سعدون جابر: الانحدار الثقافي مخطط لتدمير المجتمعات العربية

6 نوفمبر، 2015

عشق الفنان العراقي سعدون جابر للقاهرة الذي كان غيابه عنها طوال 25 سنة قسريا، لأسباب سياسية، لم يتأثر بفترة البعاد الطويلة، فالبعيد عن عين سعدون لم يكن يوما بعيدا عن قلبه، بعكس ما يقول المثل العربي القديم، ولم تتأثر مشاعره الحميمية للعاصمة المصرية، بما أصابها من هزال وفوضى، عما كانت عليه في لقائهما الأخير.

تبرير ذلك كما قال سعدون لـ”العرب” أنها تعيش في وجدانه، لكون الحضارات العظيمة لا تموت أو يقوى عليها أحد، وأن هذا ما ينطبق على الحضارة العراقية أيضا، مؤكدا أنه عوّض غيابه عن مصر بتقديمه أغنية لها من تأليف الشاعر عبدالرازق عبدالواحد الذي يسمى بـ”بالمتنبي الصغير”، وكان من المقرر أن يقدمها منذ 20 عاما، لكنها تأجلت حتى جاءت الفرصة الآن لتقديمها.

وخص الفنان العراقي “العرب” بجزء من كلماتها التي تقول: نفسي لـديك، وأنفاسي على بلـدي/ وإن تكوني رفيف القلب في جـسدي/ يا مصرُ، يا أمَّنا.. والله لو نكـرتْ/ هـذا دمـانا سألـتُ الله لم تلـدي!/ فأيُّ معـنى لما نحـيا لـو اتهمت/ دنيـاكِ حتى صـلاة الأم للـولدِ؟!

يرى سعدون جابر أن تواصله مع الشعب المصري لم ينقطع من خلال وجود ملايين المصريين في العراق، حملوا معهم سعدون جابر ونقلوه إلى الشعب المصري ضمن أغانيه الشهيرة، مثل طيور الطايرة، أمي، يامضيع ذهب، مؤكدا أن جميعها أغان تحمل معنى الغربة التي تعيش داخل الإنسان، حتى وإن كان وسط أهله في بعض الأحيان، وبذلك أصبح هو في وجدان الشعب المصري كما بات الأخير في تكوينه.

وحكى الفنان العراقي عن كواليس تكريمه بمهرجان الموسيقى العربية، حيث قال إنه تلقى اتصالا مشكورا من الموسيقار المصري صلاح الشرنوبي عضو اللجنة التحضيرية للمهرجان، أخبره فيه برغبة دار الأوبرا المصرية في تكريمه عن مجمل مشواره الفني الطويل، وهو ما ترك صدى طيبا في نفسه على تذكرهم له بعد كل سنوات الغياب.

أعرب سعدون لـ”العرب” عن سعادته بما تعيشه دار الأوبرا من حركة مدروسة وجديرة بالاحترام، حيث تقدم أصواتا عربية أصيلة ومميزة، في وقت أخذت العديد من المهرجانات الأخرى طابعا تجاريا أكثر من خدمة الموسيقى.

وقال إن مثل هذا المهرجان يعطي فرصة للأصوات التي لم تظهر سابقا، بينما ما يقدم من برامج تحت مسمى اكتشاف المواهب لا تصنع فنانا، فما هو مصير من خرجوا منها؟ أغلبهم صاروا يغنون في الملاهي الليلة، لكون الأمر يدار دون وعي من شأنه أن يثمر في مشوار هؤلاء.

الصحوة قادمة

عن أوجه التشابه أو الاختلاف بين أحوال مصر والعراق، قال جابر إن أهم تغيير حدث في مصر أنها أصبحت حرة، فقد أصبح الشعب منطلقا لتحقيق طموحه، أما العراق كدولة وشعب فيحكمها الأمل، ولولاه لما كان لها وجود، مشيرا إلى أن التاريخ ابتلى العراق بكثير من الدواعش من قبل لكنهم زالوا جميعا، واستند في تفاؤله إلى أن نهوض مصر التي تقود الحركة العربية جميعها ستليه بالتأكيد صحوة في بقية الدول العربية، وفي مقدمتها العراق وسوريا.

للعراق أثر كبير في نشأة سعدون جابر الفنية وذكريات شكلت شخصيته الغنائية يرويها بقوله “تأثرت بوالدي الذي كان يغني في العائلة وبين العشيرة في المضايف العربية، إضافة إلى والدتي التي كانت تجوّد القرآن الكريم، وفي طفولتي كانوا يرسلوني إلى الدكان في نهاية الزقاق ولم يكن هناك كهرباء”، ويضحك ساخرا “مثل اليوم”.

ويستكمل “كنت أخشى الظلام فأذهب لأقيم الآذان، وعندما استمع إليّ الجيران انتبهوا فنبهوا والدتي إلى أن صوتي جميل، وفي ذلك الوقت ظهر الراحل عبدالحليم حافظ وتعلقت بصوته، وبدأت أستمع إلى كثير من نجوم العراق منهم ناظم الغزالي، وداخل حسن، وفرقة الإنشاد، فاستطعت أن أجمع بين الألوان المختلفة للغناء العراقي جميعها من الريفي إلى المقام، وكثيرا ما كنت أغني مع أصدقائي في الشوارع والحفلات حتى عام 1971 الذي دخلت فيه إلى الإذاعة كمنشد أغان بالكواليس، لأنني ما كنت أحب أن أعيش مشهورا، وهناك استمعت إلى كوكب حمزة الذي لحن لي “طيور الطايرة” أول أعمالي الغنائية التي قدمتها عام 1972، بعد أن تقدم بطلب رسمي لضمّي للعمل بالإذاعة”.

اختار سعدون جابر المرأة العراقية لتكون عنوانا لرسالة الدكتوراه التي حصل عليها منذ زمن، وهو موضوع مختلف عن الرسائل الموسيقية المعتادة، لكن الأمر مبرر عند المطرب العراقي “المرأة العراقية أكثر إبداعا في حياتها من الرجل، لأنه يترك لها كل شيء لتقوم به، فهي التي تزرع وتحصد، وتبني البيت، وتربي الأبناء، والحقيقة أن هذا هو دور الرجل في المجتمع العربي في الأغلب، وهنا كانت المرأة العراقية تدوّن هذا الظلم وتترجمه إلى شعر في ذاكرتها، لأنه لم تكن هناك مدارس أو تعليم في ذلك الوقت، الذي اخترته موضوعا للدراسة، حيث تناولت فترة العشرينات والثلاثينات من القرن التاسع عشر إلى العشرين”.

وفي تلك الفترة لم يكن التعليم حينها موجودا اللهم إلاّ في الكتاتيب، ولدى المُلا “رجل الدين”، فالرجل مثلا كان يمشي ببندقيته أو يركب على فرسه، بينما كان للمرأة دور خلاّق، وهو ما كانت تعبر عنه بالغناء، من خلال ما تسمعه من جدتها وأقاربها، حيث تروي ما بداخلها في كل لحظات حياتها، لكن هذا لا يحدث الآن، لأن وجود التلفزيون والإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة قضى على هذا الأمر، والمرأة الآن تردد ما تستمع إليه دون أن تبدع بنفسها.

رغم أن المطرب العراقي يعيش خارج بلاده منذ فترة إلاّ أنه فخور بقدرته على المحافظة على هويته الشرقية- العراقية، فلم تتأثر أغانيه بما صنعه الغرب في كثير من الفنانين العرب.

هذا التماسك الفني يرجعه سعدون في حواره مع “العرب” إلى نشأته الدقيقة، فقد كانت أعماله الغنائية منذ بدايته مدروسة بعناية، وكان حريصا على اختيار معاني كلماته ولمن توجه، الأمر الذي جعلها تبقى في ذاكرة الناس حتى الآن، مشيرا إلى أن أغانيه “كانت تحمل بداخلها سر ديمومتها وعمرها الطويل، وهو ما جعل الشباب يحفظ أغانيه عن حق”.

وحول تقييم الأغنية العربية حاليا، ومدى تأثرها بالتكنولوجيا الغربية في الموسيقى والتسجيلات، قال جابر إن الأغنية العربية أصبحت لا تبحث عن أذن بل عن رقص وحركة، وهو أمر لا بد من الانتباه إليه، “هناك العديد ممن يتغنون بكلمات نخجل أن نقولها لأنفسنا ولأولادنا، والأدب العربي كله في حالة انحدار، وهذا أمر مستهدف، فالبترول ليس وحده هدف المحتل، فكذلك الثقافة العربية في مجملها، عندما أخذوا من الأوطان كل شيء بقيت الثقافة، وعندما يصل المثقف إلى درجة من التفاهة في مختلف مجالات الفن والثقافة نقول إن المجتمع في خطر، وسلام على ذاك الزمان”.

وأضاف متأثرا “يؤلمني ما أراه في مصر التي أعطتنا كأمة عربية الكثير من فطاحل الغناء أمثال، عبدالحليم حافظ، وأم كلثوم، وسيد درويش، ومحمد عبدالوهاب، وغيرهم، وهؤلاء تتلمذت أنا وجيلي على أيديهم، لكن الجيل الجديد الموجود الآن ليس امتدادا لهم بكل تأكيد ولا يمت لهم بصلة”.

وتحدث المطرب الأصيل عن قدرته على مواصلته الغناء وسط هذه الأجواء العبثية فقال “هناك حكمة تقول إنك عندما لا تجد من يسمعك قل كلمتك وامض، وهذا ما أتبعه، أقول كلمتي وأذهب، ويستمعون إليّ وقتما يحبون، فأنا أغني ما أستشعره فقط، والحمد لله أن وضعي في المجتمعات العربية أفضل مما كنت عليه في السابق رغم التعتيم الإعلامي، فما بالك إذا كنت مثلهم أظهر بشكل متكرر في الفضائيات”، وأضاف مازحا: “ربما وقتها أسكت كثيرا من المطربين العرب”.

الأغنية الوطنية

الغناء للوطن من الأمور الهامة التي لازمت سعدون جابر، لكن ما يقدم على الساحة الغنائية حاليا في المناسبات الوطنية يحزنه، حيث يقول “عايشنا الثورة المصرية عام 1952 وأحداثها العظيمة مثل بناء السد العالي من خلال أغاني الراحل عبدالحليم حافظ، أما الذي أرخ للحرب العراقية الإيرانية فهو الفنان العراقي حتى هذه اللحظة، وعلى مدار أربعين عاما لا تزال أجمل أغانينا ما قدمناه للوطن، وكل ما قدمته من أغان حتى العاطفية منها يحمل روح الوطن وقدسيته، لكن للأسف لم أعد أسمع شيئا يفرحني الآن ممّا تغنى به المطربون الحاليون لأوطانهم رغم شهرة الكثير منهم”.

جابر حكى لـ”العرب” عن علاقته بالموسيقار المصري الراحل بليغ حمدي، وكيف قدم معه 4 أغان تعد من أشهر ما قدمه في تاريخه، وقال: كنت في أبوظبي عام 1982، وفوجئت بأحد الأشخاص ينادي الراحل ويقول له “هذا سعدون جابر الذي تسأل عنه”، وبعد انتهاء حفلي تقابلنا، وقال لي إن أغنية “عيني عيني” كلما ذهبت إلى دولة أستمع إليها، ثم اتفقنا أن نلتقي في الكويت بعدها بأشهر في بيت الملحق الثقافي العراقي.

ويواصل متذكرا: هناك ظللت أغني 4 ساعات على العود وهو يستمع إليّ ولا ينطق بكلمة، بعدها قال لي: لازم ألحن لك فهل تغني باللهجة المصرية، فقلت له أنا أغني كل الألوان، لكن ماذا لو أعطيتك شعرا عراقيا، وأحضرت له بالفعل بعض النصوص للشاعر كريم العراقي، ثم طلب مني أن آخذه إلى كربلاء، حيث مراسم العزاء الحسيني غرب الزناجير، لأنها تحمل معها موسيقى خاصة، ثم أخذ النصوص وذهب إلى القاهرة.

يختم جابر بقوله: بعدها بسبعة أشهر سجل موسيقاه، ثم جاء إلى العراق وقدمنا معا أغاني: “يا حبيبي”، “مشوارك حبيبي”، “أريدك” و”رحنا والله رحنا”، ولن أنسى أنه سجل الألحان على نفقته الخاصة، والحقيقة أن هذا الرجل أنبل وأكرم إنسان رأيته في عمري والشعب العربي خسره كثيرا.

العرب اللندنية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *