محمد بن عيسى: الثقافة حاضرة بقوة في الأجندة التنموية للمغرب

19 أغسطس، 2016

التقت “العرب” بمحمد بن عيسى وزير الخارجية المغربي السابق وأمين عام منتدى أصيلة الثقافي على هامش الدورة الـ38 للمنتدى الذي أقيمت فعالياته بين 15 و28 يوليو الماضي، وشهد نجاحا لافتا ترجمته مشاركة عدد مهم من الأسماء الوازنة في عالم الثقافة والفكر والإعلام والسياسة، وهو نجاح دفع السياسي والدبلوماسي المغربي إلى القول إن الموسم حقق غرضه الأول في توظيف الثقافة والفن لأجل التنمية.

وتحدّث بن عيسى عن الدوافع التي جعلته يطلق مشروعه الثقافي، قائلا إن الدافع الأول كان التفكير في خلق أرضية للالتقاء ومد جسور الحوار بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. وتكون أرضية نلتقي فيها مع أنفسنا ومع الآخر الذي يكتب عنا لكنه لا يعرفنا. أما الدافع الثاني فكان توظيف الثقافة خارج الاعتبارات الأيديولوجية والحزبية.

ويتمثل الدافع الثالث في إطلاق مشروع منتدى أصيلة في السعي لأن يكون للمملكة المغربية، إضافة إلى موقعها الجيواستراتيجي، موقع جيو-حضاري وتوظيفه بما يخدم الإنسان المغربي والعربي والأفريقي على حد سواء، فالبلاد لا يمكن أن تبرز بالمادة وحدها بل هناك الجانب الإبداعي والإنساني والثقافي.

ولم يخف محمد بن عيسى أن بداية هذا المشروع في العام 1978 كانت صعبة، وقد كان مشروع حياة أو موت بالنسبه إليه، إلى درجة أنه رهن بيته من أجل توفير المستلزمات المادية للموسم الثقافي السنوي. وعما استطاع المنتدى مراكمته خلال سنوات قال “لقد نجحنا في أن نستثمر في الإنسان الواعي والفنان والمثقف كثروة بشرية يجب الإفادة منها، وراكمنا البنية التحتية وعددا كثيرا من المنشورات المتعلقة بالندوات ولدينا أكثر من ألف عمل تشكيلي سيتم عرضها في المتحف الذي يجري بناؤه.

وتحدث الأمين العام لمنتدى أصيلة الثقافي عن الدعم الذي تلقاه من جهات داخل وخارج المغرب بعدما اقتنعت بالفكرة، مشيرا إلى أن هناك دعما قويا ومهما من جميع دول مجلس التعاون الخليجي، ومن دون أي خلفية سياسية، حيث مول القادة الخليجيون مشاريع داخل المدينة وأخرى تابعة لمؤسسة منتدى أصيلة الثقافي في إطار أخوي.

مقاربة المواضيع الحساسة

أشار في هذا الإطار إلى أن عاهل البحرين، الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، خصص منحة سنوية للمنتدى من ماله الخاص. وسنة 1985 تبرع السلطان قابوس، سلطان عمان، بمليون دولار لإنجاز مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، كما ساهم الأمير بندر بن سلطان، رئيس الاستخبارات السعودية السابق في بناء مكتبة سميت باسمه، وهي عبارة عن قصر مؤتمرات مصغر.

محمد بن عيسى: ليتخيلوا في الجزائر ماذا لو كان المغرب يستضيف مسلحين جزائريين. ماذا يريدون من المغرب أن يفعل

وساهمت دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء حوالي 400 شقة ضمن برنامج السكن الاجتماعي، وإنشاء محطة على الطرق، سيتم تدشينها بعد شهر أو شهرين، بتكلفة 3 ملايين دولار، فيما ساهمت فيها وكالة تنمية الشمال بمليون دولار. وبفضل صندوق أبوظبي للتنمية يتم بناء متحف ومدرسة للفنون الجميلة وسكن للفنانين وتم تمويل بناء مدرسة ابتدائية.

بخصوص الآليات التي تعتمدها مؤسسة منتدى أصيلة في اختيار مواضيع الندوات، قال بن عيسى إن مجموعة تضم نخبة من الأساتذة من مختلف الجامعات المغربية وكذلك الأشخاص الذين كبروا وتربوا داخل ورشات المنتدى الثقافي، تجتمع لمناقشة القضايا المطروحة على الساحة السياسية والاقتصادية والثقافية ومن ثم يتم اختيار مواضيع الندوات. ونفى بن عيسى أن يكون هناك تكرار للمواضيع لأن المعالجة تكون من زوايا مختلفة، مضيفا أن المنتدى كان سباقا لطرح قضايا مهمة، فهو من أول المنابر الدولية التي طرحت قضية عولمة المناخ والطاقة المتجددة في العام 1992. وقال عند الحديث عن النخب العربية ومشاركتها “مع تداعيات ما يسمى بالربيع العربي لاحظنا أن النخب بكل تصنيفاتها أخذت مسافة مما حدث، ولا أدري لماذا”. وأشار إلى أهمية وجود النخبة المثقفة في مقدمة الأحداث ووعيها بدورها في ظل الظروف الراهنة.

وبخصوص التجربة المغربية في التعامل مع مجموعة من التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، إقليميا ودوليا، أشار وزير الخارجية الأسبق إلى أن المغرب بما تحقق فيه حتى الآن يعتبر مثلا يحتذى به. كما أشار إلى “الرؤى الشجاعة الجريئة للعاهل المغربي، الملك محمد السادس، منذ خطاب 9 مارس 2011 وكيف عالج موضوع تداعيات الربيع العربي وكيف تعامل معه، يمكن أن تكون وصفة لإيجاد التوازن الداخلي في كيفية التعامل مع التحديات”.

وأضاف بن عيسى أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي لا يخفي توجهاته، لكنه لا يفرضها على الآخرين، كما حاولت قياداته ألا تقحم مرجعية الحزب في الحكومة، ويمكن لهذه الوصفة بعد تطويرها أن تكون جوابا على سؤال إمكانية استنساخ التجربة المغربية رغم خصوصية كل بلد وتجربته. بقي شيء واحد، يقول بن عيسى، وهو القيادة، فمهما كانت لديك من النخب والقدرات الاقتصادية والمالية لا بد أن تكون هناك قيادة سياسية حكيمة وقوية.

المغرب وأفريقيا

بحكم تجربته الدبلوماسية والسياسية ومساهمته في صنع القرار على مدى سنوات، يرى وزير الخارجية السابق، في توجه المغرب نحو استرجاع مقعده داخل الاتحاد الأفريقي، أن المغرب لم تنقطع علاقاته بأفريقيا بعد خروجه من منظمة الوحدة الأفريقية في العام 1984، بل ظلت قوية على الدوام، ولم تتأثر بعدم تواجده داخل المؤسسة.

وقال “إن الملك محمد السادس لم يتوقف، منذ توليه العرش في العام 1999، عن توطيد الجسور القائمة بيننا وبين دول أفريقيا وعلى الخصوص دول غرب أفريقيا والساحل. وقام في هذا الإطار بجولات لهذه الدول ضمن دبلوماسية تجسّدت نتائجها بالأساس في أن ثلثي الدول الأفريقية لا تعترف بجبهة البوليساريو، وتدعم حق المغرب في وحدته الترابية”.

وأضاف أن العودة إلى الاتحاد ضرورية وعبرت عنه الرسالة الملكية لرئيس الاتحاد، أما المناوئون لهذا القرار المغربي فلن يقفوا عند حدهم، ورغم ذلك لا بد من الذهاب بعيدا في هذا الاتجاه، وما يؤسف له موقف دولة الجزائر الجارة التي يجمعها مع المغرب الماضي والحاضر والمستقبل المشترك، ومن الضروري مراجعة سياساتها وتوجهاتها بما يخدم مصلحة الشعبين ومستقبلهما.

وقال بن عيسى “كنت أتحدث مع وزراء خارجية الجزائر متسائلا ماذا سيكون ردكم إذا كان المغرب يستضيف 100 جزائري مسلح؟ وماذا تتوقعون من المغرب وأنتم تستضيفون فوق أرضكم الآلاف من المسلحين الذين يستهدفون مصالحه ووحدته الترابية وتوظفون الدبلوماسية الجزائرية في كل مكان ضد المغرب؟”.

العرب اللندنية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *