مغالطات حول نظرية التطور عبر الإنتقاء الطبيعي

14 أكتوبر، 2015

ملاحظة: تم تدقيق المقال بلغته الأصلية (الإنجليزية) علميًا والموافقة عليه من جامعة أوبسالا في السويد، وهي أقدم جامعة في شمال أوروبا، حيث تصنف ضمن أول (100) جامعة حسب كل التصنيفات العالمية.

مقدمة

لا خلاف على أن العقل البشري هو الأداة الأكثر تعقيدًا وإثارةً للفضول في الكون، ليس فقط لقدرته المبهرة على التحليل والإبتكار، بل أيضًا لفضوله اللامتناهي وشوقه العجيب للمعرفة، فخلال رحلته في البحث عن الحقيقة، جرب الإنسان طرقًا عديدةً للإجابة عن الأسئلة المطلقة؛ أسئلةٌ حول الكون الذي نعيش فيه، وأسئلة حول أصل الإنسان وأصل الحياة على الأرض وغيرها. باءت العديد من الطرق التي جربها الإنسان بالفشل في حين نجح بعضها الآخر، إلا أن العلم الحديث قد أثبت كونه أكثر تلك الطرق نجاحًا ومدعاةً للثقة. فموثوقية العلم هي أمر متفق عليه (بل حتى مُسَلمٌ به) من الجميع، إذ تُؤخذ النظريات العلمية المثبتة (كنظرية الجاذبية ونظرية مركزية الشمس) على أنها حقائق من قبل الجميع، لا جدل أو نقاش فيها، إلا عندما يتعلق الأمر بالنظريات المُفَسِرة لتنوع الكائنات الحية على الأرض!

تعد اليوم نظرية التطور عبر الإنتقاء الطبيعي حجر الأساس لجميع علوم الحياة الحديثة؛ كما يقول عالم الأحياء الروسي الشهير «ثيودوسيوس دونبجانسكي»: «لا شيء في علم الأحياء يفسَّر منطقيًا إلا عندما تفسره في ضوء التطور». أشعلت نظرية التطور فتيل ثورة في علم الأحياء تعادل تلك الثورة التي أشعلتها نظريات نيوتن في الفيزياء. وبالرغم من ذلك؛ لم تحارب في تاريخ العلم الحديث أيُّ نظريةٍ بالطريقة التي تحارب بها نظرية التطور، ولم تتعرض أيُّ نظرية إلى نفس الكمّ من التشويه والتحريف. إذ ليس من النادر أن نسمع عبارة «ما هي إلا مجرد نظرية» تتردد على ألسنة الكثيرين! بل إن الكثيرين يدّعون أن النظرية «قد تم دحضها» أو «رَفَضَها العلماء». هذه الإدعاءات بتكذيب النظرية شائعة جدًا وقد أدت إلى تعامل غير علمي مع النظرية في المدارس والجامعات، بل وصل الأمر أحيانًا إلى فرض حظر على تعليمها. بإمكاننا القول أن حظر تدريس نظرية التطور هو ضربة قاضية للبحث العلمي في مجال الأحياء في أي بلد. لذلك؛ ارتأيت أن أكتب هذا المقال في محاولةٍ لتوضيح بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة حول النظرية، إضافةً إلى إظهار رأي العلماء الفعلي حول التطور. ولا بُد من الإشارة هنا إلى أن المقال لا يتطرق إلى الدلائل على التطور، فالهدف من المقال ليس إثبات صحة التطور، بل الهدف من كتابته هو كشف اللبس عن بعض المفاهيم الخاطئة عند العامة حول النظرية. حيث سيتم التطرق إلى الأدلة الداعمة للتطور في مقالات لاحقة.

مجرد نظرية!: سوء فهم للمنهج العلمي

يدّعي منكرو التطور عادةً أنها ليست حقيقة، بل مجرد نظرية، كما لو كانت مجرد رأي! ويعتقد الكثيرون بأن «النظرية» هي مجرد حدس أوّلي يتحول إلى «حقيقة» عندما يتم إثباتها على أرض الواقع. المشكلة في هذا الطرح ليس في منطقه، فلو كان التطور مجرد رأي علمي غير مدعم بالأدلة فلا ضير في إهماله ولا حاجة لنا لفهمه. ولكن المشكلة الأساسية في هذا النقاش هي أنه مبني على سوء فهم أساسي لما تعنيه كلمة «نظرية» في مجال العلوم الطبيعية. الكثير من الناس يعتقدون أن كلمة «نظرية» كمصطلح تقني يستعمل في الدوائر العلمية له نفس معنى «نظرية» كما في سياق اللغة العاميّة، كما يُطلق على نظرية المؤامرة أو نظرية الصحون الطائرة، أو غيرها من الإدعائات التي تحمل مسمى «النظرية». والمشكلة هنا هي مشكلة لغوية ناتجة عن تبني العلماء لكلمة نظرية كمصطلح تقني، وعندما أقول: «مصطلح تقني»؛ فأنا أعني مصطلحًا يحمل معنىً محددًا ودقيقًا في سياق العلوم، يختلف معناه عن المعنى المستخدم بين عامّة الناس.

ولنفهم ما يقصده العلماء بالنظرية؛ علينا أن نفهم المنهجية والمعرفة العلمية، فالهدف الأساسي من العلوم الطبيعية هو تفسير الظواهر الطبيعية، فالخطوة الأولى هي المشاهدة، أي أن العلماء يلاحظون ظاهرة معينة فيحاولون تفسيرها، ويبدأ هذا التفسير بوضع «فرضية»، ويجب على هذه الفرضية بطبيعة الحال أن تكون متماسكةً منطقيًا. ثم يبدأ العلماء في محاولة التأكد من صحة هذه الفرضية عن طريق جمع الأدلة وتصميم التجارب. ويتم اختبار الفرضية من قبل مراكز أبحاث وجامعات وشركات في مختلف دول العالم وبطرقٍ مختلفة، وفي النهاية ومع تراكم الأدلة القاطعة على صحة الفرضية، يبدأ الاعتراف بها على أنها «نظرية علمية» مثبتة. تمر أية نظرية، كالنظرية النسبية لأينشتاين مثلًا؛ بكل هذه المراحل قبل أن يتم الاعتراف بها من قبل المجتمع العلمي. ففي سياق العلم، النظريات العلمية هي الهيكل المعرفي الأكثر عمقًا وشموليةً، وهي المرحلة النهائية للمعرفة العلمية، وليست مجرد رأي أو حدس.

وللتأكيد على هذا الكلام، فلنرجع إلى شرح معنى النظرية العلمية حسب أكبر وأعرق جمعية علمية في العالم، وهي “الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم-The National Academy of Sciences ” حيث تعرف النظرية العلمية على أنها: “{…} المراحل النهائية في العلم، وهي التفهمات التي نمت من المراقبة الشاملة، والتجريب، والتفكير الإبداعي، كما تتضمن مجموعة كبيرة من الحقائق العلمية، والقوانين، والفرضيات المختبرة، والاستدلالات المنطقية”.

وللتأكيد على موثوقية النظريات العلمية، ما علينا إلا أن ننظر إلى النظريات العلمية الأخرى، حيث أننا جميعا ننظر لهذه النظريات على أنها حقائق مفروغ منها، لدرجة أن إنكار إحدى هذه النظريات يعتبرمن علامات الجنون. على سبيل المثال، لا نسمع شخصًا يستخف بحقيقة أن الأرض تدور حول الشمس من خلال الزعم بأنها «مجرد نظرية»، عندما تدورالأرض حول الشمس هي في الواقع نظرية معروفة باسم نظرية مركزية الشمس، والتي وضعها كوبرنيكوس، ثم صُقِلت من قبل علماء الفلك على مدى سنوات، ولذلك؛ أسأل منكري التطور من منطلق كونها «مجرد نظرية»؛ لماذا تعتبرون رفض مركزية الشمس على أساس أنها «مجرد نظرية» من علامات الجنون، في حين أن إنكار التطور على نفس الأسس مقبولٌ تمامًا؟ كيف تبررون نظرتكم الإنتقائية لنظريات العلم؛ تؤمنون بما يعجبكم من نظريات وترفضون نظريات لا تروق لكم؟ طبعًا الجواب للكثيرين هو عدم إداكهم لمنهجية العلم ومعنى مصطلح «نظرية» في الدوائر العلمية.

وأعتقد هنا أنه من الضروري توضيح أنني لا أدعي أن أي نظرية علمية تعد حقيقةً مطلقةً، لأن الكثير من النظريات تم إثبات قصورها أو حتى بطلانها عبر التاريخ. لكن بعض النظريات، مثل مركزية الشمس ونسبية آينشتاين وفي هذه الحالة نظرية التطور، هي نظريات مدعمة بكمية هائلة من الأدلة، وهذا الكم من الإثباتات يبرر اعتبارها على أنها حقيقة. فقد بنيت علوم كاملة على أساس نظرية التطورمثل: علم الأحياء التطوري، وعلم النفس التطوري، وحتى الاقتصاد التطوري.

هل التطور يعني الإلحاد؟

السبب الأساسي لرفض معظم الناس للنظرية هو خوفهم من تعارضها مع الدين، أو لاعتقادهم أن النظرية تدعو للإلحاد! في الحقيقة، إن خوفي من ارتباط النظرية بالإلحاد هو السبب الأساسي لرفضي للتطور في بداية اطلاعي عليها. الدين هو أحد أهم مصادر السعادة والراحة في حياة الكثيرين، بل إنه المحور الأساسي لحياة البعض. وبالنسبة للكثير من الناس؛ فإن كل ما يتعارض مع الدين مرفوض، بغض النظر عن ما يقوله العلماء.

لكن ما كنت أجهله (وما يجهله الكثير من الناس) هو أن الملايين من الأشخاص المؤمنين، من مسلمين ومسيحيين وغيرهم؛ لا يجدون تعارضًا بين التطور والمعتقد الديني، حيث يعتقدون أن الله خلق الحياة وشكلها عن طريق التطور، بما يسمى «بالتطوّر الإلهي». ويؤيد هذا الرأي عدد كبير من رجال وعلماء الدين من جميع الديانات الإبراهيمية (الإسلام والمسيحية واليهودية). فمن أهم رجال الدين المسلمين المؤيدين للنظرية «الدكتور عدنان إبراهيم»، حيث قام بتسجيل سلسلة كاملة يشرح فيها نظرية التطور وآلياتها، وتعتبر سلسلته هذه من أهم المراجع المُصورة للنظرية باللغة العربية. وقد بين عدد من المفكرين المسلمين غير الدكتور عدنان دعمهم للنظرية مثل «الدكتور عمرو شريف» في كتابه «كيف بدأ الخلق» و«الدكتور حسن حامد عطيّة» في كتابه «قضيّة الخلق» و«الدكتور عماد محمد بابكر حسين» في كتابه «آذان الأنعام».

أمّا من الجانب المسيحي فقد أعربت معظم الطوائف ألّا تعارض بين التطور والمعتقد المسيحي، وأهم هذه الطوائف هي الطائفة الكاثوليكية الجامعة، وهي أكبر الطوائف المسيحية وأقدمها. فقد صرح «البابا فرانسيس»: «لا تعارض بين التطور في الطبيعة وفكرة الخلق». وقد شاركت العديد من الطوائف مثل الكنيسة الإنجليكانية وعدد من الطوائف الأرثوذكسية والبروتستانتية الفاتيكان بقبول نظرية التطور أو أي نظرية علمية أخرى.

نظرية التطور في البداية والنهاية هي نظرية علمية، لا تبحث بالماورائيات أو بالأسئلة الدينية. وهذا هو حال أي نظرية علمية أخرى، حيث يحاول العلم تفسير الواقع عن طريق الأدلة والمنطق، فيعطينا الحقائق، أمّا عن التأويل الفلسفي للحقائق العلمية فهو مسألة شخصية تعتمد على إيمان الشخص وتوجهاته الفلسفية. فقد تجد مؤمنًا يستعين بالتطور للتدلال على وجود الله، وقد تجد ملحدًا يلجأ للنظرية للتشكيك بوجود الله. وهذا ضمن إطار الفلسفة واللاهوت وليس ضمن إطار العلم.

ألا يرفض معظم العلماء نظرية التطور؟: معلومات خاطئة عند العامة

قبل المضيّ قُدمًا لتوضيح الرأي الحقيقي للعلماء حول التطور؛ فإني أعتقد أنه من الضروري شرح الغرض من هذا الجزء من المقال؛ إنّ هذا الجزء يقصد مناقشة التطور من وجهة نظر موثوقة. بمعنى آخر؛ ليس الهدف أن نقنع الناس بصحة النظرية من باب أن معظم العلماء يؤمنون بصحتها. فصحة النظرية أو عدم صحتها يثبتان بالأدلة الملموسة وليس بكلام العلماء. لكن بما أن الكثير من الناس يعتقدون أن النظرية مرفوضة من العلماء، فقد تم إدراج هذا القسم لإظهار النظرة الحقيقية للمجتمع العلمي للتطور.

ولتكوين صورة واضحة عن وجهة نظر المجتمع العلمي حول التطور؛ لا بُد لنا أن نتخذ المنظمات العلمية المرموقة كمرجعية في هذا الشأن، ولعل أفضل مكان للبدء به هو “الأكاديمية العلمية الوطنية-NAS” وهي كما ذكرت سابقًا، الجمعية العلمية الأكبر في العالم، حيث أُسست بهدف توفير المشورة الموضوعية لحكومة الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بقضايا العلوم. فقد نشرت الأكاديمية العلمية الوطنية العديد من التصريحات والكتب الرسمية معلنةً فيها دفاعها عن التطور باعتباره حقيقة علمية. وبالإضافة إلى الأكاديمية العلمية الوطنية؛ فقد أعلنت جميع الجمعيات العلمية المرموقة عن اقتناعها الصريح بنظرية التطور، بما في ذلك “الجمعية الأمريكية للعلوم المتقدمةAmerican Association for the Advancement of Science “، و”الجمعية الملكية البريطانية-The Royal Society”، و”المجلس الأوروبي-The Council of Europe “. وعند النظر إلى المجتمع العلمي بشكل عام نرى قبولًا هائلًا لا مثيل له لأي موضوع علمي آخر، فعلى سبيل المثال؛ يبين استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث والإحصائيات أن (97%) من العلماء في الولايات المتحدة يعتقدون أن البشر والكائنات الحية الأخرى قد تطورت عبر الزمن، مما يثبت بأن أي ادّعاء بأن النظرية مرفوضة من قبل معظم العلماء لا أساس له من الصحة.

كيف بدأت الحياة؟: قراءة الكتاب من عنوانه

كثيرًا ما نسمع مُنتَقِدين للنظرية من باب عدم قدرة التطورعلى تفسير أصل الحياة، والحجة هنا أن النظرية «غير مكتملة»! داروين نشر كتابه «أصل الأنواع» ولكنه عجز عن شرح كيفية نشأة الحياة، تاركًا وراءه نظرية غير مكتملة يُرثى لها!

ما لا يعرفه (أو ربما يتظاهر بعدم معرفته) منكرو التطور هنا هو حقيقة أن نظرية التطور «غير معنية بأصل الحياة»؛ فالتطور يفسر كيف وصلت الحياة التي بدأت من أصل مشترك (سمِّه خلية أولى أو سمِّه ما شئت) إلى هذا المستوى من التنوع. لم يزعم دارون أبدًا أنه كان يحاول تفسير أصل الحياة. في الواقع، كان مدركًا تمامًا لصعوبة تفسير أصل الحياة. حيث أنه كتب في رسالة إلى صديقه عالم النبات الكبير والمستكشف «جوزيف هوكر»: “{…} أنه من الهراء في الوقت الحاضر أن تفكر في أصل الحياة، ربما من الأجدر أن نفكر في أصل المادّة”.

أعتقد أن مصدر هذه المغالطة هو أن الكثيرين يحكمون على كتاب داروين «أصل الأنواع» من عنوانه فقط دون قراءة الكتاب أو حتى الاطلاع عليه. يفترض منكرو النظرية أن كلمة «أصل» تعني بعض المحاولات من قبل داروين لشرح كيف بدأت الحياة، وأنه قد فشل فشلًا ذريعًا في هذه المحاولة.
لكنهم إذا قرأوا أي كتاب أو بحث علمي يشرح آليات وأنواع التطور أو تاريخ الحياة على الأرض، فإنهم سيدركون أن نظرية التطور غير معنية بأصل الحياة بأي شكل من الأشكال. ولكن، إذا لم يهدف داروين لتفسير أصل الحياة، فلماذا أعطى كتابه هذا العنوان المضلل؟
إن قراءة كتاب أصل الأنواع يدل على أن العنوان ليس مضللًا البتة. ما شرحه داروين في كتابه هو كيف أن الإنتقاء الطبيعي يساعد على تشكيل الأنواع المختلفة والتي تنشأ من أصل مشترك، عن طريق تراكم الصفات التي تساعد كل نوع على التأقلم مع بيئته. هكذا ينشأ التنوع في الطبيعة ومن هنا تتشكل الأنواع المختلفة، ومن هنا أتَت التسمية «أصل الأنواع»، ولا علاقة لذلك بأصل الحياة ككل، وهو سر من أسرار الطبيعة لم يكشف لنا العلم تفسيره، على الأقل حتى يومنا هذا.

محضُ صدفة! عدم فهم الانتقاء الطبيعي

قد يكون ادعاء أن التطور هو أمر خاضع للصدفة البحتة هو أكثر الادعاءات انتشارًا بين المناهضين لهذه النظرية، وهو ادعاء مبني على أساس مسلمة ترى أن التطور هو أمر عشوائي تمامًا، ما يعني أن درجة التعقيد التي وصلت إليها صور الحياة وأشكالها عبر عملية تطورية هو أمر غير قابل للتصديق. وهكذا فإن البعض منهم قد ذهب بعيدًا في افتراضه، إذ شبه استحالة بزوغ حياة على درجة عالية من التعقيد دون أن يكون وراءها مصمم ما؛ باستحالة أن يقوم إعصار باجتياح مكب الخردة وتجميع طائرة «بوينغ-747»، وذلك طبعًا للتدليل على التدني الشديد لاحتمال حدوث هذا الأمر من وجهة نظرهم. فهل للصدفة والعشوائية أي دور في عملية التطور؟

الإجابة «نعم» ولكن فيما يتعلق بالطفرات فقط، فهذه الطفرات هي المسؤولة عن التنوع ولا خلاف على أنها تحدث بشكل عشوائي إلا أن ذلك لا يعني أبدًا أن التطور ذاته هو عملية عشوائية. فالانتقاء الطبيعي وهو الآلية التي تمثل المحرك والموجه الرئيسي للتطور هو عملية منهجية تمامًا وليست عشوائية على الإطلاق كما سيتم تبيانه لاحقًا في هذا الجزء من المقال. وهكذا نرى أن الأساس الذي يقوم عليه هذا الإدعاء (أن التطور عملية عشوائية) هو باطل من أساسه إذ إن التطور يعتمد على عملية منهجية تمامًا هي الإنتخاب الطبيعي.

ولفهم عدم عشوائية التطور، علينا النظر اولًا في آلية عمل الانتقاء الطبيعي، حيث سيتم توضيح ذلك من خلال ضرب مثال لأنثى الدب البني في الفترة التاريخية التي تمثل بداية العصر الجليدي. فلنتخيل أن أنثى الدب تلك قد وضعت شبلين. من المتوقع أن يكون لكليهما فراء ذو لون بني مشابه لفرو أمهما وذلك لأن لون الفراء يتم تحديده جينيًا. ولكن بسبب حدوث طفرة جينية عشوائية في أحدهما فقد اكتسب فراء ذلك الشبل الصغير لونًا أبيض بعكس المتوقع مخالفًا للون فراء كل من أخيه وأمه. وهكذا فقد اكتسب صغير الدب ذو الفراء الأبيض سِمةً وراثية جديدة منحته ميزة تطورية هامّة جعلته متفوقًا على أخيه بقدرته على التمويه. وهذه القدرة على التمويه جعلت له قابلية أعلى على النموّ والتكاثر بسبب ما منحته تلك السمة من سهولة في الصيد وقدرة على الاختباء من أعين الكائنات التي قد تسبب له الأذى.

وبما أن لون الفراء يتم تحديده جينيًا فهذا يعني أن ذلك الشبل سيقوم بمنح هذه الصفة لأبنائه، بما يعرف بعملية «الوراثة». وهكذا فالفرد ذو القدرة الأكبر على التأقلم سيكون هو فقط من له فرصة النجاة والتكاثر، وذلك لأن البيئة غير قادرة على تحمل عدد لانهائي من الأفراد. وبعبارة أُخرى، فإن الدببة ذوات اللون الأبيض هي من ستحافظ على بقاءها بعد مرور أجيال عدة. إن هؤلاء الأفراد قد تم «انتقاؤهم طبيعيًا» كي يستمروا ويتكاثروا وذلك بفضل ما اكتسبوه من ميزات تطورية. وبنفس الآلية السابقة سيحدث انتقاء طبيعي لصفات داعمة أخرى على مر الأجيال، وذلك لما كان لتلك الخصائص من دور في مساعدة الكائنات التي اكتسبتها على البقاء والتكاثر، وتدريجيًا ستصبح كافة الدببة ذات فراء أبيض

المثال السابق يوضح كيف أدى الانتقاء الطبيعي إلى ظهور تفاوت في الأنواع أدى إلى استمرار بقاءها في بيئاتها. إن الانتقاء الطبيعي هو عملية منهجية قابلة للفهم وبعيدة كل البعد عن العشوائية، وعليه فالتطور كتفسير لتعقيد أشكال الحياة لا يمكن وصفه بالعشوائية.

أَلسنا أكثر الكائنات تطورًا؟: سوء فهم الهدف من وراء التطور

ربما يكون من أكثر المفاهيم الخاطئة الشائعة حول نظرية التطور ضمن المُقتَنعين بصحة النظرية هو فكرة أن التطور عملية تقدمية وتحسينية، بمعنى أن الأنواع تتطور لأنواع أفضل وأكثر تقدمًا. فعلى سبيل المثال؛ إنه ليس من النادرأن نسمع شخصًا يدعي أن البشر «أكثر تطورًا» من باقي الأنواع، وهي فكرة مُغرية إلى حد بعيد لما يمتلكه الإنسان من الذكاء، والإبداع، والقدرات اللغوية التي لا يمكن حتى مقارنتها مع أي نوع من الكائنات الحية. فهذا التفرد الواضح للبشر يجعل فكرة أن التطور يهدف لخلق الذكاء فكرة مقنعة جدًا في الواقع.

كان الذكاء البشري واحدًا من الطرق لمساعدة نوعنا على البقاء على قيد الحياة والتكاثر، ولكن هناك أنواع قد وجدت ربما ميزات أكثر فاعلية لمساعدتهم على النجاة. بعض الحيوانات تستطيع البقاء على قيد الحياة في ظروف قاسية والتي سوف تقتل الإنسان خلال ثوان. فعلى سبيل المثال، «التارتيجريدز» (أو ما يعرف بالدببة المائية) هي حيوانات تستطيع البقاء على قيد الحياة تحت ظروف قاسية مثل الفراغ والإشعاعات التأيّنية. في حال نشوب حرب نووية عالمية، حرب مدمّرة جدًا بحيث تمحو البشرية، فإن هذة الحيوانات بالكاد سوف تتأثر. في هذه الحالة، فإن الذكاء لم يكن مجديًا لبقائنا على قيد الحياة. يهدف التطور فقط إلى النجاة؛ الذكاء هو مجرد وسيلة للتكيف والتي حدثت لخدمة جنسنا البشري.

فالطبيعة لا تهدف إلى خلق الذكاء، أو القدرة على الإبصار أو الحركة، كل تلك القدرات تطورت لتساعد الكائنات الحية على المحافظة على جيناتها ونشرها عن طريق الاستمرار والتكاثر، فمصطلح «أكثر تطورًا» هو مصطلح نسبيّ؛ الأكثر تطورًا هو الأكثر قدرة على الإستمرارية والبقاء، وهذا يقاس نسبةً إلى الظروف الخارجية التي يعيش بها الإنسان.

خاتمة

تعتبر نظرية التطور اليوم واحدة من المبادئ الأساسية للعلم. كان لها قدرة على شرح أعداد كبيرة من الظواهر في العلوم البيولوجية، وفروع أخرى من الأكاديمية. ولكن بغض النظر عن أهميتها الهائلة، تعتبر نظرية التطور النظرية الأكثر عرضة لسوء الفهم والتحريف في جميع العلوم، مما يهدد تعليم النظرية في بلدان عديدة. ولذلك؛ من واجب العلماء والمثقفين علميًا ضمان فهم عامّة الناس لهذه النظرية، والتأكيد على فهمهم مدى ثبات هذه النظرية وقدرتها التفسيرية العالية.

عن موقع درب المعرفة الأردني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *