طرطوس والعميد ماهر

17 أكتوبر، 2015

هذه طرطوس، مدينة لا تشبه غيرها من المدن السورية، فهي الوحيدة التي لم تُمسّ خلال الحرب، لكنّ رصاصاً آخر أطلق عليها. إنها المدينة المتناقضة بكلّ تفاصيلها، بدءاً بشكلها العمرانيّ  إلى داخل أبوابها المقفلة، والتي تستقبل قتلاها العائدين من الحرب في المناطق السوريّة الأخرى صباحاً، وتسهر ليلاً على ألحان:

“على أمن الوطن ساهر/ منحيي العميد ماهر “. 

يقصد بالعميد ماهر، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، وهو الأسطورة العسكرية المقدّسة لدى العلويين عموماً،  قائد الفرقة الرابعة في الجيش السوري، والمسؤولة عن حماية دمشق.

الفرقة نفسها التي كان يسعى أهل طرطوس لإدخال أبنائهم إليها قبل الحرب، إلّا أنّ  أساطير عسكرية أخرى أشاعها أهل طرطوس أنفسهم، ظهرت بعد الحرب، فضلاً عن قوى ورؤوس أموال أيضاً، فبدأت طرطوس تبتعد عن عائلة الأسد، وتتجّه إلى الطائفة العلوية.   الشارع الأضخم في طرطوس، هو شارع الكورنيش البحري، وهو الاستثمار السياحيّ الأكبر في المدينة، فعندما هرب كبار التجّار، ورجال الأعمال من حلب بعد 2012، وجد من لم يهرب إلى خارج البلاد، في طرطوس مكاناً مناسباً للاستثمار، خصوصاً أنّها مدينة صغيرة كانت مهملة وقتاً طويلاً، لذا تحتمل الكثير من المشاريع، ولكونها أيضاً منفتحة مع ريفها على البحر.

خلف شارع الكورنيش تماماً، شارعٌ يختلف عن الأول، عشوائيات سكنيّةٌ قديمة، حيث الصيادون وكشاشو الحمام، وباعة الخضر، وأهالي العسكريين الفقراء، “الشهداء” حاليّاً، والمسحوقون، ومتعاطو المخدّرات، والعاهرات. يعبّر هذا التناقض العمرانّي، عن السرعة الكبيرة التي دخلت بها الأموال إلى المدينة خصوصاً بعد عام 2011، فقسمتها مدينتين، الأولى حيث ظهرت طبقاتٌ فاحشة الثراء زاولت أعمالاً متعلّقة بالحرب، كتجارة السلاح، وتهريب الجنود الفارّين من الجيش بمبالغ طائلة، وذلك لعلاقة أهل طرطوس الجيّدة مع السلطة الأمنية كونهم جزءاً مهماً منها، والمدينة الأخرى حيث تدور حياةٌ مختلفةٌ تماماً.

أبو كريم 

يسهر أبو كريم يوميّاً مع مجموعةٍ من الأصدقاء الشباب، في أحد محالٰ السهر في طرطوس، يكبرهم بفرق لا بأس به في العمر، يدفع عنهم ثمن الويسكي، ويحمل في جيبه رزمةً من المال تفوق مئتي ألف ليرة سورية دائماً. كان أبو كريم معلّماً في مدرسةٍ في جزيرة أرواد، حيث ينفى الموظفون المغضوب عليهم من الحكومة، أو الذين لا يعرفون متنفذاً من المسؤولين، إذ يصعب الوصول يوميّاً إليها في القارب، خصوصاً في الشتاء.

ثمّ اندلعت الثورة السورية، وبدأت العقوبات الاقتصادية على البلاد فانخفضت قيمة العملة مقابل الدولار، فعمل أبو كريم في تجارة الدولار، وأصبح في غضون أربعة أعوام مليونيراً. يحمي أبو كريم الكثير من الجهات، فقد عزز علاقاته مع قوات الدفاع الوطني الموازية للجيش السوري، واشترى بعض الشباب المحتاجين، يلتفّون حوله، ويحمونه من رجالٍ مشابهين له، وقد نهضوا بعد الحرب بالطريقة نفسها التي نهض هو بها، وهم كثرٌ.

نارجيلة وعاهرات

يعمل في المطعم نفسه الذي يسهر فيه أبو كريم يوميّاً، مزيجٌ من الشباب الذين يعبّرون عن التغيّر الديموغرافي في طرطوس. مزيجٌ من شباب الحارات المدقعة الفقر، والذين ينحدرون من قرىً قريبة، ومن اللاجئين من حلب، يكره هؤلاء بعضهم بعضاً، إذ يتعامل الطرطوسي مع الحلبيّ كقاتل إخوته، ويسكت الآخر لأنّ لا مجال للردّ.

محسن (20 عاماً) مسؤول عن النارجيلة في المطعم، توظّف في إحدى المؤسسات الحكومية، إثر مقتل أخيه، فهي الطريقة المعروفة التي يعوّض بها النظام بعض خسائر أهل طرطوس، يوظّف العاطلين عن العمل منهم، ممن لم يكملوا دراستهم الثانوية، في مناصب شبه وهميّة في الدولة، ويقول إنّ “أخاه لم يكن الشهيد الوحيد في العائلة، فهناك خمسة من أولاد عمومه، وثلاثة من أبناء خاله، غير رفاقه في الحيّ الذين لم يعفَ عنهم من الذهاب إلى الجيش مثله”.

هو الآن المعيل الوحيد لأهله بعد مقتل أخيه، فلم يُطلب إلى التجنيد الإلزامي. يكره صبيّ النارجيلة الآخر القادم من حلب، والمتشرّد على أرصفة طرطوس ليلاً. الكثير من الحلبيين الذين قدموا من مدينتهم لا يملكون شيئاً، طبقاتٌ فقيرة تعمل في المطاعم والفنادق والتنظيف، ونساء يعملن في الدعارة، لأنّهن قدمن من دون أزواج، ولا أموال.

نور أم لطفلة من دون أب، فقدت زوجها المقاتل في الجيش الحرّ في حلب، وخلعت حجابها منذ وصلت طرطوس، خوفاً من المضايقات، كون الحجاب يفضح انتماءها إلى مذهب معيٰن، تعمل في الدعارة، ولا تحاول إخفاء ذلك. قالت: “الاعتماد ليس على أهل حلب هنا، فهم قادمون مع زوجاتهم، ويشتغلون في التجارة والأعمال غالباً، بل الاعتماد على أغنياء طرطوس، الذين يصرفون علينا الأموال، أسهر معهم  في محالٰ السهر، وأدعوهم ليكملوا السهرة في بيتي، ويتركوا لي بعض المال، فأنا أطعم ابنتي الصغيرة”. معارضون في طرطوس  منذ أن بدأت الثورة السورية في 2011، كان لبعض الأصوات المخفيّة في طرطوس، آراء محتجة، لا تشبه المدينة، إلّا أنّها أُخرست فوراً، فهناك مازن عازف الغيتار، صاحب أحد معاهد الموسيقى قرب “دوار الفقاسة” في طرطوس، وقد كان له رأي معارض للنظام مع أنّه من الطائفة العلوية، فكان يجتمع مع مجموعة من الشباب في بداية الأمر، ليقوموا بتحرّك ما، لكنّ الانتشار الأمني حال دون ذلك.

أمّا اليوم، هناك شكلٌ آخر من المعارضة، فبعد أن قدّمت طرطوس هذا العدد الهائل من “الشهداء”، بدأ التململ بين الطبقات التي تقدّم الشباب ولا تستفيد شيئاً. إذ هناك من يدفع الثمن، وآخرون يحصدون النتائج، لذا انطلقت ألسنة بعض الطراطسة بكلّ جرأة ضدّ عائلة الأسد، بعد أن تكررت الحوادث المهملة للمدينة، وبعد أن توقّف النظام عن كفّ النظر عن الشباب المطلوبين للتجنيد، فبدأ بالتقاطهم وإجبارهم على الذهاب إلى الجيش، وبعد أن قتل بعض العسكريين من الرموز المهمّة لأهل طرطوس، كاللواء محي الدين منصور من قرية الدريكيش، قائد القوات الخاصة، وهو قتل في معركة جسر الشغور في مايو الماضي، فحمّل بعض أهل طرطوس النظام مسؤولية “استشهاده”.

هذا التململ بدأ يقلق النظام، لأنّ طرطوس هي المدينة الوحيدة التي كان يضمن النظام وقوفها لمصلحته، فبدأ سلاحها يخرج من يد النظام شيئاً فشيئاً.  حمل السلاح من أبسط الأمور التي يراها المواطن العاديّ في المدينة، قد يختلف السكارى بعد حفلةٍ في صباح يوم الجمعة، ويواجه بعضهم بعضاً بالسلاح، ويتحوّل الأمر إلى اشتباكٍ بين ميليشياتٍ مختلفة الانتماء، ينتهي بقدوم الأمن العسكري، أو قوات من الدفاع الوطني، وتُحلّ المشكلة، ثم تفيق المدينة صباحاً كأن شيئاً لم يكن. أخيراً جاء الروس ينقسم أهل طرطوس في شأن التدخل العسكري الروسي الأخير في ريف حماة وحمص، فيعبّر بعضهم عن ترحيب به، ناظراً إلى الروس كالمنقذ الأخير من المأساة اليومية، ويعبّر آخرون عن امتعاضهم من التهليل للطيران الروسي، لأنّ في ذلك قلة احترام لـ”تضحيات الجيش السوري” طوال أربع سنوات ونصف السنة. يقول حسن طالب هندسة الاتصالات في السنة الرابعة: “يجب أن لا نهلل كثيراً للروس، مصالحهم على الأرض أهمّ من دماء شهدائنا”، ثم تسود الكثير من المشاحنات على الطاولة. هناك في طرطوس من يريد الروس، وهناك من يريد أن ينتهي الأمر، ولا يعترف بفضل الروس.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *