خمس سنوات غير كافية لرأب تصدعات الإعلام العرب

18 يناير، 2016

أصابت الزلازل السياسية التي عصفت بالدول العربية منذ خمس سنوات، المؤسسات الإعلامية فعانت حالة من الفوضى والتخبط والانفلات المهني حينا، والضغوط السياسية والرقابة حينا آخر.
وكانت تصدعات الإعلام العامل المشترك، رغم تباين ما آلت إليه الأوضاع في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، سياسيا وأمنيا، ففي سوريا انقسم الإعلاميون بين معارضين مهجرين خارج البلاد، ومقيمين داعمين لنظام بشار الأسد، فيما تحول الإعلام في كل من ليبيا واليمن إلى أذرع داعمة للفرق المتصارعة.
لكن تظل التجربة في كل من تونس ومصر، مختلفة مع أنها تعاني من بعض التشوهات، حيث شهد البلدان استقرارا سياسيا نسبيا، غير أن الإعلام في كليهما يتعرض لانتقادات حادة حول الأداء المهني الضعيف، وأصبح مطالبا بإصلاحات هيكلية، تحكم حدود الحرية والمسؤولية، وتضمن تولي الكفاءات مهمة النهوض بالمؤسسات التي تخاطب الرأي العام.
وشهد الإعلام التونسي منذ سقوط نظام بن علي، تحولات كبيرة، وأوضحت الصحفية التونسية سلمى الجلاصي، الأمين العام المساعد لاتحاد الصحفيين العرب، لـ”العرب” أن “الإعلام التونسي مر بتحولات كبرى منذ اندلاع ثورة الياسمين، بدأت بسقوط الرقابة الحكومية التي كانت جاثمة على صدر الإعلام، ثم زوال إعلام الحزب الحاكم الواحد، وما كان يتبعه من سياسات البروباغندا، وإلغاء وزارة الإعلام ومشتقاتها من أجهزة رقابية، كأجهزة القصر الحاكم، والوكالة الرسمية، ما فتح المجال لتنفس بعض نسمات الحرية لدى المشتغلين بالإعلام العمومي”. ورأت الجلاصي أن القوانين الحالية فيها العديد من الهنات، فمرسوم حق النفاذ إلى المعلومة، تم تقييده بقوانين وضوابط أفقدت التشريعات الجديدة الكثير من جدواها.
وشددت على أن “الإعلام في تونس مع كثرة قنواته ووسائطه، تغلغلت الكثير من الأموال السياسية في عدد من الأوساط الإعلامية، وتحولت وجهة بعض الأقلام إلى ما يخدم مصالح رأس المال، فضلا عن تداخل المال الفاسد، في تمويل بعض وسائل الإعلام، التي عملت على تبييض سمعة الكثير من الفاسدين، ومحاولة إرباك الساحة الإعلامية والسياسية والاجتماعية”.
أما على الساحة المصرية، فالإعلام يعاني من مشاكله الخاصة تبدأ بالتجاوزات الإعلامية، ووضع البرلمان المصري، الذي بدأ أولى جلساته منذ أسبوع، على قائمة أولوياته الانتهاء سريعا من التشريعات الإعلامية المكملة للدستور، الذي نص على تشكيل ثلاث هيئات مستقلة، تتولى مهمة الإشراف والإدارة للمؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة، وتنظم مواثيق الشرف وتصاريح إصدار وسائل الإعلام العامة والخاصة، وهي: المجلس الأعلى للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام المرئي والمسموع.
ويرى خبراء أن مواجهة التجاوزات الإعلامية، التي بلغت حد الاعتداء على الحياة الخاصة لبعض الأشخاص، تكمن في سرعة إقرار التشريعات الإعلامية، وكذلك قانون نقابة الإعلاميين لتتولى بدورها مسؤولية وضع ضوابط منح تراخيص العمل الإعلامي، ومراقبة الأداء وتفعيل مواثيق الشرف، ومعاقبة المنحرفين عن الضوابط المهنية.
وقال فاروق أبوزيد عميد كلية الإعلام بجامعة مصر الحديثة لـ“العرب”: إن الإعلام، في بلدان الربيع العربي، بحاجة إلى إصلاحات هيكلية. وحدد عدة ملاحظات أساسية على الأداء الإعلامي خلال السنوات الخمس الأخيرة، منها أن الإعلام لعب دورا أساسيا في التمهيد للثورة في كل من مصر وتونس، عبر انتقاد النظام الحاكم في البلدين، بما أفقد النظامين المصداقية لدى الرأي العام. وعقب ما يسمى بثورات الربيع العربي ارتفع سقف حرية الإعلام في مصر وتونس، غير أن المشكلة أن تلك الحرية المكتسبة لم تنظم بقوانين تحكم حدودها، وتحميها في الوقت ذاته من أي محاولة افتئات من السلطة الجديدة، فحدث انفلات إعلامي لعدم وجود ضوابط مهنية.
وأضاف أبوزيد أن تلك الحرية التي تمتع بها الإعلام في مصر خاصة، لا توجد لها تشريعات تحميها، ومن ثم فالقوانين المرتقبة والمنوط بالبرلمان إصدارها، يمكن أن توفر الحماية لحرية الإعلام، بقدر ما تنظم الأداء وتحمي المجتمع من بعض التجاوزات.
وأكد أن غياب التشريعات أدى إلى عرقلة الإصلاحات الحقيقية لوسائل الإعلام، كما أن طول مدة التقاضي جعل المتضريرن من البث والنشر والمنتهكين لخصوصياتهم، يحجمون عن اللجوء إلى القضاء، لأنه ستتم مواصلة التشهير بهم ولن يحصلوا على حقهم قبل سنوات.
وكشف إبراهيم هنيدي وزير الشؤون البرلمانية المصري، عن انتهاء الحكومة من مراجعة مشروع قانون إنشاء نقابة الإعلاميين، وكذلك مشاريع القوانين المكملة للدستور بشأن الإعلام، وهي في مقدمة التشريعات التي ستحيلها الحكومة إلى البرلمان.
يأتي ذلك في الوقت الذي تعاني فيه ثماني مؤسسات صحفية قومية في مصر من مشكلات هيكلية، وهي تضم وحدها أعرق دور الصحف.
وأكد مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين الأسبق، لـ”العرب”، أن الإعلام المصري ما زال يتمتع بدرجة عالية من الحرية عربيا، إلا أنه يعاني عدة أزمات منها ما هو مالي ويتطلب إعادة إصلاح هياكله، ومنها ما هو مهني ويتعلق بالاهتمام بالخرافات وتوافه الأمور، فضلا عن التعميم في بعض القضايا، وانتهاك الخصوصيات، وخلط الرأي بالخبر.
وأضاف مكرم أن القطاع الخاص في الإعلام المرئي، أصبح أقوى من الإعلام الرسمي، الذي عانى خلال سنوات ما قبل الثورات من أزمات متراكمة، وهذا يتطلب إعداد تشريعات إعلامية تسقط الديون المتراكمة على المؤسسات الصحفية القومية وقطاع التلفزيون، لما قدمته من دور وطني وتنويري، إلى جانب وضع ضوابط اختيار القيادات بمعايير الكفاءة، ومن خلال لجان مستقلة حتى لا تكون الحكومة مسيطرة على قيادات الصحف، ويتم تغييرها بتغير الحكومات.
ويبقى الأمل في رأب تصدعات الإعلام، رهن صدور تشريعات جديدة في كل من مصر وتونس، وتفعيلها على أرض الواقع وقياس مدى قدرتها الفعلية على معالجة الأخطاء الإعلامية.

العرب اللندنية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *