فضيحة صنعتها الصحافة.. نص خطاب أينشتاين لمواساة ماري كوري

16 نوفمبر، 2017

تقول ماريا بوبوفا في مقال نشر على موقع «براين بيكينجز» المهتم بالقضايا الفلسفية والأدبية: إنه «ليس هناك ما يضني القلب أكثر من أن تشهد المرارة التي يخلفها هجوم أصحاب النفوس الخبيثة ذوي المواهب المحدودة على من وهبوا العبقرية، وكذلك ليس هناك ما يبهج القلب أكثر من أن تشهد التضامن والدعم الذي يمنحه أصحاب الأرواح الرقيقة ذوو النوايا الطيبة لأولئك الذين يتعرضون لهجمات بغيضة مروعة».

تقول الكاتبة: في عام 1903 أصبحت ماري كوري، 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1867 – 4 يوليو (تموز) 1934، أول امرأة تفوز بجائزة نوبل، منحت الجائزة مناصفة مع زوجها بيير؛ لأبحاثهما الرائدة بشأن النشاط الإشعاعي، وفي 19 أبريل (نيسان) 1906 ترملت بعد وفاة زوجها جراء حادث مأساوي، بينما كان يعبر أحد شوارع باريس المزدحمة في ليلة مطيرة، انزلقت قدماه فسقط أسفل عربة تجرها الخيول؛ دُهس وقتل على الفور.

اقرأ أيضًا: مترجم: 5 أمور تثبت أن أينشتاين كان شخصًا عاديًا مثلك

حزنت كوري لسنوات، وفي عام 1910، وجدت عزاءها في أحد متدربي بيير، يدعى «بول لانجفان» -أستاذ فيزياء شاب – كان «بول» متزوجًا، لكنه انفصل عن زوجته التي كانت تسيء له جسديًا. فأضحى «لانجفان» و«كوري» عاشقين؛ ما دفع زوجته الغاضبة لتأجير شخص يقتحم الشقة حيث يلتقيان، ويسرق رسائل الحب بينهما، ثم لم تلبث أن سربتها للصحافة. مزقت الصحافة «كوري» ووصمتها بأنها «الأجنبية اليهودية هادمة البيوت».

وتستكمل «ماريا» قائلة: لدى عودة «كوري» من مؤتمر علمي تاريخي في بروكسيل، حيث التقت بـ«ألبرت أينشتاين»، 14 مارس (آذار) 1879 – 18 أبريل (نيسان) 1955، فوجئت بحشد من الغوغاء الغاضبين أمام منزلها في باريس، وأجبرت هي وبناتها على البقاء لدى أحد أصدقاء العائلة.

لطالما حسب أينشتاين ماري كوري أنها إنسانة «صادقة ونزيهة» تتمتع بـ«ذكاء متألق»، ولدى سماعه أخبار الفضيحة المدوية، اعتراه الغضب بسبب حقارة وتفاهة وقساوة الصحافة.

إذ جردت صحف الفضائح الصفراء حالة إنسانية – خاصة بشخصين – من الإنسانية، وقدمتها للمجال العام، متعمدة تدمير سمعة كوري العلمية.

وهنا كتب أينشتاين، الذي تصفه ماريا بوبوفا، بأنه «سيد الخطابات المواسية الجميلة، وبطل اللطف، الذي يرى في اللطف دافعًا منعشًا مركزيًا للحياة»، إلى ماري كوري بتضامن ودعم خالص من القلب، يحثها ألا تصدق أو تذعن للتعليقات الحاقدة في الصحافة. يعد الخطاب الذي عثر عليه في سيرة والتر إيساكسون الرائعة، بعنوان «أينشتاين: حياته والكون»، شهادة على شهامة الروح التي صاحبت عقلية أينشتاين الفريدة، وبعبارة أخرى يعد الخطاب تحفة تجسد ما أطلق عليه أينشتاين نفسه «العبقرية الروحية».

At the 1911 Solvay Conference. Curie leaning on table. Einstein second from right. Also in attendance: Max Planck, Henri Poincaré, and Ernest Rutherford.

(صورة تجمع العلماء المدعوين لمؤتمر بروكسيل، تظهر فيها كوري جالسة على الطاولة وأينشتاين يقف أقصى يمين الصورة)

أينشتاين الذي وصف ماري كوري لاحقًا بأنها «الوحيدة من بين الشخصيات التي احتفى بها، ولم تفسدها الشهرة» يقول لها في خطابه: بداية «أرجو ألا تسخري من كتابتي رسالة لك، دون أن يكون لدي شيء منطقي لأقوله لك».

كما ذكر أنه لا يسعه سوى التعبير عن مدى غضبه الشديد بسبب دناءة العامة المتمثلة في طريقة تجرؤهم على الانشغال بها وملاحقتها. ثم توجه لها قائلًا:

«إلا أنني على يقين أنك تلفظين تلك الغوغائية باستمرار، سواء كان بغمرك بفيض الاحترام والتقدير تزلفًا، أو محاولة إشباع شهوتها للإثارة! لا يسعني سوى أن أبعث لك هذا الخطاب؛ كي أخبرك فيه مدى إعجابي بعقليتك، وشغفك الواضح، وصراحتك المطلقة. أعتبر نفسي أحد هؤلاء أصحاب الحظ السعيد بمعرفتك شخصيًا في بروكسيل؛ فأي شخص لا ينتمي إلى مجموعة الرعاع الدنيئة تلك، ليشعر بالسعادة، الآن كما كان من قبل، أن بيننا شخصًا مثلك، ومثل لانجفان أيضًا، فانتم أناس حقيقيون صادقون، يشعر المرء أنه محظي لمعرفته بكم. وإن استمر الرعاع في ملاحقتك، لا تلتفتي أبدًا لتلك التفاهات، دعكِ عنها، واتركيها للمرضى محبي التفاهات التي غزلت مستهدفة إياهم بالأساس».

ثم اختتم رسالته بتوجيه خالص التحيات والود لها وللانجفان وبيير.

تشير الكاتبة إلى أنه عقب انتشار تلك الفضيحة بفترة وجيزة، تسلمت ماري كوري جائزة نوبل في الكيمياء؛ لاكتشافها عنصري الراديوم والبولونيوم، وبهذا صارت ماري كوري العالم الوحيد الذي يتسلم جائزة نوبل في مجالين علمين مختلفين. حظيت كوري بواحد من أكثر العقول بصيرة وحبًا للإنسانية قاطبة، بينما اندثر الصحافيون الذين قذفوها بوابل من أخبار الصحافة الصفراء الدنيئة طي النسيان غير مأسوف عليهم.

وقالت الكاتبة في ختام مقالها: «إن ساورك الفضول حول معرفة كيف تتعامل مع الحاقدين، ربما عليك الاطلاع على دليل حكمة مارك تواين، ورسالته هو الآخر لدعم هيلين كيلر بعد اتهامها بهتانًا بالانتحال، ورسالة فريدا كاهلو إلى جورجيا أوكيف – الرسامة الأمريكية –  بعد دخولها المشفى جراء إصابتها بانهيار عصبي».

ساسة بوست

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *