د. لبيب قمحاوي يكتب :  عِصْمَة العرب بيد إسرائيل ؟

29 يونيو، 2016

 

 

تتدافع الأحداث في المنطقة العربية بشكل يوحي وكأنه لا يوجد قضايا أخرى تشغل بال العالم . والواقع أن هذا التدافع هو نتيجةحتمية للإنهيار السريع وشبه الطوعي الذي يجتاح العالم العربي والذي صدم العديد من العرب وغير العرب . وقد تكون إسرائيل أكثر المصدومين سعادة نظراً لأنها منذ أن أعلنت عن وجودها وهي تـُجَهـِّز نفسها لتقديم تنازلات ما مقابل سلام ما ، وفي كل مرة تكتشف أنها تستطيع الحصول على مكـاسب دون الحاجة إلى تقديم تنـازلات فعلية ، إلى أن إنتهينا إلى ما نحن عليه الآن .

إن إعادة تشكيل منطقة الشرق  الأوسط ومنها العالم العربي يجب أن لا يـُنظر إليه بشكل قـَدَري وكأن ما هو قادم أمراً لا مفر منه وأن على العرب بالتالي الإستسلام لذلك القدر المحتوم . فمقاومة المخططات الدولية المرصودة للعالم العربي هو أمر هام وضروري لأي مسعى لوقفها أو للحد من آثارها السلبية . وقد يأتي الإستسلام من قـِبَلْ الأنظمة وليس الشعوب ، ولكن تبقى النتيجة واحدة لأن إستسلام النظام المُسْتـَبـِد يعادل إستسلام الشعب الذي لا يملك من أمره شيئاً . وأولويات أي نظام تختلف عن أولويات الشعوب . فالأنظمة تسعى إلى الحفاظ على بقائها بأي ثمن في حين تسعى الشعوب إلى الحفاظ على مصالح الوطن مما يجعل من التعامل مع الأنظمة أمراً أكثر سهولة بالنسبة للقوى الدولية .

وفي هذا السياق يثير الحديث في القضية الفلسطينية الكثير من الشجون والعواطف ولكنه يفسح المجال بالنتيجة أمام فهم الأسس وراء المواقف المختلفة التي يتبناها الفلسطينيون والعرب تجاهها .

تتحول القضية الفلسطينية تدريجياً من قضية عربية إلى قضية فلسطينية ومن ثم إلى قضية إسرائيلية . فتجاهل إسرائيل المستمر للفلسطينيين والقضية الفلسطينية ، وخـَلـْق وتعزيز عوامل فك اللحمة بينها وبين العرب قد أوصَل الأمور إلى الحد الذي أصبح فيه العديد من العرب يَجهرون بعدائهم للفلسطينيين ويتبجحون بصداقتهم أو تحالفهم مع إسرائيل . وهذا الوضع قد أرغم الفلسطينيين تحت الإحتلال على البحث عن مخارج لهذا الحال ومنها التركيز أولاً على ما يمكن تحقيقه أو الوصول إليه في علاقتهم المباشرة مع إسرائيل والإسرائيليين كقوة إحتلال ، وثانياً محاولة إستكشاف عوامل القوة الذاتية المتوفرة لهم في صراعهم مع النظام العنصري الإسرائيلي . وفي هذا السياق تحرك الفلسطينيون تحت الإحتلال من داخل خيمة النظام الإسرائيلي وليس من خارجها وهذا يؤشر على بداية حقبة جديدة من النضال الفلسطيني تعكس تبلور وعي خاص بأن الحقائق التي خلقها الإحتلال على الأرض تتطلب نمطاً جديداً وذكياً من النضال الذي لا يكتفي بسحب السجادة من تحت أقدام الإسرائيليين بل يعمل في الوقت نفسه على وضعها تحت أقدام الفلسطينيين .

إسرائيل لا تشعر بأي خطر عربي أو خطر حقيقي قادم من التنظيمات أو المؤسسات الفلسطينية . والخطر الحقيقي الذي تشعر به هو من الفلسطينيين أنفسهم أي من الشعب الفلسطيني بمختلف مشاربه . وهذا الوضع دفع بالعديد من الفلسطينيين إلى إعادة التفكير في الكيفية التي يجب أن يعملوا بموجبهاعلى تغيير أُسُسْ النضال من أجل قضيتهم وبشكل يـُمَكـِّنـَهم من أن يُصبحوا أكثر فعالية وقدرة على الإنجاز .

واكبت حقبة الإنهيار العربي الأخير بروز مزيج من التفاعلات والمتغيرات التي أسهمت في خلق تطورات جديدة في أشكال الرفض والمقاومة للإحتلال الإسرائيلي . وأهم الظواهر التي رافقت هذه الحقبة وصَبَغـَتـْها هي :-

أولاً : الإصرار الفلسطيني المتنامي على مقاومة حكم الإحتلال بالرغم من حالة الضعف والهوان التي يمر بها الوطن العربي وإستسلام السلطة الفلسطينية شبه الكامل لإرادة الإحتلال الإسرائيلي .

ثانيا : تبلور جهود فلسطينية فردية فعـﱠاله يمكن إعتبارها إنعكاساً وترجمةً لمزاج فلسطيني عام في المناطق المحتلة يرفض الإحتلال وسياسات الأمر الواقع الإستيطانية والإحلالية وقرار السلطة الفلسطينية بوقف المقاومة للإحتلال .

ثالثاً : للمرة الأولى تشمل هذه التحركات الفردية الفلسطينيين في مجمل الأراضي الفلسطينية دون تمييز وبالتحديد المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948 ، وبذلك يتصرف الفلسطينيون الآن في نظرتهم لمستقبلهم كوحدة واحدة وكشعب واحد وطنه تحت الإحتلال ، متجاوزين التقسيمات الجغرافية والمذهبية والعرقية والطائفية التي فرضها واقع الإحتلال  .

رابعاً : إن سيطرة إسرائيل على القيادة الفلسطينية ومصادرة إرادتها لم تؤدي إلى مصادرة الإرادة الفلسطينية والسيطرة عليها ، وإسرائيل بالتالي قد أوقعت نفسها في مأزق من صنعها ومن إختيارها لأنها بالنتيجة لن تصل إلى ما تريده من خلال إستسلام السلطة لها بالرغم عن إرادة الشعب الفلسطيني . وهذا يعني بالنتيجة إما تأجيل الصراع أو إعطائه اشكالاً جديداً ومختلفة عن النضال النمطي التقليدي .

خامساً : إن إستسلام معظم الأنظمة العربية لإسرائيل لن يؤدي بالنتيجة إلى موت القضية الفلسطينية لأن معركة إسرائيل قد أصبحت مع الداخل الفلسطيني الذي يشكل الآن القوة الحقيقية الناقضة لوجودها (its antithesis) .

سادساً : يدفع هذا الواقع إسرائيل أكثر نحو اليمين المتطرف والديني مما سيؤدي بالنتيجة إلى صدام داخل المجتمع الإسرائيلي بين قوى اليمين الديني المتطرف والقوى العلمانية ، دون أن يعني ذلك أي فائدة للفلسطينيين وقضيتهم من هذا المعسكر أو ذاك سوى أن إحداهما قد يكون أقل عنفاً ودموية من الآخر في تعامله معهم . وهنا يجب أن لا ننسى أن مَنْ أسـﱠسَ دولة إسرائيل وسَلـِّحَها وجعلها قوة أقليمية نووية يُعْـتـَدُّ بها هو المعسكر العلماني مع أن من قطف الثمار بالنتيجة هو اليمين منذ أن تولى مناحم بيجن الحكم حتى الآن .

كلما تنازل الفلسطينيون عن شئ في المفاوضات مع الإسرائيليين ، أصبح هذا التنازل نقطة البداية لتنازلات أخرى في مفاوضات قادمة وهكذا . عملية التفاوض إذاً هي عملية استنزاف سياسي للحقوق الفلسطينية ومحاولة بائسة لجعل الأمر الواقع اللاقانوني واللاأخلاقي للمستوطنات أمراً غير خاضع للتفاوض مما يجعل ما تبقى من حقوق بسيطة للفلسطينيين هو الأمر الوحيد الخاضع حقيقة ً للتفاوض . وعندما يتنازل رئيس السلطة الفلسطينية مثلاً عن قبر أبيه في صفد طوعاً ومجاناً وبلا ثمن ، فإن هذا ليس موضوعاً شخصياً ، بل هو جزء من عملية التنازل الفلسطيني المجاني عن الحقوق الوطنية والتاريخية الذي إختطه السلطة الوطنية سبيلاً لها في تعاملها مع إسرائيل . فمحمود عبـاس برئاسته للسلطة الفلسطينية لا ينطق في القضايا الفلسطينية بإسمه الشخصـي مهما إدَعى ، بل ينطق للأسف في نظر العالم بإسم الفلسطينيين جميعهم .

إن الفردية والإنفراد بسلطة إتخاذ القرار وشراء الذمم وقتل وإغتيال أصحاب الموقف المعارض لنهج التنازل وغيرها من وسائل القمع والإبتزاز والرشوة التي قدمها نهج ياسرعرفات إلى ساحة العمل النضالي الفلسطيني لم يتم إستعمالها لتعزيز مركز منظمة التحرير الفلسطينية ، بل لتعزيز سلطة عرفات نفسه على الفلسطينيين مما مَكـَّنـَهُ في النهاية من التوقيع على إتفاقات أوسلو دون أن يشعر بضرورة الرجوع إلى المؤسسية الفلسطينية لإتخاذ مثل ذلك القرار . وقد إتبع خـَلَفـَه محمود عباس هذه السُنـَّة ولكن دون الخوض في مراحل النضال التي خاضها عرفات ، بل إبتدأ من القعر وما زال هناك يحفر إلى الأسفل .

إن الوصول إلى حالة سلام كامل نشط مع العرب دون المرور بالقضية الفلسطينية هو هدف اليمين الإسرائيلي الحاكم حالياً . والعرب ، للأسف ، موافقون على هذا المسار بل وأكثر من ذلك بهدف الإنتقال من حالة العداء الضعيف إلى حالة التحالف الإستراتيجي المصيري والذي سيجعل من إسرائيل بالنتيجة قائدة فعلية للعالم العربي .

الإسرائيليون يرغبون ، بدون شك ، في الحفاظ على ديموقراطيتهم لأنفسهم . واستنباط أخطار وهمية قادمة من الخارج العاجز وتهويل خطر العرب والفلسطينيين إنما يهدف إلى تقوية يد اليمين للإستمرار في الإستفراد في الحكم وتغيير معالم الدولة لتصبح أقرب إلى الفاشية في مجالين أساسين : الأول في التعامل مع الفلسطينيين بوحشية وخارج إطار القانون ، والثاني في إبقاء الإسرائيليين تحت خوف وهمي يهدف إلى تغيير معالم الدولة وجعلها أقرب إلى المنطق الفاشي وبشكل لا يسمح للقوى العلمانية داخل المجتمع الإسرائيلي في الوصول إلى الحكم مرة أخرى .

اليمين الإسرائيلي المتطرف هو خطر على الفلسطينيين تحت الإحتلال وفي المدى البعيد هو خطر على المواطن الإسرائيلي العادي ، وقد يكون في ذلك مجالاً لخلق علاقات جديدة داخل إسرائيل بطرفيها الفلسطيني والإسرائيلي مبنية على تجاوز الآثار السلبية لحكم اليمين المتطرف وبشكل يسمح بتفعيل مفهوم المواطنة المتكافئة والمتساوية للجميع وبما يؤدي بالنتيجة إلى دولة واحدة ديموقراطية ثنائية القومية .

إن التلاعب بثوابت القضية الفلسطينية ومقدرات الشعب الفلسطيني لن تصنع سلاماً لإسرائيل خصوصاً وأن عملية تدجين الشعب الفلسطيني على يد حكامه قد أدﱠت بالنتيجة إلى إيهام الإسرائيليين بأن أمورهم قد أصبحت بخير ، في حين أن العكس هو الصحيح . فالأجيال الجديدة من الفلسطينيين اللذين ولدوا وترعرعوا تحت الإحتلال قد أصبح لديهم أبناء وبنات في سن النضج لا يحملون في قلوبهم أي خوف من بطش الإحتلال ويطالبون بحقوق مواطنة متساوية لن تؤدي في النهاية إلا إلى دولة واحدة ثنائية القومية ، لأن الإنسحاب من مناطق بسيطة في فلسطين المحتله ضمن إطار حكم ذاتي لن يؤدي إلى حل مُرْض ٍ لتلك الأجيال الفلسطينية الصاعدة . وهكذا فإن الإسرائيليين من خلال خططهم ودسائسهم لحرمان الفلسطينيين من حقوقهم إنما وضعوا أنفسهم على قارعة الطريق عرضة لكل الأخطار الناتجة عن قرارهم ذاك وأبعاده المستقبلية .

التعامل مع القضية الفلسطينية بالمنظور التقليدي لن يجدي نفعاً بعد عقود من الخراب الذي أَلحقتهُ بها القيادات الفلسطينية والأنظمة العربية وإسرائيل وأمريكا والغرب . فهذا الخراب الذي أدى إلى تدمير الأسس والثوابت التي تستند إليها القضية الفلسطينية قد جعل العديد من الأجيال الجديدة من الفلسطينيين ينظر إلى القضية بمنظور جديد خصوصاً أولئك الفلسطينيين اللذين وُلـِدوا ونـَموا تحت الإحتلال وإحتكوا به وعاشوا معه وقـَاتـَلوهُ دون خوفٍ أو وَجَلٍ وانتفضوا عليه وعلى قيادتهم في آن واحد . أولئك الفلسطينيون لن يتم تطويعهم بسهولة ولن يكترثوا للتنازلات التي التي قدمتها قياداتهم بإعتبار أن ذلك أمراً لا يـُلـْزِمُهُمْ ولا قيمة له . فالتحرير بالنسبة لهم قد لا يعني أولوية تحرير الأرض مع أن ذلك قيمة عزيزة ولكنها غير قابلة للتحقيق في ظل ميزان القوى السائد ، مما يعطي مفهوم التحرير معنى مختلف قد يشمل التحرير السياسي والإقتصادي من خلال مواطنة متكافئة كخطوة نحو التحرير الشامل للأنسان ومن ثم الأرض والذي قد يعني شيئاً أقرب إلى المثال الجنوب أفريقي والذي قد يشكل النموذج الذي يمكن العمل على حل القضية الفلسطينية على هـَدْيـِهِ .

* مفكر ومحلل سياسي

عن  رأي اليوم

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *