فاتن حمودي: الشعر سوسن الفتنة ونعناع الرغبة

18 يناير، 2016

من الصعب أن تكتب شعرا عن مدينة كدمشق، حيث كل التفاصيل الدقيقة فيها وكل ركن من أزقتها أو حتى حبة غبار أو ذرّة من هواء، مثقلة بروائح التاريخ، المنصهرة فيه أرواح عديدة، فالكتابة عن مدينة كهذه تستوجب أكثر من قصيدة وأكثر من مخيلة شاعر، ولطالما كانت دمشق مرتعا للمخيلات التي لاطفتها وحاولت عناقها فتمنعت، فما بالك اليوم وهذه المدينة الجدّة تعاني من أثر الحرب والدمار اللذين يهددانها في كيانها؟ الشاعرة السورية فاتن حمودي آثرت ألّا تترك دمشق تفلت ممّا تكتب، لذلك بقيت تحملها معها في أغلب قصائدها. “العرب” التقت الشاعرة فكان لنا معها هذا الحوار حول قصيدتها ومدينتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحوار مع الشاعرة والإعلامية فاتن حمودي مساحة من مساحات البوح، وقراءة في التجربة والمكان، هذه المرأة التي تحمل شامها معها على أرصفة عزلتها، لتحضر في القصيدة وكأنها تشدّ الزمن من تاجه، لقد صدرت لها عن دار رياض الريس المجموعة الشعرية الأولى “قهوة الكلام”، والتي كانت تحضرها على جمر قلبها، فحضرت الشام بقمرها وأرضها ووجوهها، وكانت الشاعرة المشغولة بالحب والعزلة والجرح، المفتتنة بنكهة المكان وحكاياته، تكتب قصص الأطفال، إلى جانب ترجمتها للقصة اليابانية التي تدور أحداثها حول هيروشيما “ساداكو وطيور الكراكي”، كما تنقلت بين الصحافة المقروءة والمرئية.
الرحم الأول
“سوسن الفتنة أنا، نعناع الرغبة، سيدة الحكمة، يقولون عني ولا يدرون جنوني، أنا العاصفة، والريح نسيت ملامح وجهي”، هكذا تستهل الشاعرة حديثها إلينا عن نفسها، وتواصل: وأنا شجرة نارنج في حديقة شامية، أنا الفاتنة، والخيبة، أزحزح الغبار وأردد مقولة النفري “الحلم الذي لا يحمل بشرى لا يعوّل عليه”، أمضي نحو النص لأكون، قبل أن تتلاشى روحي، وسط زحمة اللاشيء. أنا ابنة الشام، الشام التي لم تكن بعافية منذ عقود، كانت تشدّ نفسها كشجرة، تتظاهر بالعافية، لكنها وصلت إلى هذا العصف، الزلزال الذي لا يشبهه أيّ خراب.
درست فاتن حمودي الفلسفة، وكانت، كما تقول، محظوظة بأساتذة كبار أمثال صادق جلال العظم، أحمد برقاوي، وطيب تيزيني، كما كانت جارة لابن عربي، وطالبة عند عبدالكريم اليافي، سيّد من درّس الصوفية والعشق الصوفي.
المشهد الثقافي السوري غني، ولكن يصعب الإحاطة به بسبب الاضطراب وغياب النقد، وهو ما يخلق فوضى من الكتابات
تؤكد ضيفتنا أنها تنظر اليوم وتقول: يا إلهي كيف صرنا على القارعة، ألتفت إلى الأزقة والأحياء الشامية، ثم أمضي إلى الغوطة التي سكنت فيها، والتي استقبلنا فيها أهم الكتاب والشعراء، هناك كنا نرى الأصدقاء يتنقلون من المعتقلات إلى المنافي، فيعودون موتى، أو جرحى على وطن منخور، وأذكر منهم مثلا القاص جميل حتمل.
وتقول فاتن حمودي خلال حديثنا معها عن الشعر وقهوة الكلام: الشعر هو الهاجس الذي يلاحقني وكأنه شجرة الروح، إنه نهري الذاهب إليّ، بردى فيروز، بردى الذي يتجوّل في الشام، هذا النهر الذي تحوّل إلى دم، بعد أن كان منصة لمشاوير العشق والطفولة والحلم، نحن من تشربنا ثقافة الأنهار المتجددة أبدا، ندرك أن الخصب سيعود.
ويمضي الحديث مع حمودي حول شغف الكتابة، والبدايات وعمّا أنتجته، تقول ضيفتنا: الكتابة عشق، أرى نفسي وأنا أكتب على مفكرتي الصغيرة أول الحروف، أصابعي ملطخة بحبر العزلة والشغف والحزن من طين، طرقات المخيم والحجر الأسود الذي سكنت فيه سنوات حيث العتمة، وعلى طرف آخر الأمل والفرح من صداقات في الغنى كأنها بئر تستدرج الدلاء، لنرش الماء على وجوهنا ونصحو على وقع أغاني سميح شقير، على صوت موسيقى الغجر، ورودريكو الجيتار، والبوليرو. كنت أمضي إلى الكتابة بصمت متذكرة قول ابن عربي “إن الغرام بالبروق ولمعانها وليس بالأماكن”.
كانت ضيفتنا تكتب وتمحو، ربما كانت تظن أن حسان عزت هو الشاعر الذي أحبت أشعاره وحفظتها عن ظهر قلب، لهذا كتبت عنها دراسة نقدية كشعر يحمل إرهاصات كبيرة لما يجري اليوم على أرض الشام.
تقول: كان القلق ينهر خطواتي، وكانت “قهوة الكلام” تطبخ على جمر القلب وكنت في عرائي وحدي، نشرت قصائدي ونصوصي في صحف ومجلات ومواقع عربية، وفكرت في النشر منذ أكثر من 6 سنوات، فكتب لي الشاعر سيف الرحبي مقدمة لمجموعتي، وتأخرت في النشر، أنا المتأخرة عن نفسي أغسل عزلتي بالأمومة مرة، وبالعشق والموسيقى مرة أخرى، أو استدراج النهر ليبلل قصائدي وروحي ويغسلها من رمل المدن وغبارها.
العزلة والكتابة
وحول مدن المنافي والغربة التي تعيش فيها الكاتبة، نفت أن تكون أبوظبي بلد غربة ومنفى، تقول: لا أعتبر أبوظبي منفى، ولا المدن الإماراتية الأخرى، التي فتحت لي بابا على العشق والشام والشعر ومراجعة نفسي لأكون. الغربة في داخلنا، العزلة خيط ملتف على روحي، فما بالك اليوم ونحن نواجه إعصارا ينشرنا على هذا الكوكب أحياء وأمواتا ومشردين، علماء وشعراء وحالمين؟
ولأن الشعر معرفة تختزل الرحلة، كما تقول ضيفتنا، فإن المكان المسكون بروحها هو ذاك القطار الذي يصفر ملء الكون وهو يدخل مصايف الشام، وتلك الأزقة الحنونة، التي قطعتها حواجز قطاع الطرق والمافيات. أما الشعر بالنسبة إليها فهو الملاذ، تقول: هو المكان الذي أسافر إليه، هو وجه أمي وأبي، رائحة قهوة أختي لينا، للبحث عن المكان الحلم، أو اليوتوبيا، فأشرق بالحياة، وكأن هذا قادم من المستقبل، من هنا أقول إن أبوظبي فتحت لي باب العشق لأعرف فاتن أكثر، وأستحضر الرائحة، التي أثمرت “قهوة الكلام”، فكان الشعر نهري إليّ.
وعن العمل والتنقل بين منصتي الصحافة المقروءة والمرئية، تشير ضيفتنا إلى أنها كانت دائما تبحث عن الثقافة، لتجد نفسها تعمل في مجال تحبه، وما بين منصة وأخرى كانت عيونها دائما على القصيدة، والشعر.
بالتأكيد الثقافة الحقيقية وأمام هذه المنعطفات الكبرى، هذا الزلزال العاصف الذي ترافق مع مرحلة ما سمي بالربيع العربي، وضعتنا أمام سؤال جوهري يوازي الحرية والوجود كما تقول ضيفتنا، حيث تعتبر أن الكتابة لا تقدم جوابا بل سؤالا مطروحا على المستقبل، فإنها شاهد، وموقف، والكاتب الطليعي يشعر أن روحه طرِشت بهذا الدم والقتل، والانزياح للعدالة والإنسان وفق تعبيرها.
وترى فاتن حمودي أن الأبراج العاجية للشعر والثقافة سقطت، فنزلا إلى أرض الواقع، وتتابع قائلة: هناك مثقفون عضويون مرّغوا الثقافة بالواقع، وكأن الثقافة تعيد الاعتبار لكل شيء.
وختمت أن المشهد السوري غني ولكن يصعب الإحاطة به بسبب غياب النقد، وهو ما يخلق فوضى من الكتابات، حتى الصحافة فقد غابت عن معظمها صفحات الثقافة التي تحولت إلى منوعات، ورغم ذلك فالمشهد غني، والزمن هو المحك الحقيقي في الفرز.

العرب اللندنية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *