“ذي أتلانتك”: كيف شكَّلَ الورق حضارتنا؟

27 يونيو، 2016

هل تخيلت يومًا كيف كان «أفلاطون» سيستخدم موقع تويتر؟ وهل كان سيدون عليه حِكمه أم كان سيكتب ماذا يأكل ويهجو كيم كارداشيان؟

ولكن الأهم من ذلك، كيف كان أفلاطون سيتعامل مع التغيرات الحديثة التي أدخلت على طريقة تواصل البشر مع بعضهم البعض؟ في زمن أفلاطون، اعتاد الناس تدوين أفكارهم على الورق. وقد عبر عن قلقه حيال ذلك، لأن هذا الأسلوب جعلنا أقل إنسانية وأضعف من ذاكرتنا. كما أفقد هذا الأسلوب الأفكار رونقها وجعلها أقل جاذبية.

يشير المقال إلى كتاب جديد أثار الجدل تحت عنوان «الورق: التنقل بين صفحات التاريخ» لمؤلفه مارك كيرلانسكي، حيث يلخص الكتاب التاريخ الواسع للإمبراطورية والرأسمالية. ويتساءل مؤلفه عن سلوك البشر على مر التاريخ تجاه التطور التكنولوجي، وكيف يستوعب الناس ويرفضون المعلومات. وقد أوضح في إجابته عن السؤال كيف بات العالم منظمًا على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

منذ فجر التاريخ، مرت الكتابة بعدة مراحل. فمن التدوين على الألواح الطينية قبل ثلاثة آلاف عام، التي تميزت برخص ثمنها وسهولة استخدامها، مرورًا بورق البردي، الذي لم يستخدمه الكثيرون لأنه كان يتحلل بسهولة، ثم إلى الشمع، وأخيرًا إلى البرشمان الذي كان يستخلص من جلد الحيوانات.

«مثلما كان الحال مع جميع الاختراعات الجديدة، أيد البعض استخدام البرشمان وعارضه آخرون» يذكر كيرلانسكي في كتابه. امتاز البرشمان بالتحمل والشيوع، لكن تكلفة إنتاجه كانت باهظة. وقد خشي الحكام من ارتفاع مستوى المثقفين. «ظهر منطق جديد للتفكير، وقد احتاج ذلك إلى مادة يسهل التخلص منها كالشمع، وخفيفة كأوراق الشجر، ورخيصة كالطين، وثابتة كالبرشمان» يقول كيرلانسكي.

ليس معروفًا على وجه الدقة من أول من صنع الورق. يقال إن الصينيين أول من اخترعوه، حوالي عام 105 بالتقويم الصيني إبان حقبة مملكة الهان، بتفتيت أنسجة السيلولوز ونسجها معًا.

وقد عمل الصينيون على تطويره مع مرور الزمن، مثلما يشير التقرير، ثم انتشر هذا الاختراع ووصل إلى العالم الإسلامي في القرن التاسع الميلادي «إذ يحث القرآن المسلمين الصالحين على السعي خلف المعرفة» مثلما يشير كيرلانسكي، وقد استخدم المسلمون الحبر والورق على نطاق واسع. وفي العصر الذهبي للمسلمين، انتشرت العلوم في كافة المجالات إلى أصقاع العالم، بما في ذلك الغرب.

كانت أوروبا، وحتى القرن الثالث عشر الميلادي، في ذيل ركب الأمم. فكان العديد من ملوكها يغرقون في الجهل. ولكن تحولَ الأوروبيون أخيرًا إلى استخدام الورق لرخص ثمنه. فصنعوا منه الأناجيل والنقود، ثم بدؤوا يقتفون أثر الثقافات الأخرى، فغدت «أوروبا مكانًا مختلفًا» على حد قول كيرلانسكي. «إذ تعاقبت الاكتشافات والاختراعات واحدًا تلو الآخر».

لكن انتشار المعرفة كان محدودًا، مثلما يقول الكاتب، فقد تكلف إنتاج الكتب الكثير من الوقت والجهد والتكلفة. إلا أن ذلك لم يمنع انتشار الكتب بحلول القرن الرابع عشر الميلادي. فقد بات إنتاج الورق وقتئذٍ صناعة رائجة، ثم تلا ذلك الطباعة، ذاك الاختراع الذي دفع عجلة الإنسانية في كافة المجالات لقرون تلت.

يشير كيرلانسكي إلى أن أعظم تغيير شهدته أوروبا قبل عصر النهضة كان «انتشار الفكر من الأديرة إلى الجامعات وغيرها من المرافق العامة».

ولكن مثلما هو الحال مع أي تغيير جذري، لم يتقبل الجميع هذه الثورة مثل أفلاطون. «ظن البعض أن هذا عمل بربري، وآخرون رأوه نهاية الحضارة الإنسانية، وفريق ثالث اعتقد أن ذلك يمثل تهديدًا لوظائفهم». يذكر كيرلانسكي في كتابه.

كانت الكتب في بداية ظهورها نادرة ويحوزها أصحاب السلطة فقط. وكان ينظر إلى المطابع التي تنتج الكتب على نطاق واسع على أن لها أجندات خفية وأنها من عمل الشيطان. كما اعتقد الكتبة أن هذا يمثل تهديدًا لمصدر رزقهم.

ما زال الكثيرون يفضلون الكتب الورقية على نظيرتها الرقمية. وعلى عكس ما افترضه المفكر الصيني تو فو من أن انتشار الورق سيدعم البيروقراطية، فإن انتشار البيروقراطية هو ما استدعى استخدام الورق. «مع تطور المجتمع الصيني وتعقد تركيبته، تطلب ذلك تدوين ذلك التطور، ما حدا بالناس إلى البحث عن ورق أفضل» مثلما يقول كيرلانسكي.

يمكن توضيح الأمر بالصحف، وهي صناعة تعتمد بشكل كامل على الورق. في العام 1753، تولى بارون الصحافة بنجامين فرانكلين منصب نائب المدير لمكتب البريد العام، فراجت صناعة الصحف بسبب زيادة عدد المراسلات بين المستعمرات. وفي القرون اللاحقة، تحول الناس إلى الكتيبات، فتمكن أمثال توماس باين من تدوين أعمالهم ونشر أفكارهم بين العامة وليس المفكرين فقط. ومع ظهور المذياع والتلفاز والسينما، عمل أهل الصناعة على التطوير من الصحف.

لكن عصر الصحف يشهد انحسارًا في الوقت الراهن، وذلك مع ظهور المنصات الرقمية. يقول كيرلانسكي «مشكلة الصحف أنها بنيت على أساس نموذج اقتصادي لم يعد ذا جدوى». ففي السابق، كان يجري الجمع بين ما تحتويه الصحيفة والإعلانات، وهي مصدر رئيسي للربح، مما خلق صحافة أكثر مصداقية، ومجهدة في الإنتاج. أما الآن، فيجري تنظيم الصحافة الرقمية بشكل تكون فيه الإعلانات مرتبطة بشكل أكبر بالمحتوى. ومع فضاء الإنترنت الواسع، خلق ذلك صيغة تبجل الكمية على الجودة.

يقول التقرير إن الحال الذي وصلنا إليه الآن مرده رغباتنا في وسيلة أسرع وأرخص، وليست التكنولوجيا هي السبب فيه. أمست المعضلة هي الوفرة الهائلة في المعلومات وليس نقصها. والقضاء على هذه المعضلة لن يأتي إلا على يد اختراع جديد. ومثلما يقول كيرلانسكي «ستظل الرغبة في التغيير ومقاومتها توأمين لا ينفصلان».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *