د الشهابي يكتب: الجديد حول التهابات المجاري البولية

20 ديسمبر، 2017

ا.د عاصم الشهابي

من المعروف طبيا أن التهابات المجاري البولية تنتشر بصورة واسعة بين جميع الأعمار والأجناس ، وغالبا لا يوجد شخص لا يتعرض على الأقل مرة واحدة لألتهاب في المجاري البولية بأحد أنواع الميكروبات. ومن المعروف أن أنتشار التهابات المجاري البولية يزداد بين النساء أكثر من الرجال بمقدار عشر مرات وخاصة خلال سنوات الخصوبة وأثناء الحمل للمرأة. تسبب التهابات المجاري البولية في الغالب أنواع قليلة من البكتيريا التي تتواجد في امعاء الإنسان أو على الجلد بالقرب من الأعضاء التناسلية. ومن أكثر أنواع البكتيريا التي تسبب ما يقارب 80 الى 90 % من التهابات المجاري البولية، بكتيريا القولون من نوع Escherichia coli وتتبعها ثانيا بكتيريا أستافلوكوكس Staphylococcus. ولا أزال أذكر جيدا، بأنني عندما بدأت العمل عام 1970 في قسم المختبرات- البكتيرولوجي بالمستشفى الجامعي في هامبورغ /المانيا ، كنا نشاهد نادرا أن تكون بكتيريا القولون المعزولة من حالة التهاب بالمجاري البولية مقاومة لنوع من المضادات الحيوية مثل دواء الأمبسلين أو السفلوسبورين أو النيتروفورنتوين ، التي كانت تستعمل بالعلاج. وبعد ثلاث سنوات عام 1973 عدت الى الأردن للعمل بالمختبر المركزي بعمان التابع لوزارة الصحة كمختص بالميكروبات الطبية. وتبين لي أيضا، بأن معظم عزلات بكتيريا القولون من المصابين بالتهابات المجاري البولية كانت غير مقاومة لأي مضاد حيوي تماما كما هو الحال في هامبورغ . وبقيت ثلاث سنوات أعمل في المختبر المركزي قبل أن أنتقل للعمل في كلية الطب بالجامعة الأردنية، حيث كنت أنتظر أن يبدأ التدريس فيها بتخصص الميكروبات الطبية، وكذلك للعمل في ذلك الوقت بمستشفى عمان الكبير الذي أصبح عام 1978 مستشفى الجامعة الأردنية. وخلال سنوات عملي الذي أمتد من عام 1973بالعمل في مختبرات تشخيص الميكروبات والبحث العلمي حتى الان في الاْردن، لاحظت كيف حدث تدريجيا وزمنيا يوما بعد يوم ، زيادة بمقاومة بكتيريا القولون للمضادات الحيوية، وكذلك زيادة بمقاومة أنواع كثيرة من البكتيريا المعدية للمضادات الحيوية لدرجة أنها ظهرت سلالات منها مقاومة لكل المضادات الحيوية المتوفرة للعلاج، وكانت تؤدي لوفاة المريض. ومن المدهش، أن علاج معظم حالات التهابات في المجاري البولية كانت لا تكلف أكثر من عشرة دنانير خلال فترة السبعينات حتى بداية التسعينات من القرن الماضي . وحاليا، هناك حالات كثيرة من هذه الألتهابات البكتيرية تحتاج الى إدخال المريض الى المستشفى ومعالجته باصناف غالية الثمن من المضادات التي تعطى فقط بالمستشفى. وقد تكلف معالجة الحالة الواحدة أحيانا الى عدة الآلف من الدنانير.

أن سبب أنتشار مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية اصبح معروفا علميا، ويعود أساسيا لكثرة وسوء إستعمال المضادات وبطرق غير علمية ، وبالتأكيد بدأت مقاومة سلالات البكتيريا للمضادات مع بداية إكتشف وأستعمال أول مضاد حيوي البنسلين في العلاج عام 1941. وهناك أسباب أخرى هامة، منها كثرة شراء وإستعمال المضادات دون الحصول على وصفة طبية، وإستعمالها بصورة كثيفة في مزارع الحيوانات اللاحمة ومنها بالذات مزارع الدجاج والديك الرومي. وكل هذه العوامل أدت خلال السنوات الماضية الى ظهور سلالات مقاومة للمضادات الحيوية، وهذه السلالات يسهل أنتشارها من الحيوان الى الإنسان وبين البشر أثناء التعامل مع الحيونات وتناول لحومها. فالحقيقة العلمية التي يجب أن يعرفها الجميع بأن لا يستطيع أي شخص في الدنيا أن يمنع أن تصله يوما سلالة من البكتيريا المعدية المقاومة للمضادات الحيوية. ومعظم أصناف مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية تظهر غالبا في أمعاء الإنسان والحيوان والذي يعتبر المكان المثالي لزيادة وأنتشار أصناف مقاومة سلالات البكتيريا المختلفة للمضادات الحيوية.

أرفق ملخص دراسة حديثة جدا تمت حول مدى أنتشار مقاومة بكتيريا القولون التي تم عزلها من عينات البول لمرضى راجعوا مختبرات مستشفى الجامعة الأردنية بعمان وأحد المختبرات الخاصة. وهذه الدراسة نشرت في مجلة علمية عالمية محكمة. وملخص الدراسة تشير بأنه نسبة تصل 57% من بكتيريا القولون المسببة لألتهابات المجاري البولية مقاومة على الأقل لثلاث مضادات حيوية أساسية تستعمل في العلاج. وهذه النتيجة تعني أنه ليس من السهل حاليا عندنا في الأردن علاج أي حالة التهاب بالمجاري البولية دون معرفة مقاومة البكتيريا للمضاد الحيوي الذي سيوصف للمريض.

ولهذا أنصح بأن يتم فحص وزراعة عينة البول في المختبر مريض مصاب بالتهاب المجاري البولية، وأن يتقيد الطبيب بوصف العلاج المناسب حسب نتيجة الفحص وحالة المريض . ومن المهم بنفس الوقت أن يكون إجراء فحص تحسس البكتيريا للمضادات الحيوية في المختبر دقيق، ويتم تنفيذه حسب المواصفات العالمية المعروفة، لأن أي خطأ في إجراء هذا الفحص سيكلف المريض إستمرار حالة المرض أو حدوت مضاعفات صحية إضافية وزيادة التكاليف الى الاف الدنانير .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *