجزر 2″، شكلت هذه الهجمات المرحلة الأحدث في حملة تهدف إلى قصف “الدولة الإسلامية” ودفعها إلى الإفلاس، عن طريق ضرب قلب اقتصادها في السوق السوداء ونظام ضرائبها الابتزازي الذي يتعهد بدفع رواتب عشرات الآلاف من المقاتلين المتطرفين.
لكن “الدولة الإسلامية” أثبتت مقاومتها ومرونتها؛ حيث طورت اقتصاداً متنوعاً لتمويل تكاليف خلافتها المزدهرة. ووفقاً لدراسة أجراها ثومسون رويترز في العام 2014، فإن لدى المجموعة الإرهابية أكثر من تريليوني دولار من الأصول الخاضعة لسيطرتها، مع دخل سنوي يبلغ 2.9 مليار دولار.
الكثير من هذا المال يُجمع من “الضرائب” التي تفرضها المجوعة على الذين يعيشون في داخل مناطقها. ويشمل ذلك ضريبة بمقدار 800 دولار عن كل شاحنة تدخل العراق من الأردن وسورية، وضريبة الـ5 % التي يتم جمعها للرعاية الاجتماعية والرواتب، وضريبة الطريق البالغة 200 دولار، التي تفرض على السواقين في شمال العراق، وضريبة بمقدار 50 % مقابل التصريح بنهب مواقع الرقة الأثرية، وضريبة بنسبة 20 % على المواقع المشابهة في حلب، وفقاً لدراسة ثومسون رويترز. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على غير المسلمين دفع رسوم الحماية الدينية التي تعرف باسم “الجزية”.
هانس-جاكوب شندلر، القائم بأعمال منسق المجموعة التابعة لمجلس الأمن، والتي ترصد منظمات “القاعدة” و”الدولة الإسلامية” و”طالبان” ومجموعات إرهابية أخرى، قال لمجلة فورين بوليسي: “إنهم يسمونها ضرائب، لكننا نسميها ابتزازاً”.
وأضاف شندلر: “كانت هناك بعض الضغوطات على بعض روافد التمويل، والتي نجمت عن مجموعة من العوامل -ربما بعض العقوبات، وربما بعض الأعمال العسكرية. لكن الوضع العام لمجموعة الدولة الإسلامية، بالقدر المتعلق بالتمويل، لم يتدهور إلى حد كبير. إنها الأهمية النسبية فقط لمختلف روافد التمويل هي التي تتغير. ما لدينا هنا هو تأثير البالون: إنك تضغط على أحد الجوانب؛ فيرتفع البالون من جانب آخر”.
ويقول فواز جرجس، أستاذ العلاقات العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، إن “الدولة الإسلامية” تتقاضى ضرائب عالية عن الخدمات اليومية أيضاً. ويشمل ذلك جمع القمامة، ووقود التدفئة، ومولدات الكهرباء. وتوجد ضريبة حتى على تأجير العقارات السكنية وإرسال الأولاد إلى المدارس، كما يقول.
وأضاف جرجس، في حديث لمجلة “فورين بوليسي”، أن هذه الأنواع من الرسوم هي “صناعة تنموية” بالنسبة لمجموعة “الدولة الإسلامية”.
يمكن أن تولد هذه الدفعات ما يصل إلى 30 مليون دولار كل شهر، وفقاً لثومسون رويترز. ويضع تقرير أعدته صحيفة “نيويورك تايمز” في العام 2015، مدعوماً ببيانات من مؤسسة “راند”، حجم الضرائب وعوائد الابتزاز السنوية عند رقم أعلى، هو 600 مليون دولار في العام 2014. وقدرت الدراسة نفسها أن النفط يولد فقط 100 مليون دولار في السنة، مع أن خبراء مدنيين وعسكريين آخرين قدروا العوائد المتصلة بالنفط بحجم أعلى بكثير.
العقوبات الاقتصادية التقليدية التي فرضها مكتب وزارة الخزينة الأميركية للسيطرة على الأصول الأجنبية، غير فعالة ضد “الدولة الإسلامية”، كما تقول إليزابيت روزنبرغ، خبيرة العقوبات في مركز الأمن الأميركي الجديد. ويأتي ذلك، كما تقول، لأنه ليس لدى المتشددين نظام مصرفي تقليدي يمكن استهدافه.
باستثناء الحالات التي تتضمن إمكانية التعرف على أشخاص يتعاملون مع “الدولة الإسلامية”، فإن هناك القليل مما يمكن أن تفعله وزارة الخزينة الأميركية لإعاقة أعمال المجموعة. وقد فرضت الدائرة حظراً على أكثر من 30 من قادة الإرهابيين، والأفراد والمجموعات التابعة، ومؤيدي المجموعة حول العالم، وكذلك الشبكات المتصلة بالمجموعة، لكن ذلك لم يحدث أكثر من أثر ضئيل على خزائن “الدولة الإسلامية”. وفي حين كان تنظيم “القاعدة” يعتمد غالباً على المتبرعين الخارجيين، وهو ما ترك فُرجة لإمكانية إلحاق جهات إنفاذ القانون الغربية ضرراً بالمتشددين عن طريق الانقضاض على تلك التدفقات النقدية، فإن “الدولة الإسلامية” التي يمكنها أن تمول نفسها بفعالية، لا تحتاج إلى النقود الأجنبية، مما يجعلها أقل انكشافاً بكثير.
صدمت “الدولة الإسلامية” العالم بعمليات قطع الرؤوس العلنية، واسترقاق النساء وتدمير المواقع الثقافية والدينية القديمة التي تحظى بالتبجيل، بما في ذلك المعابد التي لا يمكن تعويضها في تدمر، والعائدة تاريخياً إلى عصور ما قبل الإسلام في سورية، والتماثيل والقطع الآشورية في الموصل العراقية.
لكن المجموعة عُنيت بالسماح بما يكفي من النشاط الاقتصادي في المناطق الواقعة تحت سيطرتها من أجل توليد سيل مستمر من الدخل. وتأتي معظم الأموال من حقول النفط في سورية والعراق. لكن لدى الحركة أيضاً طيف من أنشطة جمع العوائد الأخرى، إحداها –على سبيل المثال- هي تشجيع الاتجار بالقطع الأثرية الدينية والثقافية الصغيرة التي يمكن تصريفها في السوق السوداء العالمية.
الآثار في السوق السوداء
في حين أنها لا توجد أي بيانات مالية موثوقة عن مقدار الدخل الذي تم توفيره من الآثار المسروقة، وفقاً لشندلر، فإن التقارير الواردة من مسؤولي المتاحف وصور الأقمار الاصطناعية لمواقع الحفريات الأثرية تشير إلى أن النهب يحدث على نطاق واسع ومستويات عالية. وكان محمد علي الحكيم، سفير العراق لدى الأمم المتحدة، قد قال إن “الدولة الإسلامية” تكسب ما يصل إلى 100 مليون دولار في السنة من التجارة غير المشروعة بالقطع الأثرية.
وقال مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي في نشرة صدرت في آب (أغسطس) من هذا العام: “كشفت صور الأقمار الاصطناعية نهباً على مستويات صناعية في المواقع الأثرية في سورية والعراق”، محذراً تجار الفن بضرورة رصد الآثار السورية والعراقية المسروقة. وقال البيان: “تلقى مكتب التحقيقات الفيدرالي تقارير من مصادر موثوثة، من الذين اتصل بهم أفراد يحاولون بيع أشياء يبدو أنها نُهبت بطريقة غير مشروعة وجرى تهريبها من سورية أو العراق، على يد أولئك المرتبطين بمجموعة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام على الأرجح”.
وفي أيار (مايو) الماضي، صادرت قوات العمليات الخاصة الأميركية قدراً كبيراً جداً من القطع الأثرية خلال غارة على منزل أبو سياف، المتشدد الرفيع الذي كان يشرف على مبيعات “الدولة الإسلامية” من النفط في أجزاء من شرق سورية.
وقد أعيدت تلك الدفائن، التي اشتملت على نصوص دينية قديمة مكتوبة بالآرامية؛ اللغة التي يعتقد أن عيسى المسيح كان يتحدث بها، إلى السلطات العراقية -على الرغم من تساؤلات حول ما إذا كانت بعض القطع مزورة. وقد قتل أبو سياف نفسه في الغارة، لكن زوجته في المعتقل العراقي قدمت منذ ذلك الحين معلومات استخبارية قيمة عن طرق تمويل المجموعة.
حصل فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة الذي يقوده شندلر على معلومات تبين كيف أن “الدولة الإسلامية” أنشأت دائرة للموارد الطبيعية، تعرف باسم “ديوان الأرزاق” -حيث يترتب على كل الذين يريدون الاتجار في سوق الآثار في المناطق التي تسيطر عليها المجموعة أن يدفعوا أولاً للحصول على ترخيص بالحفر.
وبالإضافة إلى ذلك، يطلب موظفو “الدولة الإسلامية” متابعة الإشراف على القطع الأثرية بعد أن يتم تسليمها إلى مراكز التثمين الإقليمية؛ حيث يجري تقييمها وتقاضي الضريبة عنها. ويجب نقل الآثار إلى المشترين في شاحنات مفوضة من “الدولة الإسلامية”، فيما يوفر فرصة أخرى لتقاضي الضرائب.
ويقول شندلر: “تفهم الدولة الإسلامية أنك لا تستطيع أن تطلب 90 %”، ملاحظاً أن القيام بذلك سوف يردع مبيعات الآثار. لكنه يضيف: “إنهم يتقاضون تلك الضرائب بطريقة جدية جداً، ومنظمة جداً، وبلا أي رحمة”.
يتولى السناتور بيل كيتنغ (الديمقراطي من مساشوستس) رعاية مشروع قانون من شأنه أن يخصص المزيد من المصادر لمنع مواد السوق السوداء التي تنهبها “الدولة الإسلامية” من الوصول إلى الولايات المتحدة. ولدى الأمم المتحدة مسبقاً حظر مطبق على تلك المواد، لكن كينتنغ يريد تخصيص المزيد من المصادر لمساعدة جهات فرض القانون الأميركية على تمييز قطع الآثار المسروقة بطريقة أفضل.
وقال كيتنغ لمجلة “فورين بوليسي”: “إنهم يجنون عشرات الملايين من الدولارات من هذا المورد وحده. إنه من أكبر مصادرهم لجمع المال”.
القضاء على موارد النفط
ما تزال الولايات المتحدة تشك في أن تتمكن “الدولة الإسلامية” أبداً من وضع خطة مستدامة لجمع الأموال التي يمكن أن تعوض مبيعاتها النفطية المربحة -وهي مصدر أرباح غير متوقع تأمل واشنطن بأن يتضاءل أخيراً بفعل الضربات الجوية واستعادة الأراضي من المجموعة.
لكن المسؤولين الأميركيين يعترفون بأنه لن يتم احتواء المجموعة الإرهابية أبداً ما لم يتم تحجيم قدرتها على جمع الأموال إلى حد كبير.
في الفترة الأخيرة، عقد الرئيس باراك أوباما اجتماعين رفيعي المستوى، واللذين أشرا على أولوية الحملة الجارية للقضاء قمع “الدولة الإسلامية”. وكان أحد الاجتماعين قد عقد يوم 7 كانون الأول (ديسمبر)؛ حيث التقى الرئيس بممثلي الأمين العام للأمم المتحدة في البيت الأبيض؛ وكان الموضوع الأعلى على رأس الأجندة هو الدعم الأميركي لقرار في الأمم المتحدة يستهدف تقوية الاستراتيجية الحالية لاحتواء تمويل “الدولة الإسلامية”.
وعقد الاجتماع الثاني يوم الاثنين الماضي في وزارة الدفاع الأميركية. وقال الرئيس أوباما بعد الالتقاء بمستشارين من الأمن القومي والجيش: “في الأسابيع الأخيرة، أطلقنا موجة جديدة من الضربات ضد شريان حياتهم، بنية نفطهم التحتية، ودمرنا المئات من شاحناتهم وآبارهم ومصافيهم. وسوف نستمر في ضرب هذه الأهداف”.
كما ترأس وزير الخزينة الأميركية، جاك ليو، اجتماعاً في 17 كانون الأول (ديسمبر) في مجلس الأمن لدراسة القرار الذي اقترحته الولايات المتحدة، والذي كان قبل ذلك موضوعاً للتفاوض بين الولايات المتحدة وروسيا. ويحتوى القرار على إجراءات مصممة لتقوية فرض التدابير الحالية التي تحظر التعاملات مع “الدولة الإسلامية”. ويؤشر القرار على اعتراف من الأمم المتحدة بأن “الدولة الإسلامية” قد تخطت تنظيم “القاعدة”، لتكون هي الخطر الأكبر على السلام والأمن الدوليين. وفي إيماءة رمزية، فإن عنوان قائمة الحظر، التي تضم أسماء المئات من المتهمين بالإرهاب، تغير من قائمة “القاعدة/ طالبان” إلى قائمة “الدولة الإسلامية/ القاعدة”.
لكن القرار المقترح يلقى الضوء أيضاً على أوجه القصور في آليات تعطيل جمع “الدولة الإسلامية” للأموال. وقد انقضى أكثر من عامين ونصف منذ تحركت الولايات المتحدة وشركاؤها في مجلس الأمن أول الأمر من أجل تحجيم تمويلات “الدولة الإسلامية”، وصفع قادتها بفرض تجميد للأصول على مقتنياتهم المالية وقصف مرافقها النفطية. وتم تفعيل هذه التدابير بشكل متواصل، وإنما بنجاح محدود؛ حيث وسع المتشددون استيلاءهم على الأراضي وزادوا مواردهم المالية.
في هذا الإطار، قلل مبعوث روسيا إلى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، من شأن جهود الولايات المتحدة للحد من أرباح “الدولة الإسلامية” النفطية، وقال إن واشنطن لم تمارس ضغطاً كافياً على أنقرة، حليفتها الوثيقة، لوقف التهريب غير المشروع للنفط عبر تركيا. ولاحظ أن قرار مجلس الأمن يتطلب من الدول الإبلاغ عن مثل هذه النشاطات للمجلس المكون من 15 دولة. وفي هذا الخريف، شرعت روسيا بقصف الثوار السوريين، بما في ذلك بعض أهداف “الدولة الإسلامية”. لكن أنقرة والدول الأخرى ذات الأغلبيات السنية اتهمت موسكو بالسعي إلى تقوية الرئيس السوري بشار الأسد بدلاً من محاربة الإرهابيين.
تشوركين، الذي كان في واشنطن مؤخراً مع وفد مجلس الأمن، قال لوكالة الأخبار الروسية إنه سأل مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية “سؤالاً بسيطاً جداً: إنكم ما تزالون تطيرون هناك للسنة الرابعة؛ وكنا نحن هناك لشهرين وقدمنا فعلاً الكثير من الصور التي تبيِّن أن النفط يُهرب عبر الحدود التركية. ألم تكونوا تعرفون عن هذا؟”، وأضاف تشوركين: “لا بد أنهم كانوا يعرفون. وإذا فعلوا، فقد كان عليهم الإبلاغ عن ذلك لمجلس الأمن”.
لكن القرار الجديد يسعى إلى تقوية سلطة مجلس الأمن؛ حيث يجرم طيفاً أوسع من التعاملات المالية المحتملة مع “الدولة الإسلامية”. وسوف يشجع المزيد من التعاون بين الحكومات والأعمال الخاصة، وقدراً أكبر من التفاعل مع القطاع الخاص. كما أنه يطلب من أجهزة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب تقديم تحديثات فصلية رُبعية إلى مجلس الأمن حول جهود “الدولة الإسلامية” لجمع الأموال. وبالإضافة إلى ذلك، سوف يتم تعيين خبيرين جديدين إلى فريق الرصد التابع لمجلس الأمن المكون من ثمانية خبراء، ليركزا حصرياً على “الدولة الإسلامية”.
يركز مسؤولو الأمم المتحدة معظم جهودهم على تدمير عوائد “الدولة الإسلامية” من النفط. ويقولون إن الموارد الأخرى للمجموعة الإرهابية، بما فيها الآثار والابتزاز، لن تستطيع أن تعوِّض أبداً المبالغ الهائلة التي تجنيها من تجارة النفط في السوق السوداء.
حدثت نقطة تحول مهمة في إطار الجهود المبذولة للحد من عمليات المجموعة النفطية المربحة في أيار (مايو)، خلال الغارة التي شنت على منزل أبو سياف في سورية، والتي وفرت ثروة من المعلومات الاستخبارية عن مصادر تمويل المجموعة.
كان أبو سياف من قادة عملية بيع نفط وغاز المنظمة في السوق السوداء، ومع أنه قتل في الغارة، قال مسؤول أميركي رفيع “إن الغارة وفرت مع ذلك قدراً هائلاً من المعلومات المفصلة جداً عن كيفية إدارة المتشددين لقطاع الطاقة”.
وأضاف المسؤول الذي لم يكن مخولاً بالتحدث باسمه الصريح: “كانت الغارة نقطة حاسمة لتمكيننا من فهم هذا الأمر بشكل أفضل. كانت لدينا الكثير من الافتراضات من قبل. ويجب القول إن الكثير منها كان دقيقاً، لكن بعضها لم يكن كذلك”.
وبعد الدراسة المستفيضة والمطولة للمعلومات الاستخبارية خلال الصيف، أطلق التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة “عملية المد والجزر 2” في تشرين الأول (أكتوبر)، والتي استهدفت بالقصف مصافي النفط التي تديرها “الدولة الإسلامية” وأصول شحن النفط لديها. وأضاف المسؤول أن حكومة الولايات المتحدة قدرت في وقت سابق هذا العام أن “الدولة الإسلامية” كانت تجني ما يصل إلى 50 مليون دولار في الشهر من عملياتها النفطية، لكن محللين يعتقدون أن هذا الرقم انخفض منذ بداية الضربات الجوية المتصاعدة.
في الأسبوع قبل الماضي، قال آدم زوبين، القائم بأعمال نائب وزير الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، إن احتواء “الدولة الإسلامية” شكل مهمة صعبة لأن حصة صغيرة فقط من نقودها تأتي من المانحين الأجانب.
وقال زوبين أمام اجتماع يوم 10 كانون الأول (ديسمبر) لخبراء السياسة الخارجية في مؤسسة تشاثام هاوس الفكرية في لندن، “إن الدولة الإسلامية هي خصم ذكي ومصمم. لكن بالوسع، وسوف تتم هزيمتها”.
ولدت “الدولة الإسلامية” أكثر من 500 مليون دولار من مبيعات سوق النفط السوداء في سورية العراق. ونهبت ما بين 500 مليون ومليار دولار من خزائن البنوك في المناطق التي سيطرت عليها، وابتزت ملايين الدولارات الإضافية من السوريين والعراقيين الذين تحت سيطرتها، كما قال زوبين. وأضاف: “وهكذا، أصبحت الدولة الإسلامية ثرية. لكن لها نقاط ضعفها. سوف يتطلب شنها حرباً متعددة الجبهات بينما تحاول أن تتصرف أساساً كدولة بالوكالة مصادر تمويل ثابتة وقابلة للتجديد”.
الآن، يترتب على المجموعة أن تدفع الرواتب لعشرات الآلاف من المقاتلين، وأن تشتري الأسلحة، وأن توفر الخدمات الأساسية للناس الذين يعيشون في مناطقها. وتشكل الاستراتيجية الأميركية ضد تمويلات “الدولة الإسلامية” بندقية ذات ماسورتين: إنها تسعى إلى إغلاق تجارة نفط المتطرفين من خلال الغارات الجوية الدقيقة؛ وتهدف إلى خنق قدرتهم على نقل الأموال من خلال النظام المالي العالمي.
الابتزاز في العراق وسورية
طالما ظلت المجموعة تسيطر على الأراضي في العراق وسورية، فسوف يظل لديها مصدر صحي للدخل، كما يقول فاليري مارسيل، زميل تشاثام هاوس الذي يركز على شؤون الطاقة والموارد. وفي هذا الوقت، يوجد نحو 8 ملايين نسمة تحت قبضة “الدولة الإسلامية”.
وقال مارسيل لمجلة “فورين بوليسي” مؤخراً: “بما أنهم يوسِّعون منطقتهم، فإن فرصتهم لفرض الضرائب، والسرقة، والمكوس، وعوائد النفط تتزايد. إنهم يحتاجون إلى التوسع من أجل الحفاظ على عوائدهم. السيطرة على الأراضي تشكل الأساس”.
حتى الآن، استبعد أوباما نشر الآلاف من جنود القوات البرية الأميركية لطرد “الدولة الإسلامية”. وهو يعتمد على المقاتلين الأكراد، والجيش العراقي، وعلى مكوِّن صغير من ناشطي القوات الخاصة الأميركية، والمجموعات المحلية الأخرى لإخراج المتشددين من المناطق التي يسيطرون عليها.
وقبل أيام، قال أوباما إن “الدولة الإسلامية” فقدت 40 في المائة من مناطقها التي كانت تسيطر عليها ذات مرة في العراق، حيث القوات العراقية “تشق طريقها بالقتال” إلى داخل مدينة الرمادي الغربية، وتحاصر مدينة الفلوجة القريبة، وتقطع طريق الإمداد المتجه شمالاً إلى الموصل. وبالإضافة إلى ذلك، قال الرئيس إن الدولة الإسلامية “فقدت آلاف الأميال المربعة من الأرض التي سيطرت عليها سابقاً في سورية -وسوف تفقد المزيد”.
توسيع آفاق الخلافة
في الأثناء، تعكف “الدولة الإسلامية” الآن على استكشاف آفاق جديدة لتوليد الدخل خارج حدود سورية والعراق. وأحد أهدافها العليا هو ليبيا التي تحتوي على أكبر احتياطي معروف للنفط الخام في شمال أفريقيا.
وقد استنتجت مجموعة الرصد التابعة للأمم المتحدة في تقرير صدر الشهر الماضي أن “ليبيا مهمة استراتيجياً للدولة الإسلامية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي على مفترق الطرق بين الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا”.
وفي هذا السياق، قام أبو بكر البغدادي، قائد “الدولة الإسلامية” بإرسال العديد من المبعوثين إلى ليبيا على مدى السنتين الماضيتين من أجل تشكيل تحالف مع الجماعات المحلية والحصول على موطئ قدم في البلد.
واليوم، يوجد لدى “الدولة الإسلامية” أكثر من 2.000 مقاتل مسلح تحت قيادتها في ليبيا، بالإضافة إلى معقلها الرئيسي في مدينة سرت التي تم الاستيلاء عليها في شباط (فبراير). ويعمل أبو المغيرة القحطاني ممثلاً للدولة الإسلامية في ليبيا، وفقاً لما ذكرته مجلة المجموعة المتطرفة “دابق”. وتعتقد قيادة “الدولة الإسلامية” المركزية أن ليبيا تشكل “أفضل فرصة لتوسيع ما تدعى خلافتها”، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة الصادر في تشرين الأول (أكتوبر).
في عدد أخير من “دابق”، نُقل عن القحطاني تأملاته في آفاق الاستيلاء على حقول النفط الليبية، وتزويد “الدولة الإسلامية” بفرصة لقطع الإمدادات الحيوية منه إلى إيطاليا والدول الأوروبية الأخرى.
لكن “الدولة الإسلامية” لم تتمكن، في الوقت الراهن على الأقل، من توليد عوائد جديدة كبيرة في ليبيا. ومع ذلك، عثرت المجموعة على طرق لجمع ما يكفي من المال لتمويل عملياتها هناك.
ويقول تقرير الأمم المتحدة الذي صدر في تشرين الأول (أكتوبر): “المعلومات الواردة من العديد من (الدول الأعضاء) تشير إلى حقيقة أن عمليات الدولة الإسلامية في ليبيا لا تبدو قريبة من مستوى الربحية الذي توفره عملياتها في الجمهورية العربية السورية والعراق. ومع ذلك، لم تشر أي (دولة عضو) إلى أن الدولة الإسلامية في ليبيا تفتقر إلى موارد التمويل -في الوقت الراهن على الأقل. وفي الحقيقة. أبلغت العديد (من الدول الأعضاء) أن أعضاء الجماعات الأخرى في ليبيا قد تحولوا إلى الدولة الإسلامية لأسباب مالية”.
ولكن، وفي حين لم تتمكن “الدولة الإسلامية” من تأسيس سيطرة على ثروات ليبيا النفطية، فإنها تمكنت من حشد ما يكفي من القدرات العسكرية لحرمان الآخرين منها -حيث تشن هجمات على حقول مبروك، وباهي، وغاني النفطية.
ويقول شندلر، منسق الأمم المتحدة: “تفسيرنا لذلك هو أنهم لا يستطيعون أن يجنوا المال منه (النفط الليبي)، لكنهم يستطيعون محاولة التأكد من أن لا يفعل ذلك أحد آخر أيضاً”.
هل يمكن لهذا أن يدوم؟
فلنعد الآن إلى أرض الخلافة الرئيسية، حيث يصبح من الأكثر صعوبة باطراد على العراقيين والسوريين -والغالبية العظمى منهم فقراء أو على مشارف الفقر- مواصلة دفع الرسوم والضرائب الباهظة، كما يقول جرجس، أستاذ العلاقات العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
ويضيف جرجس: “في الأشهر الستة أو السبعة الأخيرة، توافرت لدينا العديد من التقارير التي تبين أن الدولة الإسلامية تقوم الآن بالضغط على السكان” إلى درجة أنه لم يعد بوسعهم مواكبة المدفوعات.
ومن جهته، يشكك آدم شودورو، أستاذ القانون في جامعة ولاية أريزونا، الذي يكتب عن قدرة “الدولة الإسلامية” على الحكم، في أن تتمكن المجموعة من إدامة قبضتها المالية القوية.
ويقول شودورو: “يمكنهم أن يأتوا وأن يأخذوا واحدة أو اثنتين من أغنامك، لكنها لن تتبقى هناك أغنام في نهاية المطاف. لا أعتقد أنهم سيتمكنون من جمع الكثير من الأموال الإضافية. لا يمكنهم الابتزاز، ولا يمكنهم السرقة، وعندما يأتي الأمر إلى فرض نظام ضرائب حقيقي، فإنهم محدودون للغاية”.
يتنبأ جرجس، الذي يكتب حالياً تأريخاً لمجموعة “الدولة الإسلامية”، أنه عندما ينفد الناس من المال، فإنهم سيشرعون في التعاون مع القوى المحلية التي تحاول طرد المجموعة. لكن هذه الدينامية ربما لن تبدأ على الفور.
ويضيف: “السؤال ليس “هل ستخسر الدولة الإسلامية”؟. إنه: “كم من الوقت سيتطلب ذلك”؟ هل هو من ستة إلى تسعة أشهر؟ من سنة إلى اثنتين؟ هذا هو السؤال”.

*أسهم باول ماكليري، مراسل “فورين بوليسي” في إعداد هذا التقرير.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The Billion-Dollar Caliphate

ala.zeineh@alghad.jo

عن الغد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *