فايز مبيضين والبعث… سيرة صامته

14 فبراير، 2017

د. مهند مبيضين

انتقل إلى رحمة تعالى الأسبوع الماضي القاضي والحزبي المناضل فايز المبيضين. ويمكن القول أنه من أكثر قادة ومؤسسي البعث صمتاً ومجانبة للأضواء، لكن سيرته تختصر جيل كامل من الحياة الحزبية في الأردن والنضال الوطني، كما أنه يعتبر واحداً من اكثر المكافحين عن استقلال القضاء .

جذب الحزب بمؤسسية نديم البيطار وميشيل عفلق عام 1947 وبانتمائهما للطبقة المتعلمة، المتعلمين من شرق الأردن الذين نقلت لهم أفكار حزب البعث، وكانت كلية الحقوق في جامعة بغداد تضم صالح الحبشي، وعبد الكريم خريس، وفايز مبيضين، وارشود الهواري، وحمد الهنداوي.

اعتنق فايز المبيضين المولود في الكرك عام 1925 في ظلال هذا الجو أفكار البعث قبل ان يتخرج من جامعة بغداد عام 1949، وكانت النكبة قد عظمت الشعور بالحاجة للوحدة، فوجد الشباب أن لا سبيل للخروج من نتائج النكبة إلا بالوحدة والتحرير الوطني، وكلف فايز مع مجموعة من رفاقه بتأسيس، لكنه وجدّ أن الرفاق الذين تخرجوا من دمشق سبقوهم إلى التأسيس، وصار أبا أسامة عضوا في القيادة القطرية وتولى لاحقاً امانة سر الحزب في الأردن.

التحق فيما بعد للعمل موظفا في وزارة المالية في دائرة ضريبة الدخل، مدعياً عاماً ومحامياً بين عامي 1953-1956، وفي أعقاب حكومة سليمان النابلسي قدم استقالته بطلب من الحزب ليخوض الانتخابات البرلمانية لِكون البلد ذهب للانفتاح السياسي، لكن دائرة الكرك كانت محصورة بمرشحيّها التقليديين هما هزاع المجالي واحمد الطراونه، لكن العزوف عن الترشح جعل سليمان النابلسي يعيده مدعيا عاماً مرة أخرى. ولم تخلُ تلك الفترة من مواقف مهمة بسب كثافة الصراع السياسي وصعود الحزبية، وبالذات نشاط الحركة القومية العربية والحزب السوري الاجتماعي.
سقوط حكومة سليمان النابلسي في العاشر من نيسان 1956، لم يكن وليد الظرف الداخلي فقط، ففي كتابه “الحسين حياة على الحافة” يرى رولان دالاس أن الرحلة كانت تحمل عنوان “تحد اليسار” فقط اعلن الرئيس الأمريكي آنذاك أيزنهاور مبدأ تجفيف الشيوعية وكانت حكومة النابلسي ناطقة باسم اليسار والحزب الوطني الاشتراكي، وأصبحت هدف لمبدأ ايزنهاور .

واجه الرفاق بعد ذلك التاريخ التعقب والسجن وكان فايز المبيضين واحداً منهم.  حدثت اعتقالات في شهر أيلول بتهمة محاولة الانقلاب على الحسين رحمه الله، وصدرت احكام قاسية بعد تفجير مقر الحكومة واستشهاد هزاع المجالي في آب 1960 لكن أجواء من إعادة الثقة عادة بدور لوصفي التل لاحقا في محاولة لاستقطاب القوميين وكان ذلك في اجتماع حضره وصفي التل وجمال الشاعر. وعارض فيه منيف الرزاز هذه المشاركة بالحكومة، وطالب بعودة سليمان النابلسي ومعه وزرائه المدنيين والعسكريين، الذين شاركوه في الوزارة كشرط لهذه المشاركة وعودة الثقة.

عقب افراجات حكومة وصفي التل عن السياسيين عام 1962 كانت البلد في حال افضل، إلا ان ظروف القلق وغياب الثقة ظلت سائدة، وبقي فايز المبيضين في الحزب، لكن الحزب عارض موقف الحكومة الداعم للملكية في اليمن وانتقدها في البرلمان.

ونتيجة للظروف الإقليمية أصدر الملك حسبن عفواً عاما عام 1963 عن السياسيين لكن تأزيم الأوضاع الإقليمية أعاد الوضع إلى ما كان عليه وعاد الرفاق بعد يناير 1964 للاعتقال بقرار من مجلس الأمن القومي الأردن ومن بين المعتقلين آنذاك الذين ارسلوا للجفر اثني عشر عسكرياً ومحامون، وأطباء، وصيادلة، وموظفون، وتبعهم في شهر تشرين الثاني/ اكتوبر مائة شخص معظمهم من البعثيين، وكان من بين المعتقلين: أنيس المعشر، و أمين شقير، وحمدي الساكت، و صبحي القطب، وفايز المبيضين، ومنيف الرزاز، وجمال الشاعر، و يعقوب هلسة، ومن العسكريين رفعت عودة، و طارق الشرع، وجعفر الشامي، وشاهر أبو شاحوت، وآخرين.

في نهاية الستينات وبعد انقسام البعث كلّف تيسير الحمصي وفايز المبيضين وإسماعيل محادين وضيف الله مساعدة بإعادة تنظيم حزب البعث ايام أحمد حسن البكر في العراق “وكان امين سر الحزب شاهر أبو شاحوت”. حدث آنذاك لقاء بيروت في نيسان 1968، لكن الأمور لم تنتهي كما يحب الرفاق وعلى رأسهم صالح مهدي عماش الذي حضر اللقاء. لكن القيادة القومية قررت لاحقاً تشكيل قيادة للحزب في الأردن وضمت القيادة عضوية فايز مبيضين  وعاصم الهنداوي اسماعيل محادين وتيسير الحمصي وخلف مساعدة.

في حكومة الرئيس زيد الرفاعي الاولى، حيث عرض على المبيضين ان يكون وزيرا للعدل، لكنه اعتذر ورشح زميلا اخر للمنصب، ووافق ان يكون وكيلا للوزارة، فعاد الى وظيفته مدعيا عاما لسنوات عديدة، قبل ان يصبح في مطلع الثمانينات قاضيا في محكمة التمييز ومحكمة العدل العليا التي كان يرأسها القاضي موسى الساكت، وليبقى في هذا المنصب حتى احالته حكومة زيد الرفاعي الأخيرة للتقاعد عام 1989 على غير رغبة منه وبحادثة مهمة في تاريخ القضاء حيق أحال مجموعة كبيرة من كبار القضاة انفسهم للتقاعد، لتعيده حكومة مضر بدران بعد عام واحد الى وظيفته قاضياً في محكمة التمييز، ويستمر فيها حتى عام 1994 ، وكان من اهم مواقفه كما كان يردد رحمه الله أنه “نجح في ابعاد الظلم عن المتهمين في قضية “مؤتة”.

كان أبو اسامه رحمه الله هادئاً حبوراً مقلاً في الكلام ومدافعاً عن القضاء، ولكن بعيد الهوى عن السلطة والوزارة.

Mohannad974@yahoo.com
عن الدستور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *