كفانا احتقارًا لتخصصاتنا

20 أغسطس، 2017

إيمان عبدالي

أي علم أو مجالٍ استهواك فأحببته ثم ضحيت من أجله، برعت فيه!

لذا عُدّٙت سائر العلوم «قٙيِّمٙةً» وأيُّ قيمة مضافة اختراعًا كان! نظرية، خدمةً للإنسانية – ولو على اختلاف اهتماماتها -تُخوِّله (المجال) ليغدُوٙ حديث الساعة كلما عمّٙ نفعه بِما يُفضي لتقدم الفكر الإنساني من جهة والحضارة على وجه عامٍّ ميدانًا أو مُجرّٙدًا.

اليوم: *أكاديميًا أتحدث* رغبتك للتخصص في أي علمٍ, رُهِنٙ مآلُه بمعدل شهادة البكالوريا كما عُلِمٙ! فإن أردت الغُدُوّٙ صحافيًّا عليك بالجِدِّ لتلج المدرسة العليا للصحافة وإن تعلق الأمر بالقضاة أو الإعلام الآلي أو، أو… غيرها كثير!

أستجوبك: إن حدث وشاهدت شريطًا وثائقيًا عن الكائنات الحية على قناة NAT GEO ومرّٙروا إِدلاءً برأي رجلٍ غربي على مُحيّٙاه كلّ الوقار بلحية العلماء تِلك وهو عالم أحياء، أو لنغيِّر: شريطًا عن حياة راسبوتين على قناة الجزيرة الوثائقية فاستعانوا بتحليل عالم اجتماع غربي أو مؤرخ بنظارات وبدلة رسمية!
أٙجِب عن سُؤلِيٙ: كيف ترى كليهما؟
في كلتا الحالتين؛خاصة أنّٙ هذين الأخيرين غربِيّٙان؛ نظرتٙ إليهما نظرة إشادة بمستوى عالٍ بلغوه!

لزمن ليس ببعيد كان من بُدٍّ الاستعانة بأمثالهم للنّٙهضة العلمية النوعية لبلدي الجزائر، بدل استحقارهم والإشادة بالصيدلي، القاضي، الطبيب، وتخصصات قليلة أُخرى، فقط؛ لأن البلوغ لمن استطاع لها سبيلًا. رجونا ذلك لولا حدة مضاعفات الداء.

أولها جريمة نفسية حقّٙة تُرتٙكٙبُ في حقِّ جُلِّ من تحصلوا على معدّل دون الوسٙط – وإن لم يجتهدوا لنٙيلِ أكثر من ذا – إِلاّٙ أنّٙ تأنيب الضّٙمير من معارفهم بقول: واشْ لاٙحُوكْ، ولو أن الأصٙحّٙ: ماذا وجهوك؟! بمجرد التّٙلفظ بحقوق، علوم إنسانية، رياضيات!
يا صاح، الحٙرِيُّ بك إعادة اجتياز الامتحان مثل جارتك لينة اختارت صيدلة «الله الله تضرب وتقلب». بالله علينا!
عين الجرم تمثلت في استنزاف طلب العلم من أصالٙةِ معناهُ الروحي التعبدِيِّ الجليل، بحصر العلمِ كلّٙ العلمِ؛ ولو أنهم استهدفوا المالٙ كلّٙ المال.
في قطع نقدية ومتاع دنيا قصير، قتلوا بِذٙا رغبة الفتى للبراعة ودفعوه؛ إن لم يكن مستعدًا لإعادة اجتياز الامتحان؛ لتمرير السنين الثلاث القادمة طمعًا في شهادة ورقية، والبحث عن مُدِرٍّ للرِّزق بمكان آخر!

قد يُفسر البعض تذٙيُّل معدّٙلات هذه الأخيرة القائمة؛ وتوجيه كل من عشعش على كسلهم الدهر؛ بِالجُمْلٙة: سياسةُ انتهجها النظام في ترتيب الأولويات، لغزو التخصص بمتطفلين لأن لا خير فيهم في بؤبؤ عين الدولة! وما ذنبي أنا ضحية يُرْثى لها؟
لن أبعد أُصبُعٙيْ الاتهام عنهم؛ ولكن الثمانية الباقية موجهة لك، فصراحة الجزاء من جنس العمل!

اقرأني جيدًا: لو ألقيت بالًا ناقدًا وأعملت عقلًا فٙذًّا، محلِّلًا لنهضة من تُجِلُّهم إجلالًا، لأدركت سِرّٙ ذكاء غزوهم المنظم؛ عناية بالغة بمن درس العلوم الإنسانية!
استعمروا بها فكر الشعوب، وقيضوا تاريخهم، وطباع أفرادهم! بتدارس لعلم اجتماع أسـس له ابن خلدون في كتابه المقدمة.
وشأنه شأن التأريخ لمّٙا خلطوه بسموم ناقعة لا ترياق لها إلا تركيبة مضادة!
كذلك الفضل في اكتشافاتهم الباهرة عن وظائف الكائنات؛ كل الفضل لعلم قاعِديٍّ! علوم الطبيعة والحياة.
فالدارس، وإن طالت المدة لغزارة تفاصيله؛ إن أحكم ربطها: أقرب من أي أحد آخر في نظري لإحداث نقلة باهرة أو اكتشاف ما! لأن التحكم في أساسيات المادة هو ما يخلق فيك حِسًّٙا تراكميًا محللًا، وما زال الكثير لإحداثه فما أوتينا من العلم إلا قليلًا.

وشأن الكيميائي، التكنولوجي، الإعلامي… كذلك؛ كضرب من التمثيل بدل الحصر!

وعلى سبيل التعريج لم يقتصر الازدراء لما بعد البكالوريا وفقط، فما يطول أغلب من فضّٙلوا الشٌّعب الأدبية على العلمية لم يكن بالهين يومًا، وَيكأنَّ العلم حُصِر في رياضيات وفيزياء! نظرة دونية بحتة.
ولو أنَّ حضارة لم تطَلْها نهضة أدبية فكرية، لم ولن تُعنَى أبدًا بمصطلح التقدم!

أمة تنبذ تباين الميولات، تقهر الأدبي، تنعته بالغبي لمّٙا لم يستوعب معادلة أو اثنتين، فيعاند ميوله ليُوجَّه علميًا.

من منبري هذا، لن أناشد الحكومة أو ذوي النفوذ لرفع سقف تخصص ما عن آخر؛ فالتوجيه لو كان حسب الرغبة بدل المعدل لفُجِّرت طاقات.

بل أذكر بادئًا أن فضل طلب العلم وتجديد المقصد من تدارسه لما هو خير؛ هو أرقى جواب عن سؤال مصيري: شبابك فيما أفنيته؟ فأحسنِ التمرن لذلك اليوم.

أجر طالب العلم لمّٙا يغدو عالمًا، لتفرش له الملائكة أجنحتها وتُسٙبِّح له الحيتان في أبطن المحيطات.
رسالتي لطلَّاب التخصص: أعيدوا الاعتبار لكم! العصا السحرية بأيديكم إن بغيتم إعجاز أيًا كان!
أحدث التغيير، ومجِّد علمك ببحوثك!
– أجِد اللغات إن اخترتها، أعجز القاضي إن كنت محاميًا،
– أحسن البناء إن كنت مهندسًا، اضبط التحاليل إن كنت عالم أحياء،
– تحكم في التطبيق إن كنت عالمًا بالآلة، أرِّخِ الحاضر إن كنت مؤرخًا،
– وغير الفكرة إن كنت عالم اجتماع.

نهضة بلدنا في فترة حرجة اليوم، وهي بحاجة ماسة لأولي الألباب منها، فلا تخذلوها!

عن موقع ساسة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *