عندما يتقدم اللبنانيون باللغة العربية.. فتش عن المناهج المدرسية

1 نوفمبر، 2015

د. ذوقان عبيدات

يتناول موضوع اليوم، مناهج اللغة العربية اللبنانية، من كتاب الصف التاسع، قياساً الى ما نسميه ظلماً كتابنا في الأردن: اللغة العربية. وأود في البداية أن اقدم ملاحظتين:
1 – حين يتحدث شخص لبناني أو سوري، مذيعاً كان أم سياسياً ام نائبا، فإنه يتحدث بلغة عربية خالية من أخطاء نحوية، أو يكاد يكون، بينما حين تسمع اردنياً، وخاصة مذيعاً أو نائباً، فإنك تدرك فوراً، انه لم يسمع بقواعد اللغة.
2 – حين كنت في الخليج، كانت المدارس الخاصة، تطلب معلمي لغة عربية، شريطة ان يكونوا سوريين او لبنانيين. وكنت اتساءل: لماذا؟ وما سر معلم اللغة العربية اللبناني او السوري؟. فكان الجواب: انهم يتقنون اللغة العربية بدرجة عالية. صحيح ان المعلم الأردني مطلوب، لكن ليس معلم اللغة العربية، وكان ذلك مثار استغرابي!
وبعد دراساتي الاخيرة، عن المناهج والكتب المدرسية، والتي تكرمت جريدة “الغد” بنشرها، خطر ببالي ان اطلع على المناهج والكتب المدرسية اللبنانية، لأرى ذلك السر في تفوق الشخصية اللبنانية!
ويسرني أن اقدم الى من يهمه الأمر في مجتمعنا، عدا وزارة التربية والتعليم ومجلس التربية، كتاب اللغة العربية اللبناني للصف التاسع، مبرزاً الملاحظات الآتية، وهي ليست لتسويق المنهج اللبناني، لكن ليعرف مجتمعنا، ماذا يدرس ابناؤه، وماذا يدرس ابناء غيرنا!
1 – تسمى سلسلة كتب اللغة العربية في لبنان “لغتنا الأم: من التحليل الى الإبداع”. اذاً، اللغة العربية هي اللغة الأم، والدراسة عبر التحليل والإبداع. على كل العبرة ليست في العناوين، لكن كل صفحات الكتاب، تقود وتنقل الطالب من التحليل الى الإبداع. عبر المتعة والجمال والفن والحوار، وتقديم الرأي. وسنرى ذلك لاحقاً.
2 – يؤلف كتاب اللغة العربية في لبنان، من قبل خمسة مؤلفين، تظهر اسماؤهم على الكتاب، بينما تظهر اسماء اثنين وعشرين اردنياً، على الكتاب الواحد، فنحن مجتمع النشامى!
والمؤلفون اللبنانيون الخمسة هم: 3 – مختص في اعداد مناهج ومعلمين. – مختص في اعداد معلمين. – مختص في تأليف واعداد معلمين وتنسيق. – مختص في اعداد مناهج وتنسيقها. – مختص في اعداد مناهج.
وتلاحظون ايها السيدات والسادة ماهي تخصصات هؤلاء المؤلفين.
اما مؤلفو الكتب المدرسية عندنا، فهم علماء اللغة العربية وجهابذتها، دون أن يكون بينهم تربويون!
– الكتاب اللبناني موجه الى الطلبة اللبنانيين جميعاً، لا إلى الطلاب الذكور، ولذلك يخاطب الجنسين في كل خطوة: “اقرأ، إقرأي. عرف، عرفي. هل ترى؟ هل ترين؟. اذكر (ي)، ولن تجدوا طلباً او حديثاً موجهاً الى احد الجنسين فقط!
4 – الكتاب اللبناني مليء بالفن والذوق والجمال، حيث يمكنك مشاهدة عشرات اللوحات الفنية لكبار الفنانين العالميين واللبنانيين والعرب. ويحوي كل لوح فني على اسم الفنان، واسم اللوح الفني وسنة الإنتاج.
ومن أمثلة هذه اللوحات: القارئة، التأمل، الإقلاع عكس الزمن، ضيق العيش، التصحر، وقت الأحلام، مجموعة أجيال، الحرية، المتشرد، الطائر الصغير، وحشد كبير من الألواح الفنية الملونة.
كما احتوى الكتاب المدرسي رسوماً وصوراً عديدة لشخصيات مثل: توفيق الحكيم، ميخائيل نعيمة، سعدي يوسف، جبران خليل جبران، الماغوط، أحمد أمين، إيليا أبو ماضي، نازك الملائكة، حنا مينة، مارتن لوثر كنغ، لمعية عباس، غادة السمان ونوال السعداوي. مع نبذة عن حياة كل شخصية.
واحتوى صوراً لمتاحف ومكتبات (كمكتبة الإسكندرية)، وصورة لغلاف روايات عربية وعالمية عديدة. وكانت الصور المتعلقة بالمرأة معادلة – دون تكلف – لصور الرجال. فالأديبات والفنانات والطبيبات والشاعرات والعازفات صورهن تتوزع على الكتاب.
وقياساً إلى الكتاب الأردني، فإن الأخير لا يذكر شخصيات معاصرة. في احد الكتب الاردنية، تم ذكر ثلاثين شخصية، كلها عاشت قبل ألف عام، اضافة الى شخصية معاصرة واحدة، دون وجود أية صور.
5 – وفي المحتوى، جمع الكتاب المدرسي الحاضر وقضاياه المعاصرة، لربط التعليم بالحياة، مع اطلالة، في وحدة متكاملة، على التراث الحي، لا الميت.
وتنوعت النصوص: اثنان نثريان، وثالث شعر، في كل جزء، والكتاب يكمل بدفتر التطبيقات، وفي كل وحدة نشاط “فريقي” ومشغل تعبير، ومشغل نحو، ونشاط مطالعة حرة، وقراءة لوح فني.
وللتأمل فقط، كانت عناوين وحدات الكتاب: – نقرأ فنحيا. – الرواية. – العلم والعمل وبناء الشخصية. – هاتوا البرهان.
– المقالة بأنواعها. – قضايا معاصرة: البيئة والاخطار والحروب والسلام. – الوصف، أثر البيئة في سلوك الناس، ونتاج الكتاب والادباء. – تراثنا الحي.
لاحظوا هذا المحتوى، ومدى انحيازه للادب والفكر، علماً بأنه خلا من أية اشارات الى الطوائف والاديان، وهي عديدة في لبنان.
6 – وضع الكتاب الطلبة امام مكتبات ومتاحف والواح فنية وروايات، وعرفهم بالمبدعين. ولم يطلب منهم الرجوع الى كتب قديمة جامدة، لاستخلاص وإحياء موتى، كما تطلب كتبنا.
7 – وخلافاً لكتبنا، التي امتلأت بأنشطة تراثية غير حية، وفرضت على الطلاب استخدامها في التعبير والكتابة،  فقد جاء  الحوار في الكتاب اللبناني وانشطته متميزاً بما يأتي:
– العنوان: من التحليل الى الإبداع! فأين التحليل وأين الإبداع؟ تعالوا نلاحظ ما يأتي:
– هل طرح توفيق الحكيم في روايته تصوراته عن اللغة العربية؟ ماهي؟
– اختر! اختاري ثلاثة أدباء لبنانيين، تعتبرهم، تعتبرينهم نموذجا في الدفاع عن اللغة العربية.
– حوّل، حوّلي بحثك عن فيلسوف عربي الى نص مكتوب.
– تعجب، تعجبي مما يأتي: وعى الناشط القضية.
– اكتب “ي” رأيك في طرائق التعليم في مدارسنا.
– كيف فسر مارون عبود التشدد، الذي انعكس على سلوك الطلبة؟
– اروِ(ي) خبرا طريفا يسخر من طريقة التعليم الحالية.
– الى أي مدى يمكن القول “الكتاب الورقي في طريقه للانقراض”؟.
– “اقرئي كي تحيي” عبارة كتبها خوستاف فلوبير في رسالة سنة 1857، ماذا تفهم “ين” من هذه العبارة؟.
– ماذا كان الناس يقرأون قبل اختراع الحروف الأبجدية.
هذه العبارات كلها درس واحد. لاحظوا مدى الحرية المتوافرة للطالب. لم يقل له احد ارجع الى حديث أو نص او كتاب قديم، او مفاهيم قديمة، واستخدمها في كتابتك!
8 – ونستعرض اسماء القصائد، وليس بينها قصائد عن “سئمت تكاليف الحياة”. او “اذا بلغ الرضيع لنا فطاما”، او “زكّي كي تسلم من نار جهنم”، او “احفظ نصا تراثيا” لا داعي لحفظه.
انه كتاب ليس أردنيا ليحوي هذه الأمور.  فالكتاب اللبناني احتوى قصائد:
– الطين: رائعة إيليا أبي ماضي. – في المكتبة: سعدي يوسف. – حادثة دنشواي المصرية: رائعة صلاح عبد الصبور.
– دعوة الى الحياة: نازك الملائكة. – خريف الاقنعة: محمد الماغوط. – جيكور: رائعة بدر شاكر السياب. – أنا حر: يوسف الخال. اليتيمة: مجهولة الشاعر، ومن أروع القصائد العربية.
تلاحظ شعرا معاصرا، لابرز الشعراء، وليس بينهم من أصدقاء من وجدت أسماؤهم على كتبنا، او من أصدقاء المؤلفين.
9 – وعالج الكتاب نصوصا في منتهى العمق والفكر والتنوع، مثل: – الحركة فكرة: سليمان العيسى. – الإقلاع عكس الزمن: إملي نصرالله. الأسطورة: بولس سلامة. – العلاج النفسي عند العرب: اسعد السكاف. – سأصبح طبيبة: نوال السعداوي. – دروس من الجامعة والحياة: أحمد أمين. – العودة: الطيب صالح. – عصفور من الشرق: توفيق الحكيم.
– فيلم رهينة الانتظار: جات شمعون. – فيلم: لبنان اللي بنحلم فيه: بيار دوالبيتي. – الهوية والعولمة: أمين معلوف.
وعشرات النصوص غيرها، مثل العلم الكسيح، نزار قباني: ماذا فعلت للمرأة. فيلم المصير، الفن الكاريكاتوري، حتى لا يعم الظلم والفساد… الخ. فأين نصوصنا منها؟
وختاماً،
1 – مؤلفون تربويون، لهم خلفية في اللغة العربية، اما مؤلفونا فهم لغويون فقط.
2 – حرية نقاش، تطلب من الطالب والطالبة، اتخاد موقف وتحديد رأي، ولا تطلب منه التسليم برأي المؤلف، او رأي النص.
3 – نصوص حرة، فكرية، أدبية، لها طابع فني جمالي، وليست نصوصا نصفها تراثي، ونصفها الآخر تراثي ديني، كما في كتبنا.
4 – خطاب موجه الى المستهلك، وهو طالب وطالبة، دون ان يسهو مرة واحدة، فيخاطب الذكور. كما في كتبنا.
5 – حشد لمفكرين وباحثين وشعراء، عشقوا الحرية والفكر والجمال، وليس اصدقاء المؤلفين او الموظفين في الوزارة، كما في كتبنا.
6 – فالكتاب: فكر، لغة، أدب، ثقافة، فن، جمال، وليس أحاديا تراثيا كما….
7 – كتاب يطلب التحليل والنقد، ولم يطلب الترتيل والتلاوة كما في…
انه كتاب في اللغة العربية، وليس في التربية الدينية!!
ملاحظة مهمة:
اللبنانيون والسوريون متمكنون جدا في اللغة العربية، دون ان تحوي مناهجهم على نصوص تراثية دينية، كما مناهجنا، التي تدّعي وزارة التربية، انها تحفظ اللغة من الضياع، رغم ان اللغة العربية ضاعت  عندنا، وبقيت في لبنان وستبقى في سورية.
ختاماً، كل التقدير لمدرستي عمان الوطنية ومدارس المشرق العربي، على تزويدهما لي بالمناهج اللبنانية والعربية.

 

الغد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *