محمد الطالبي مؤرخ إسلامي شغل الناس ورفض فكر الإخوان

28 مايو، 2017

من يقف أمام كاتب في حجم المفكر التونسي محمد الطالبي لدراسته ودراسة أفكاره والبحث في مؤلفاته وتتبع إرثه الفكري والحضاري الذي تركه، يجب أن يتدبّر أمره بعناية. قد يحبس أنفاسه للحظات وربما لساعات. لأنه سيصاب بالذهول ويحتار في المسلك الذي سينتهجه. من أين يبدأ وإلى أين سينتهي به المطاف؟

الطالبي ليس بالشخصية العادية والتعمّق فيها يتطلب تشغيل كافة الحواس وكل محركات البحث المتاح منها وحتى ما يصعب الدخول إليه وجب فكّ شيفرته لتتبع أثرها مخافة الانزلاق في سرد ما قيل في شأن الرجل وما كتب عنه. المفكر التونسي الذي انسلّ من بيننا يوم 1 يوليو 2017 تجربة رائدة في مجال الفكر والأدب. زاده القرآن وديدنه البحث والتمحيص والاجتهاد في تفسير النص القرآني بعيدا عن التأويلات الموغلة في التحريف من علماء الإسلام المعروفين.

صادقي المنشأ والتكوين

يعرف الطالبي بانتمائه إلى جيل العشرينات من القرن الماضي. ولد في العام 1921 بمدينة تونس العاصمة. تلقى تكوينا صحيحا ونهل من الفكر والمعرفة الكثير. كان انتسابه الأول للمدرسة الصادقية الشهيرة التي تعتبر من أعرق المؤسسات التعليمية في تلك الفترة.

عاصر جيل المثقفين ورواد الحركة الإصلاحية في تونس. وكان شاهدا حيّا على أوج النهضة الثقافية للنخبة التونسية من أمثال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، العالم الفقيه وأحد كبار أساتذة جامع الزيتونة بتونس.

الدين والحرية

انتقل الطالبي بعدها لمواصلة تعليمه بفرنسا ليحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون. تخصّصه في التاريخ الإسلامي دليل تشبّثه بوطنه تونس عقيدة وبانتمائه إليها منهجا في الدراسة. اختار الطالبي أن تكون أطروحته عن تاريخ الدولة الأغلبية السياسي، وهي أطروحة فاقت حق قدرها من الثناء والتعظيم من كبار الدارسين لها وتعد مرجعا في التاريخ الإسلامي الوسيط لما بذله فيها من جهد وبحث وتنقيب عن مختلف المصادر والمراجع بمختلف اللغات من أجل كتابة تاريخ الإمارة الأغلبية التي حكمت من سنة 184هـ إلى 296هـ واتخذت من القيروان عاصمة لها. ثم التحق بالجامعة التونسية كمدرس وأصبح أول عميد لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس منذ أواسط الخمسينيات.

ترجّل الشيخ الطاعن في السن عن عمر ناهز 95 عاما تاركا العديد من المؤلفات والكتب عن الإسلام والقرآن أغلبها باللغة الفرنسية وترجم بعضها للغة العربية من بينها “عيال الله”، “أمة الوسط”، “مرافعة من أجل إسلام معاصر”، “الإسلام: حرية وحوار”، “كونية القرآن”، “ليطمئن قلبي”، “ديني الحريّة”.

تولى الطالبي رئاسة بيت الحكمة بقرطاج “المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون” عام 2011 وأسس الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين عام 2012. ونال أرفع الأوسمة الثقافية والفخرية من العديد من الدول بينها تونس وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا والسويد.

يقول عنه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بعد وفاته إنه “المفكّر الحر والمجتهد المجدد والمصلح الجريء والمناضل الوطني الصلب من أجل الحرية والإنسانية الذي تتلمذت على يديه أجيال تلو أجيال والذي لم تثنه في الدفاع عن دينه وعلمه وشعبه وأفكاره لؤمة لائم ولا شوكة حاكم”.

الطالبي يشتهر بدعوته لقراءة القرآن وتأويله من خلال التعامل المباشر مع النص دون الأخذ في الاعتبار ما راكمه العلماء من اجتهادات طيلة القرون الماضية، فيما يعتبر الشريعة برمتها مجرد “عمل إنساني” لا يخرج عن نطاق الرؤى المختلفة للمسألة بوجهات مختلفة ومتباينة وقد تصل أحيانا حد التناقض

مشروع أمة القرآن

متدبّر البحث وسالك جميع دروب الطالبي البعيدة منها والقريبة تستوقفه لحظات تأمل كبرى، ربما تكون محطة استعادة الأنفاس لمواصلة الرحلة. محطة انشغل بها الطالبي كثيرا في أبحاثه ودراساته وكرّس جل اهتماماته للدفاع عنها.

شغل الطالبي الناس فانشغلوا به وبأفكاره لما يطرحه من أفكار ورؤى. فقد اشتهر المفكر التونسي بدعوته لقراءة القرآن وتأويله من خلال التعامل المباشر مع النص دون الأخذ في الاعتبار ما راكمه العلماء من اجتهادات طيلة القرون الماضية، فيما يعتبر الشريعة برمّتها مجرد “عمل إنساني” لا يخرج عن نطاق الرؤى المختلفة للمسألة بوجهات مختلفة ومتباينة وقد تصل أحيانا حد التناقض. مسلكية الطالبي في البحث والتصوّر تسير في هذا الاتجاه. وهو تصور لمشروع حضاري مستقبلي أمل الطالبي في تحقيقه لأنه مدرك أنه سيبقيه حيّا بروحه وبذهنه حتى بعد أن يوارى الثرى.

تقوم إحدى الركائز الأساسية لهذا المشروع على التمييز بين إسلام القرآن وإسلام الشريعة. وبقدر ما أثنى الطالبي على الأول “إسلام القرآن” واعتبره الحقّ الذي لا يمكن لأيّ كان أن يشكك فيه باعتباره الطريق إلى الله ومحققا لطمأنينة القلب، فإنه يشكك في جدوى الثاني “إسلام الشريعة” ويعتبره الأصل في كل الشرور التي تلحق اليوم بالإسلام والمسلمين.

وبغض النظر عن الخلفية العقائدية التي تتحكم في هذا التمييز، فإنه تحكمه العديد من الأسس والروابط ويظل هامّا ومثمرا علميا من وجهة نظر المفكر التونسي. هذا الكلام يجد تفسيره في كون الإسلام يضعنا أمام حتمية أن يكون هذا التمييز حاضرا في الأذهان دائما بين دائرة الإلهي المقدس التي تقتصر على القرآن نصّا في ذاته وبين دائرة التأويل البشري باعتبارها محصّلة لصنع الفكر الديني والمعارف والعلوم الدينية والفعل التاريخي الذي أنجز باسم الإسلام وتحت غطاء مشروعيته التي تراكمت عبر الزمان والمكان حول القرآن نصّا إلهيا حتى كادت تخفيه عن أعين المسلمين وعن أذهانهم.

يصف الطالبي في أحد الحوارات التلفزيونية المسجلة مع قناة “العربية” ضمن برنامج “منارات”، الحالة التي وصل إليها العرب الآن من انتكاسة وتراجع وتكلّس في فهم النص القرآني مقارنة بالعصور السابقة ويعبّر عنها بـ”طغيان الطاغوت على حد وصف السلفيين”، ويضيف مازحا “أنا أرد لهم بضاعتهم. الطاغوت الذي يطغى على العقل ويحطمه ويحطم العقلانية والتفكير الحرّ ويجمد الدماغ تجميدا كاملا”. والطاغوت هنا المقصود به الجهل والتكلّس.

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يقول عن الطالبي إنه “المفكر الحر والمجتهد المجدد والمصلح الجريء والمناضل الوطني الصلب من أجل الحرية والإنسانية”

حدود الفقه

يشهد العارفون والدارسون لإرث الطالبي النقدي بأن قدرة الرجل الفائقة على نقد المنظومة الفقهية والتي منحته جرأة كبيرة على أن يرفض أيّ تصنيف مذهبي ويسمو بنفسه عن أيّ صفة قد تنسب إليه، ما كانت لتحدث لولا ذلك التمييز الذي حدد معالمه مسبقا. موقف الطالبي من مسألة حدود المنظومة الفقهية لم يكن اعتباطيا بل هو موقف مبنيّ على معرفة عميقة بتلك المنظومة وبمذاهبها.

تشهد بذلك دراساته العديدة التي اهتم فيها بأعلام من فقهاء أفريقية والغرب الإسلامي عامة وما كان لهم من دور في تأسيس النظر الفقهي وتطويره طبقا لما كان يناسب عصورهم وبيئاتهم. وفضلا عن كونه لا يقدم موقفا إلا بعد تشخيصه وكشف معالمه الدقيقة الخفية منها والظاهرة مع إلمامه الشامل بموضوعه، كما هو الشأن على سبيل المثال في موقفه من مدوّنات الحديث النبوي وممّا ينتشر فيها من خلط وما تحتويه من لبس، فإنه يضيف عادة ما به يؤسس لبديل عن معرفة سادت لفترة معيّنة لأنها كانت مناسبة لها، ويكون هذا البديل عادة منسجما مع سياقه الخاص بكل أبعاده المادية والمعرفية.

اقتراحه القراءة السهمية للتشريع الإسلامي ليس إلا دليلاً واضحاً على ذلك. إذ تنطلق القراءة السهمية كما نظّر لها وطبّقها على بعض النماذج من القرآن بصفته المصدر الملزم وتتجه نحو الأفق الذي يشترط فيه أن يكون منسجما مع الأفق القرآني. فإذا كانت الحرية أفق القرآن الذي لا شك فيه بما يثبته التحريض المتكرر على عتق الرقاب، فإن إقرار ملكية الإنسان للإنسان حقيقة قرآنية لا محالة إلا أنها ليست حقيقته النهائية أو المطلقة، بل إن الحرية هي حقيقته وهي أفقه وفي أفق الحرية هذه كان من الطبيعي أو البديهي أن تمنع العبودية انسجاما مع حقيقة القرآن. وفي هكذا مستوى يؤكد الطالبي في مقال لصحيفة لوموند الفرنسية عام 2006 أن الشريعة “نتاج بشري ولا علاقة لها بالإسلام” حسب رؤيته، معللا رؤيته بأن “الدين، أيّ دين لا يجب أن يكون قيدا وإكراها”، مضيفا “لن أملّ من تكرار القول إن الإسلام يمنحنا الحرية”.

معارض شرس للنهضة والإخوان

رحلة البحث مع الطالبي قد لا تجد لها حدودا تنتهي عندها. فقط تمنحك محطة للراحة لتتابع سيرك من جديد. وقد تأخذك إلى حيث تريد كما تعرج بك إلى حيث لا تريد أيضا. فقط الخواتيم غير مسموح بها إلا بما تسمح به بوصلة الرجل واتجاهه وزاده المعرفي وحسّه النقدي وغيرها من المقاييس الكامنة في ذات المفكر التونسي والتي تربى عليها مما جعله يتبوأ مكانة المعارض الشرس والمحارب بلا هوادة للأفكار الظلامية والمدافع عن الإسلام الصحيح.

يشهد العارفون والدارسون لإرث الطالبي النقدي بأن قدرة الرجل الفائقة على نقد المنظومة الفقهية والتي منحته جرأة كبيرة على أن يرفض أيّ تصنيف مذهبي ويسمو بنفسه عن أيّ صفة قد تنسب إليه

رغم حرص الطالبي أثناء فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة على الابتعاد عن السياسة، فإنه يعتبر من أشد المعارضين لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي حيث انضم في 1995 إلى “المجلس الوطني للحريات” المنظمة غير الحكومية الحقوقية.

في هذا الإطار يستشهد أحد الطلبة الكبار للطالبي بمحاضرة كان ألقاها ببهو دار الثقافة بالقيروان زمن حكم بن علي، فيقول “كان الحضور يومها قليلا ومحتشما. والسبب في ذلك هو خوف الكثير ممن أصبحوا اليوم ثوارا لا يشق لهم غبار من أن يتم تسجيل حضورهم من قبل أمن بن علي في محاضرة لمفكر معارض معارضة علانية لنظام خنق كلّ الحريات حتّى اختنق. يومها قال الطالبي “أنا شيخ في الخامسة والسبعين ولا أخشى نظام بن علي ولا بوليسه. فليفعل بي ما يستطيع فعله. الموت لا يخيفني”.

كان مجرد التفكير بمثل هذا الكلام مغامرة لا يجرؤ الكثير من المثقفين والسياسيين المعارضين لبن علي على الإقدام عليها.

لم يغادر الرجل بلاده كما فعل بعض الذين عادوا بعد رحيله ليتصدروا المشهد السياسي في تونس بل ليصبح بعضهم من أعداء هذا الرجل الشجاع الذي لم يغادر إلى العواصم الأوروبية بل ظل صامدا في بلاده التي يعشق ترابها.

بعد ثورة يناير 2011 خرج الطالبي عن صمت المثقفين وواجه بكل ما يملك من قدرة دعاة الإسلام والمتخفين وراء ستار الدين ومن أصبحوا في سدة الحكم، أي حركة النهضة. لم يركن الطالبي إلى بيته ولم يتظاهر بالحكمة وقد عاب عليه بعضهم الحضور في وسائل إعلام تبحث عن نسب مشاهدة مرتفعة. لكنه أبى أن يفعل، ووجّه سهامه إلى حركة النهضة وكل المدافعين عن جماعة الإخوان والسلفيين أينما حلوا وأينما ولوا وجوهم منتقدا أفكارهم، فاضحا تصوراتهم وكاشفا عيوبهم وحججهم الواهية. يقول الطالبي إنه لا يخاف الله لأنّ “الله لا يخيف كما يريد تصويره بعض الذين يتاجرون بالدين من أجل دنيا ينالونها”.

الطالبي من الشخصيات القلائل في تونس والوطن العربي التي تشدك إليها بعمق. تترك لأجل ألا تبارحها. تعود من جديد للبحث في أثرها فتجد أن الجسد قد سجّي لكن الفكر باق ويتجدد على الدوام.

العرب اللندنية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *