كتب مالك عثامنه: الردح الفضائي بين الأردن ومصر

7 أكتوبر، 2015

كتب الزميل مالك عثامنه اليوم في زاويه حديث الاربعاء بصحيفة القدس. حديثا حول حالة الاشتباك الإعلامي بين مصر والأردن بعد حادثة الاعتداء على عامل مصري بالعقبة. تاليا نص الحديث.

كأردني يطالب بدولة مؤسسات وقانون، كنت من أوائل من تفاعلوا على خلفية حادث النائب الأردني وعصابته حين اعتدوا على مواطن مصري يعمل في أحد مطاعم مدينة العقبة الأردنية، وقد شاء الحظ السيىء لهذا النائب أن تلتقطه كاميرات مراقبة مثبتة في المطعم.
أطالب بتفعيل القانون، لأن القانون فقط هو المؤسسة التي تحمي الأفراد، ووقفت في صف المواطن المصري لأنه بلا شك تعرض لانتهاك مفضوح وواضح لا حجج تغطيه ولا أعذار تبرره، فيما يشبه تعسفا صارخا في استعمال السلطة.
لكن.. كإعلامي، يعرف حدود مهنته جيدا، فأنا أقف بقوة ضد الردح الإعلامي الموجه والخالي من المهنية والقائم على الردح والشتم ودغدغة العواطف، كما يفعل بعض الإعلام المصري الآن، راكبا موجة القضية بدون معالجتها إعلاميا كما يجب!!
الردح، حين يصبح استراتيجية متبعة في برامج الحوار، فإن من يقومون عليها يكونون قد تخلوا عن مهنة الإعلام إلى مهنة الردح.. وتصبح تلك البرامج مصنفة كصناعة ترفيه بمستوى رديء لا إعلام محترم يقدم خدمة للمتلقي، وهو ما يذكرني ببرامج الأمريكي جيري سبرنغر وبرنامجه الفضائحي، وقد كان من أشهر نجوم أمريكا، لكنه لم يجرؤ ولو مرة أن يسمي نفسه بإعلامي أو صحافي، بل كان فخورا أنه جزء من صناعة ترفيه لها جمهورها المستهدف غريب الأطوار.
ما يحدث في الفضاء المصري من برامج «توك شو» أو ما يتوهمونها حوارية ليست أكثر من تنافس على تقديم وصلة الردح الأكثر شعبية، في سياق ترفيه جماهيري لجمهور واسع يعشق هذا النوع من الردح .. ولا يتردد في أن يصرخ باتصالات مع الأستوديو لإثبات الوطنية عبر الصراخ والسباب والتعريض بالآخرين.
هي صناعة.. محتواها يتفاوت بين محتوى محترم أو محتوى رخيص، لكنه في الحالتين يجد جمهوره.. ويدر مالا على منتجيه.
وأخيرا، أتساءل.. لو تبين أن الأخ خالد، المواطن المصري الذي تعرض للإعتداء عليه في العقبة، هو من الإخوان المسلمين او أنه متعاطف معهم ولو برفع الأربع أصابع، ماذا سيكون موقف مصانع الردح الوطني في الفضاء المصري؟
بالمناسبة، هذا النوع من الردح الوطني ليس حكرا على مصر، بل يوجد منه أيضا في الأردن.. وبكثرة على أثير الإذاعات المحلية، لكن مصر.. صوتها الأعلى في هذا المجال.

وفاء أدخلت أحلام في «المتاهة»

.. وصناعة الترفيه، كصناعة ضخمة وأحيانا بإنتاج خرافي، أيضا صناعة قد تستعين بإعلاميين وصحافيين موهوبين بمجال عملهم، وهذا لا يعيب الصحافة، كما أن صناعة الترفيه بحد ذاتها ليست عيبا ما دامت تقدم محتوى له جمهوره الواسع.
ومن ذلك، برنامج الإعلامية الذكية وفاء الكيلاني الجديد، «المتاهة». وهو في المضمون الإستجوابي نفسه وبطريقة تحقيق ذكية مبنية على معلومات مشغول عليها بإعداد محترف، تقوم به الكيلاني مع ضيف مثير للجدل من نجوم العالم العربي، كل ما تغير فقط الشكل والهيكلية.. وهو جزء من التشويق الذي تحتاجه صناعة الترفيه.
حلقة الأسبوع الماضي كانت مع شاغلة التويتريين أحلام، وأعترف أني تابعت الحلقة، رغم ما يشكله فكر و فلسفة وأيدولوجية المفكرة أحلام من خطر على أعصابي وقلبي الصغير الذي لا يحتمل زلازل أحلام.
كما أقر أني أحترم جدا ذكاء وفاء الكيلاني، وصبرها الشديد الذي تضبطه وتحوله بحنكة إلى صواريخ مرتدة أمام تخبيصات أحلام التي تنافس مصانع التبغ كأكبر مسبب لأمراض القلب والجلطات.
لقد قصفت الكيلاني جميع الجبهات بنجاح.

الفضائية والطبيب الدجال

ومرة أخرى.. أمام هذا الزخم الخرافي من برامج «حوار الطرشان» في الفضاء العربي، فإنني من جيل محظوظ أنه عاش حقبة العصر الطبشوري ما قبل الفضائي.. وأتذكر جيدا، تلك البرامج التي كان يقدمها شخصيات غاية في التهذيب كأنهم مدارس على التلفزيون بصفوف مفتوحة تعلمك المفردات اللازمة في الحوار وأصوله وآدابه.
من مصر كان مثلا المرحوم الأنيق مظهرا ومحتوى طارق حبيب، ولا يزال المذيع السوري مروان الصواف يعطي دروسا في الدماثة مع تقديم المعلومة، ومن ينسى اللبناني المرحوم رياض شرارة؟
حتى في برامج الترفيه الفني، كان هناك فنانون في عالم الترفيه الفني الجميل، يقومون بوظيفة التقديم وبجدارة، مثل الزوج الثنائي إحسان صادق وسميرة بارودي.
قبل يومين، تعثرت بفضائية عربية، استوقفني فيها أن المذيعة تجلس خلف طاولة وأمامها قوارير وعلب لأدوية.. وهي تجري حوارا لا ينتهي مع «طبيب شعبي» يلبس بذلة، ويؤكد أن الطب البديل هو الأصيل، وأن الأدوية المعهودة في الصيدليات مؤامرة رأسمالية لإثراء الغرب، عبر بيع مواد كيميائية مضرة بالإنسان.. وأن منتجات «معمله» تقدم دواء خاليا من الكيمياء، قائما على الأعشاب ومواد من الطبيعة.
المذيعة التي تهز رأسها مع كل «نقطة آخر سطر» من حديث الضيف، كانت تقرأ أسئلتها من على ورقة، بلا مداخلات ولا أي نوع حوار.
طيب، الأمر طبيعي ومن المفروض أن البضاعة الرديئة تنتهي من السوق لانعدام الطلب، لكن الطلب على تلك الفضائية واضح وجلي من المكالمات التي تلقاها العالم الطبيب الدجال، وشريط الرسائل عبر أرقام اتصالات مبينة على الشاشة، من كل العالم العربي وخارجه أيضا، وهذه ترجمتها نقود وأموال يغرفها الدجالون من جيوب المجانين!!

صباح الخير يا عرب!

ومن ذلك أيضا وعلى ضفاف ذات السياق، فإن ما يعرضه برنامج واسع الإنتشار مثل «صباح الخير يا عرب»، يجب أن يكون مدروسا بشكل أكثر دقة، وباعتماد مختصين حسب موضوع الفقرة.
في فقرة صباح الثلاثاء «أمس»، كان الضيف فنان تشكيلي سعودي!! وتوقعت أن أجد فنا تشكيليا حقيقيا، لكن ما تم تقديمه عبر هذا «الفنان» ليس أكثر من قطع قماش كبيرة يتم الكتابة عليها بأقلام ملونة فسفورية بكل اللغات، عبارات عن السلام بين العالم!! هكذا بدون أي نسق فني.. فقط خربشات باللون الذي تحبه على القماش بخطك، أي عبارة تريد، لتصبح أمام لوحة فنية.
عزيزي الفنان «التشكيلي»…هذا اسمه فن «تشكيلي لأشكيلك».

  • كاتب من الأردن يقيم في بروكسل

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *