رحيل ريادي الاستثمار السياحي…ناصر قعوار

9 أكتوبر، 2015

في بداية الخريف رحل أبو عوني مجللا بهيبة الحضور وأبى  الانكسار . وفي   الخريف  كان الغياب بدرا مكتملا في أوان الاحتضار . فلا عليك أيها الريادي العصامي الأردني الهوى والقلب والمنبت حيث الاستقرار في الفحيص والحضور المشع كعائلة في سماء أرضنا منذ أكثر من خمسة قرون.

 تشكلت ثقافته الراحل أبا عوني  في الفحيص، في زمن كان فيه الناس “كأسنان المشط”، آنذاك يتذكر “حياة القرية البسيطة ومحبة الناس لبعضهم كانت منتشرة”، وحين كان صغيرا فقد والده مبكرا، ولا يتذكره، ففي عهدة الأم كبر ودرس بدير اللاتين في الفحيص وفيه تخرج “أكملت لغاية المترك”.

ولد ناصر نجيب قعوار العام 1930 في الفحيص، والده كان فلاحا بسيطا، لكنه يصر على أن ما وصل إليه هو نتيجة لرحلته الذاتية “أكثر جهودي كانت خاصة، وأنا تعبت على نفسي وحدي”.

توفي والده وهو طفل صغير “لا يوجد أي فكرة عنه، كان عمري نحو ثلاث سنوات لما توفي، ولم يكن له صور، وتولت والدتي كاترينا حتر تنشئتي ورعاية الأسرة”.

من معلميه في الفحيص إبراهيم الشوباش، أما زملاء الدراسة فلا يذكر أسماءهم لكنهم كانوا “من أبناء عائلات حتر والجريسات”، وبالنسبة للمعلمين جلهم كانوا “من خريجي مدرسة السلط”.

بدأ قعوار عمله موظفاً في شركة نفط العراق المحدودة الشهيرة بتسمية (IPC)، وهي التسمية التي أطلقت على شركة النفط التركية بعد سقوط الدولة العثمانية. وكانت بدأت باستخراج النفط لأول مرة في حقل بابا كركر العام 1927. ومن ثمّ حصلت على موافقات متعددة لاستخراج النفط في المملكة العربية السعودية والكويت ودبي.

في الأردن كان للشركة محطة بالمفرق وكانت أنابيبها تمر بأراضي شمال الأردن ناقلة النفط إلى ميناء حيفا بفلسطين، وبعد النكبة توقف الضخ في هذا الخط علما أن وثائق الشركة تشير أن خطوطها فجرت في شرقي اربد بتاريخ 12/11/1956 من قبل مواطنين أردنيين لتسرب كميات من النفط منها.

تميز قعوار في عمله واتقن اللغة الانجليزية في فترة وجيزة مما أهله لأن يتولى وظيفة عليا في IPC وهو في سن الثانية والعشرين، وأثناء عمله في الشركة درس على نفسه وتحصل على مترك لندن، وحين يتذكر خدمته في الشركة يستعيد أصعب أيامها عندما خدم في “منطقة النقطة الرابعة في الرويشد كانت صعبة جدا فوجودك بعيدا عن الناس كان صعبا”. إلا أنه لم يبق طويلا في الشركة فغادرها عندما أسس شركة الشرق الأوسط للتأمين العام 1962.

في عمله بشركة البترول يتذكر زملاء المرحلة، ومنهم غسان أبو الشعر وعزمي ميشيل لطفي ووصفي بسيسو وعمر كلمات، و”كان المدير إسماعيل جان بيك”، آنذاك بنى كثير من الشباب خبراتهم في الشركة التي كانت تبحث عن كفاءات محلية.

سكنت أسرته المفرق لمدة أربعة عشر عاما “رحلت العائلة من الفحيص، وسكنت قرب دير اللاتين، وكانت الأمور سهلة وميسرة، وهناك اكتسبت اللغة الانجليزية في الشركة بشكل أفضل فكل الأعمال كانت باللغة الانجليزية”.

في العام 1962، قبل أن يدخل قطاع التأمين تلقى قعوار علومه في التأمين في سويسرا (زيورخ) ” ذهبت إلى هناك لأنهم كانوا متخصصين في التأمين في العالم”. سافر بصعوبة عن طريق روما، أما تمويل الدراسة فكان مما وفره يوم كان موظفا.

إبان فترة الدراسة ” القدس كانت مفتوحة على الأردن والعالم كان مهتما جدا بها وطُلب مني من شركات خطوط الطيران فتح فرع لها وفتحت الفرع، وكنا نذهب للقدس ونكون فيها خلال ساعة”.

آنذاك، أدرك كلفة غياب الثقافة السياحية في الأردن، الذي كان يتنامى الاهتمام به سياحيا بشكل لافت، ولم يكن هناك فنادق جيدة سوى “فندق فيلادلفيا ثم فتح الكونتيننتال”، ولما كانت البلد تفتقر لعاملين في الحقل السياحي بشكل مهني يهتم ويعنى بتسويق الأردن سياحياً ويستثمر في مكوناته الدينية والتاريخية الحضارية المهمة، ولج قعوار باب السياحة وساهم فيه وما زال حتى اليوم.

في العام 1965 أسس شركة البتراء للسياحة والسفر برأسمال “بسيط لم يكن كثيرا، فقط مجرد كلفة التحضيرات المكتبية وتعيين عدد من الموظفين، والله وفقنا”، وكانت شركته من أوائل الشركات العاملة في قطاع السياحة في الأردن.

بالرغم من عدم توفر البنى المؤسسية والتشريعات الناظمة للعمل السياحي، إضافة إلى شُح الإمكانات غير المتوفرة في الأردن، للعمل في مثل هذا القطاع، غامر بالدخول في هذا المجال، وكان دافع حب البلد مشجعا له على الإستمرار وتحمل الظروف الصعبة التي سبقت النكسة وتبعتها وألقت بظلالها على الحركة السياحية في المنطقة.

خلال أربعة عقود ونيف عمل قعوار على تسويق المنتج السياحي الأردني، ولأن النجاح لا يولد في الرخاء والترف بقدر ما ينمو مع التحديات، كان عليه أن يقطف ثمار العمل الدؤوب والريادة، فبداية توافد السياح من أرجاء العالم كانت بأعداد متواضعة، لكن تلك البداية لم تثنه عن المثابرة والتعب، فلم يتراجع عن طموحه بقدر ما كثف سفره ونشاطه في العالم لحمل رسالته لتسويق الأردن سياحياً، هذا إلى جانب سعيه لتعميق المعرفة في حقل مهنته من خلال حضور المؤتمرات والندوات والمعارض المتخصصة.

في العام 1987 قرر مع مجموعة من المستثمرين تأسيس فندق علاجي في منطقة البحر الميت، وهو (فندق البحر الميت العلاجي)، وذلك لما كان يلاحظه من حاجة ضرورية لمثل هذا المشروع خاصة لتواجد العديد من الفنادق المشابهة في الجهة الإسرائيلية، ورغبة منه في استقطاب جزء من هذه السياحة للجهة الأردنية، فتحقق الحلم والرغبة في العام 1990 بعد رحلة عناء ومشقة حيث البنية التحتية لهذه المنطقة كانت شبه معدومة “لم يكن هناك هواتف، فوضعنا هاتف سيارة، فلا خطوط هاتف ولا كهرباء ولا ماء، حتى منتصف التسعينيات، لكن الله بعدها فتح علينا”.

كانت ريادته للاستثمار في البحر الميت أنه تقدم في وقت لم يشأ غيره المغامرة به “كنت أعي وأعرف أهميته وأدرك دوره في العلاج”، ولما تزامن افتتاح الفندق مع اندلاع حرب الخليج الأولى، التي شكلت ظروفا أصعب على المنطقة بعامة والأردن بخاصة، فقد كان عليه أن يمنى بخسائر مالية.

خلال فترة حرب الخليج الثانية قام بجهد شخصي بإنشاء فندق في مدينة العقبة للحاجة الماسة التي ظهرت فيما بعد لتطوير خدمات المدينة السياحية، فتم إنشاء فندق خليج العقبة، واستمر يحمل تصنيف فئة الأربع نجوم حتى اليوم.

البتراء كان لها نصيب من اهتمامه باعتبارها موقعاً مهماً للجذب السياحي في الأردن، فقام بإنشاء فندق بانوراما البتراء، ضاربا بذلك مثالا للرأسمال الوطني ودورة في تنمية المقدرات الوطنية، وبذلك استطاع أن يضع قدمه في مناطق الجذب السياحي الرئيسة في الأردن.

خبرته في السياحة جعلته يفكر في تطوير مجال العمل لتشمل الخدمات المتكاملة، فقد أدرك أهمية النقل السياحي كعنصر مهم من الحلقة السياحية المتكاملة، فراودته فكرة إنشاء شركة نقل سياحي تحتوي على حافلات نقل سياحي حديثة ومواكبة لمواصفات النقل السياحي العالمي خاصة أنه كان يوجد في الأردن شركة واحدة للنقل السياحي المتخصص، ولم تكن كافية لمواكبة الطلب المتنامي.

وحين كان رأس مال مثل هذه الشركة يتطلب مجموعة من المستثمرين المقتدرين فقد عمل على تجميعهم وقام بتأسيس الشركة الأردنية للنقل السياحي (ألفا)، التي تتضمن في أسطولها ما يزيد على مائة وخمسين حافلة سياحية مجهزة تجهيزاً كاملاً ساهمت في رفع مستوى النقل السياحي في الأردن.

ذلك بالإضافة إلى تمثيله للعديد من شركات الطيران العربية والأجنبية التي ساهم في إقناعها بتشغيل رحلاتها من وإلى الأردن مثل الخطوط الجوية الرومانية، الخطوط الجوية النمساوية، القبرصية، اليونانية، التشيكية، كوتينانتال، طيران البحرين، الخطوط الوطنية والعديد غيرها.

اليوم وبعد رحلة طويلةامتدت خمس عقود رحل الكبير أبو عوني بعد عناء هذه السنواتالتي ظل يعمل بها بجد، وفي ذاكرته  كان هناك اسفار لتاريخ طويل من التحديات والنجاح، لكنه كان يرى أن التحدي الكبير في الأردن يكمن في تسويق الإمكانات السياحية، بشكل جيد، أما الوزراء الذين خدموا السياحة ففي ذاكرته “أذكر الوزير غالب زكي بركات” الذي دخل حكومة أحمد اللوزي بعد تعديلها الأول في الثاني من شباط 1972 وزيرا للنقل والسياحة والآثار “وكان ممتازا”.

الثقافة السياحية في الأردن مقارنة في دول أخرى تحتاج لتغيير “نحتاج لثقافة الابتسامة والترحيب أكثر من دون خدمات فندقية وطعام وشراب لا يأتي إلينا أحد”.

تزوج أبو عوني من المرحومة ليلى نمور “وهي من عجلون وكانوا سكان المفرق والبلد صغيرة وصدف الحظ وتعرفت عليها” حدث ذلك في العام 1956، وأنجبا ثلاثة أبناء هم عوني ووائل ومازن، ومن البنات حنان وماجده وسييل، وجميعهم متزوجون.

قد يكون من السهل أن يأتي مستثمر أجنبي أو محلي ويبني اليوم فندقا في مكان ما مستفيدا من كل تشريعات الجذب الاستثماري، لكن في سيرة ناصر قعوار وغيره ممن ارتادوا قطاعات خدمية بمبادرات خاصة إنجازات في زمن التعب والبيروقراطية، وهو ما لا يعانيه المستثمرون اليوم.

رحم اله الفقيد أبو عوني واسكنه فسيح جناته. وتعازينا إلى إنجاله وبناته وال قعوار ولكل الاردنين أبناء هذه الأرض ولمن أتى اليها وأحبها.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *