محمد أمين القطاونة الممر الآمن والمعلم النبيل

1 فبراير، 2016

د. مهند مبيضين

الاستاذ «محمد أمين القطاونه» معلم الرياضيات واشهرهم في الكرك في جيلنا، والد الأبناء المتعلمين في مختلف التخصصات منهم الطبيب الدكتور والمختص في الرياضيات والمهندس والكيميائي، كان الأستاذ الجليل منقذاً لمن يستعصي عليه الرياضيات ويقيم بين علة الرسوب والخوف من الضياع إذ كانت الثانوية فصلاً واحداً تؤدى، فلا حذف ولا تطوير تربويا للمناهج كان غزاها بعد، وفي وسط تلك المعركة كان هناك ممر آمن لطلبة الكرك، من نفق الرياضيات فأهل الكرك لا يحبون الحساب بقدر حبهم للبيان، هكذا كان الاستاذ  بالنسبة لجيلنا أواخر الثمانينيات، حيث اكتشفنا معه أن المسألة الرياضية ليست معقده بقدر ما تتصل بالأسلوب الذي كان يتقنه والأبوية الحانية التي كان يمارسها والكلمة الحسنة في التعليم، والقدرة على فرض الهيبة المصحوبة بابتسامة لم تفارقه لحظة حتى اليوم. لم يدخل «أبو أيمن» في اعتقادي دورة في مركز ليكون معلماً ناجحاً، ولم يرشح لجائزة، لكنه أحب مهنته وأتقن معنى الرسالة من تعليم أولاد الناس، بالخلق تارة والمسلك القويم والنظرة المتفائلة للحياة تارة أخرى، كان وما زال مباركا في أسلوبه، ونطقه ولا يخرج منه إلى محاسن اللفظ والكلم، بشوشاً عارفاً أن ما يحبه الناس في المعلم، هو أن يخشى على أولادهم أكثر منهم. وأن يشاطرهم محبة التلاميذ وأن يتفوق احياناً على الأهل في ذلك بفعل وعيه الكبير لقيمة العلم.

هو من جيل ادباء ورجال كبار، عاشوا في الكرك ودرسوا معه في مدارس عتيقة، كان الثلج يرتفع في الطريق إلى المدرسة أكثر من نصف متر، والباص الذي يصل القرية واحد لا غيره، وينقل المعملين وإن عثر بالطلبة الذي يأتون مشياً إلى المدرسة الإعدادية التجميعية في المزار فإن الحظ قد ينقذهم بالوصول دون الغرق في البلل. هو اليوم في أواخر عقد الستينيات ويدنو من السبعين، لم يحدث أن زجر أحد أو أغلظ القول، لكنه كان المعلم المهاب والجليل القدر بين الطلبة والناس، والذي ساهم بإنقاذ أجيال من شباب الكرك كي لا يسقطوا في نفق الرياضيات.

درس في مدرسة المزار الإعدادية أوائل الستينيات وتخرج من ثانوية الكرك العام 1965-1965 ومنها تابع تعليمه حتى عاد معلماً فقدم الكثير للكرك وأبنائها، ممن هم اليوم قادة رأي وعلماء وأساتذة. مثل الأستاذ محمد أمين القطاونة كثيرٌ من المعلمين القدامى، هم أعيان في نظر المجتمع، مقدرون محترمون، كان بوسعهم في ظل ندرة العلم، ان يتجهوا للتجارة والأعمال الحرة، لكن التعليم والمعلم كان من أجل المهن وارفعها منزلة بين الخلق في زمن كان الناس فيه غير الناس اليوم، والنظرة للمعلم ليست كما الراهن المليء بالفقاعات التعليمية وانتشار الجامعات.

كان «المعهد» أو «الكلية» أو «البوليتكنيك» أو الشامل له هيبة، وكانت مدرسة الأمير الحسن التي درّسنا بها الأستاذ محمد أمين ويومها المدير الأستاذ محمد الرواشدة أبو باعث أشبه بثكنة عسكرية، وقبلها كانت مدرسة الكرك الثانوية حيث ذاكرة داوود المجالي وسليمان النابلسي وذوقان الهنداوي وسالم صقر المعاني قلعة من قلاع المعرفة والحرية، وفي التاريخ العلمي والوطني رجم أطفال مدرسة الكرك سيارة المعتمد البريطاني وخرجوا متظاهرين ضد تـأجير أراضٍ من غور كبد في العشرينيات من القرن الماضي.

في السلط ودرة مدارسها حدث الكثير من العمل الوطني، حُقق مع الطلبة ووجهت إليهم إنذارات، كان سببها أيضاً المقاومة، والعمل السياسي، كان الأساتذة في الكرك والسلط من طبقة علي سيدو الكردي وصياح الروسان وسليمان النابلسي وسعيد الدرة وسعيد العاص وغيرهم أشبه ببيارق ترفف في مجتمع كان يجل العلم والتعليم، وما زال في الأستاذ محمد أمين من رائحة أولئك المعملين الكبار.

اليوم أستاذنا قانع بما أدى ورسالته التي نشرها عبر أجيال ممن علمهم، حبوراً راضياً لا يزاحم على شيء من الدنيا، وله عند كل من درسه دين عظيم لا حدّ له.

– الدستور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *