لماذا تركيا وليس الأردن

18 فبراير، 2016
  • د. جمعان الغامدي

من المثير للدهشة أن يكون التحالف سعوديا تركيا وليس سعوديا أردنيا. أقول ذلك لأن تركيا يحكمها حزب إخواني، حتى وإن لم يكن يتصرف كالإخوان المسلمين في مصر أو تونس أو المغرب أو غيرها. ولكنه في النهاية من ذلك التنظيم ويعمل وفق أجندته العامة، ونحن نعلم موقف الحكومة السعودية من تنظيم الإخوان المسلمين فلماذا اللجوء إلى تركيا تحديدا وليس إلى الأردن مثلا وهي الأقرب للسعودية في منهج الحكم ونظامه.

تركيا المجاورة لسوريا بقيت في موقف المتفرج لأربع سنوات كاملة باستثناء دعمها لداعش، الذي كان يستولي على ما يتم تحريره من قبل الجيش الحر، وهي تعلم أنها المستفيد الوحيد من هذا الأمر، كما كانت تقوم بشراء النفط الداعشي والتصرف به داخليا وخارجيا. إضافة إلى دورها أثناء فترة المقاطعة على إيران وعدم تنفيذ تلك المقاطعة وتمرير الكثير من الصفقات التي تحقق لها مصلحة كبرى، وتسبب الضرر لغيرها. هذه الأعمال يمكن النظر إليها من جانبين اثنين: الأول يكمن في أصل الحكومة التركية الإخواني، فهذا نهجهم على الدوام ومنذ بداية التنظيم وعلاقته العجيبة مع النظام الإيراني، الثاني هو أن هذا الأمر يحدث في الغالب بين الدول الحدودية، وإن كان بطريقة أو بشكل أخف حدة. وعلى هذا، فإننا إذن حينما نقول إن الحكومة السعودية تعرف ماذا تفعل في تحالفها مع تركيا فإن ما سبق يؤيد ذلك القول.

الغارديان البريطانية قالت في مقال نشرته، الثلاثاء، إن تركيا تستخدم اللاجئين السوريين كورقة مساومة في التفاوض مع الاتحاد الأوروبي. الحديث هنا عن الملايين من اللاجئين الذين سيحاولون الوصول إلى أوروبا، وأن الحل أمام الاتحاد هو دعم حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي وصفته الصحيفة بالقومي المتطرف والمتدين المحافظ والعسكري. ومن ذلك دعم تركيا بثلاثة مليارات يورو ووعود بإعفاء الأتراك من التأشيرات واستئناف محادثات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، في مقابل تقنية الدولة التركية البوليسية التي يتم استخدامها ضد المعارضة التركية بأن تستخدم ضد أي شيء يمكن اعتباره تهديدا لأوروبا. وذكرت الصحيفة أن النظام التركي يبتكر طرقا معقدة لاستغلال اللاجئين ومنها: تهديد الرئيس رجب طيب أردوغان بإغراق أوروبا بهم، وأنهم لن يواجهوا جثة طفل واحد على الشاطئ بل ستكون هناك خمسة عشر ألف جثة. وفي إطار وصفها لحال اللاجئين السوريين في تركيا، تقول الصحيفة إن سوء المعاملة التي يجدونها داخل المخيمات التركية جعلت السوريين يخاطرون بحياة أطفالهم بالهرب ومحاولة الوصول إلى الشواطئ الأوروبية.

إذن أمام هذه الصورة المزعجة للنظام التركي ما الذي يجعل تركيا أقرب للسعودية من الأردن؟ إنها، وبكل بساطة، المصلحة المباشرة في التدخل التركي لمنع الأكراد السوريين من إقامة نظام الحكم الذاتي في الشمال السوري. إقامة مثل هذا النظام يعتبر طعنة غير بسيطة في خاصرة الدولة التركية تسببت فيها روسيا في سوريا. حيث أن قيام أي كيان للأكراد السوريين سيساهم في تكوين نظاميْن أحدهما في العراق والآخر في سوريا، مما يعني إثارة الأكراد الأتراك والتأثير عليهم للثورة واقتلاع أرضهم من تركيا لصالح الأنظمة المجاورة. هذا سيقتل تركيا ولا شك. لذلك يأتي التدخل التركي لمنع هذا الأمر من أن يأخذ مكانه. ولكن ألا تخشى السعودية من ردة الفعل التركية إذا انتهت مصلحتها بشكل سريع ومباشر فتتوقف عن دعم التدخل السعودي؟

سوريا لم تعد سوريا. وروسيا استغلت كل ما تستطيعه ليس لقتل المعارضين فقط، بل ولقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين السوريين وتهجير أكبر عدد منهم. وساهمت كذلك في إفشال مؤتمر جنيف 3 ومؤتمر ميونيخ وأكثرت من التلاعب السياسي في الشأن السوري وجاء تدخلها بشكل مزعج ليقلب طاولة الوضع العسكري في سوريا لصالح النظام السوري. إضافة إلى عملية الإزعاج المستمر لتركيا وليس آخرها تمكين الأكراد من بعض القرى والضواحي شمال حلب ليكونوا غطاء ساترا لقوات النظام السوري الذي سيتجه إلى حلب مطمئنا إلى أنه آمن من الخلف. وإذا كانت القوات الكردية قد انسحبت من محيط إعزاز إلا أن خطرها لا يزال قائما نتيجة لذلك الدعم الروسي مما يعني ضرورة التدخل التركي عسكريا في سوريا.

ما سبق مجموعة من الحقائق على أرض الواقع. وهي حقائق تعلمها السعودية بل والمؤكد أنها تعلم أكثر من ذلك بكثير، وأن جميع الخطوات التي حدثت أو تلك المتوقع حدوثها قد تمت دراستها بشكل جيد. ولذلك فهي لا تخشى أن تتوقف تركيا عن دعم قواتها وتأمين العمق الاستراتيجي للقوات البرية في حال الحاجة إلى ذلك. أما الثمن فهو غير معروف حتى اللحظة. ويبقى لماذا التدخل السعودي الآن وليس قبل سنوات؟ الحقيقة أن هذا التدخل نابع من عدة أسباب؛ أهمها على الإطلاق أن السعودية قائدة للعالم الإسلامي وخادمة للحرمين الشريفين، وبالتالي فإن المأساة التي وقع ضحيتها الشعب السوري واللامبالاة وسوء المعاملة التي يواجهها اللاجئون هي غير مقبولة تحت أي ظرف، وهو لا شك مما يقع تحت مسؤولية السعودية بشكل ما. إضافة إلى أن سقوط سوريا معناه تسليمها لإيران وهذا دونه خرط القتاد. بقي أن نتساءل عن الدور الروسي وهل سيحاول مواجهة السعودية على الأرض السورية؟ السعودية تمتلك ثلاثة أسلحة تواجه بها روسيا.

أولا استمرار الإنتاج النفطي بنفس القوة والحجم للحفاظ على انخفاض الأسعار مما يعني المزيد من الضغط على روسيا وإيران. ثانيا الدول الإسلامية التي كانت ضمن الجمهورية السوفييتية وعلاقتها مع روسيا الآن وتأثير العداء الروسي السعودي إن وُجد، مما يعني قلقا روسيا غير بسيط. ثالثا قيادة المملكة للعالم الإسلامي وإمكانية اعتبار روسيا عدوا للمسلمين، مما يعني أن أي نشاط روسي على أي أرض إسلامية هو نشاط معرض للخطر. إضافة إلى توقع روسيا لردة فعل ما من الولايات المتحدة أو توقعها بالرد المباشر عليها وبنفس القوة.

التدخل التركي البري، بدوره، لا يزال مرفوضا شعبيا وحزبيا في تركيا التي قال وزير دفاعها عصمت يلماز بأنه “لا توجد خطة أو قرار في شأن عملية برية في سوريا حتى الآن”. إذن ورغم ما تمت الإشارة إليه أعلاه جاء التدخل السعودي ليعيد الأمور إلى نصابها. وجاء عبر تركيا بالذات لأن المصلحة المشتركة هي ما أقام هذا التحالف وهي ما سيجعله أقوى مما تتوقع روسيا، ولأنها الأقرب مكانيا للشمال السوري. نسأل الله للقوة السعودية النصر والعزة والتمكين وأن يكون معهم.

كاتب سعودي

العرب اللندنية

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *