سلسلة أفلام كردية تستلهم قصتها من السجون التركية

21 نوفمبر، 2015

يستلهم غالبية المخرجين الكرد في تركيا قصص أفلامهم السينمائية من الانقلاب الثالث الذي هيمن فيه الجنرال كنعان إيفرين على مقاليد السلطة في الجمهورية التركية إثر الانقلاب الناجح الذي نفّذه مع أربعة ضباط كبار تدعمهُ الولايات المتحدة الأميركية التي فقدت آنذاك حليفها الأكبر في إيران. كانت الحجة الرئيسة لإيفرين في تنفيذ هذا الانقلاب هي حماية الأفكار العلمانية التي طرحها الزعيم الراحل كمال أتاتورك الذي كان يعتقد جازمًا، هو وأتباعه من جنرالات الجيش، أن أحد أسباب تدهور الإمبراطورية العثمانية وانهيارها هو ارتباطها بالعالمين العربي والإسلامي فلا غرابة أن يتجه قادة تركيا العلمانيين تحديدًا صوب الغرب، ويتطلعون إلى أن يكونوا جزءًا منه، ومكونًا أساسيًا من اتحاده الأوروبي الذي لا يزال يعتقد بأن تركيا لم تستجب لاشتراطات منظومة القيم الديمقراطية التي تتميز بها أوروبا عن بقية القارات الخمس لذلك يرفضون على الدوام قبول ضم هذه الدولة الإسلامية التي لا تتورع عن السجن والتعذيب والإعدامات السرية والعلنية.

يعتبر الانقلاب الثالث الذي قاده إيفرين في 12 سبتمبر 1980 هو الأكثر دموية في تاريخ تركيا بعد الانقلابين اللذين حدثا في عامي 1960 و 1971 لكنهما كانا أخفّ وطأة من إنقلاب إيفرين الذي حلّ فيه البرلمان والأحزاب السياسية، وألغى الدستور، وتولى رئاسة مجلس الأمن القومي التركي، وقام بتسيير شؤون البلاد حتى عام 1982 حيث فاز في الانتخابات الرئاسية فوزًا كاسحًا بعد أن صوّت له الشعب التركي بنسبة 90% ليصبح رئيسًا منتخبًا للبلاد لسبع سنوات قادمات غيّر فيها الدستور مُحصنًا نفسه مع الضباط الأربعة من المادة رقم 15 لكي يبقوا جميعًا في منأى عن الملاحقة القانونية.

تؤكد المعلومات الموثقة للمؤرخين، والمتابعين السياسيين، والكُتّاب المعارضين للحكومات الرسمية المتتابعة بأن عدد الذين أعدموا خلال السنوات الثلاث الأولى من الانقلاب كان 50 شخصًا، وأن عدد المعتقلين قد بلغ   650.000 مواطن، تعرض غالبيتهم إلى التعذيب الجسدي والنفسي، وقد بلغت حالات الوفاة جرّاء التعذيب 299 حالة، فيما اختار عشرات الآلاف منهم الرحيل إلى المنافي الأوروبية والأميركية.

وعلى الرغم من أن السجون التركية متشابهة لأنها تخضع لنفس قوانين السلطة المركزية إلا أن السجون الواقعة في جنوب شرق تركيا قد شهدت عمليات تعذيب مروعة كما هو الحال في مدن آمد، دياربكر، ماردين، شرناق، تونجلي، أرضروم، وان، غازي عنتاب وهاكاري وسواها من المدن التركية ذات الغالبية الكردية.

يتضمن برنامج الدورة التاسعة لمهرجان لندن للفيلم الكوردي تسعة أفلام روائية طويلة بينها خمسة أفلام تركية تتطرق معظمها إلى السجون والمعتقلات وما يحدث من تعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان وخاصة الأقليات والأثنيات العرقية والدينية مثل الكورد والعرب  والأرمن والآشوريين والشركس واللاز والبلغار والغجر واليهود والبوسنيين والألبان والجورجيين وما إلى ذلك. وفي هذه الدورة ثمة تركيز على السِريان الذين تعرضوا بدورهم إلى اضطهاد مزدوج من قبل الدولة تارة ومن قبل بعض المتشددين الإسلاميين الذين دمروا الكثير من المواقع التاريخية والدينية لهم والتي تعتبر جزءًا مهمًا من التراث العالمي. ثمة مشاهد ولقطات كثيرة مؤثرة جدًا في فيلم “ذهبوا، الآخر والمجهول” وفي العنوان الأصلي “الشاعر والمجهول” الذي سنفرد له مقالة نقدية خاصة به. في هذا الفيلم الذي تألق فيه كنان كوركماز ثمة من يهاجر إلى المنفى بحثًا عن حياة أفضل بسبب ما لقيه هو وأسرته من متاعب جمة فوجد في المنفى حلاً فرديًا.

يحضر السجن بقوة في فيلم “اتبع صوتي” لحسين قره بي حيث لا نرى الأب “تيمو” إلا في بداية الفيلم ونهايته ذلك لأن الجندرمة التركية قد أودعته السجن بسبب تهمة لا أساس لها من الصحة وهي حيازة سلاح غير مرخّص وحينما يُخلى سبيله نرى آثار الضرب والكدمات على وجهه مع أنه لم يرتكب أي مخالفة قانونية. وقد حصل التعذيب في سجن عسكري قريب من بحيرة “وان” المشهورة بهدوئها وجمالها الذي يُنتهك يوميًا.

ربما يكون الفيلم الروائي الثالث “العربة الزرقاء” للمخرج التركي عمر ليفينت أوغلو هو الأشد قسوة من بين الأفلام الخمسة المشاركة في المهرجان ذلك لأن العسكر ينقلون النزلاء من سجن إلى آخر بواسطة سيارة زرقاء لا ينفذ إلى جوفها، المخصص للسجناء، القدر الكافي من الهواء الأمر الذي يعرّضهم للاختناق غير مرة، كما أنهم لا يحصلون على ما يروي ظمأهم من الماء على الرغم من وجود طبيبة معهم لكنها لم تُحَط علمًا بما يجري داخل هذه العربة الزرقاء، ولا المكان الذين يتوجهون إليه.

لا يخرج الفيلم الرابع عن هذا الإطار الذي يحرم الإنسان من أبسط حقوقه المعروفة مثل حرية السكن ففي فيلم “أغنية أمي” لإيرل مِنتاش لا تستطيع العائلة العودة إلى المحلة التي هُجِّر منها الأكراد لأسباب أمنية لذلك تظل السيدة نيغار تحلم بالعودة إلى تلك المضارب التي نشأت فيها واعتادت عليها بخلاف الحياة الموحشة التي تحياها في شقة معلقة في بناية لا يعرف فيها الجار جاره.

يناقش الفيلم الروائي الخامس “السقوط من الجنة” لفريت فراهان موضوع التفرقة العنصرية التي يعاني منها المواطنون الكرد فهم الذين يبنون العمارات الشاهقة لكنها حينما تكتمل يُمنعون حتى من المرور أمامها.

يمكننا القول إن غالبية الأفلام الكردية التي تُنتج في تركيا تحديدًا تتمحور على السجون والمعتقلات السرية والعلنية ومعاناة المواطنين الكرد فيها بوصفهم أناسًا من الدرجة الثانية وهذا ما لا يقبل الكرد أو غيرهم فيجب معاملة جميع المكوِّنات البشرية كمواطنين من الدرجة الأولى، فلقد ولّت إلى الأبد سياسة السادة والعبيد التي عفا عليها الزمن ومن المخجل أن تميّز الحكومات المتعاقبة أبناءها على أساس اللون أو الدين أو العِرق أو الطائفة.

تجدر الإشارة إلى أن قبضة الحكومة التركية قد ارتخت الآن وبات ممكنًا إنجاز أفلام تنتقد سياسة الدولة وتطالب بمزيد من الحقوق والحريات وهذه إشارة خير نتمنى أن تتكرّس حقا. وربما تكون باقة الأفلام الوثائقية في هذا المهرجان دليلاً على أن القمع المتواصل لم يعد ممكنًا وإن الاستجابة لحقوق القوميات والأقليات التي تعيش في تركيا باتت أمرًا واقعًا وحقيقة ملموسة لا يمكن تفاديها أو غضّ الطرف عنها.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *