مقهى الغندول: كان وطنا بمنازل واحلام كثيرة

19 أغسطس، 2019

عقل العويط

أقفل مقهى “الغندول” أبوابه في كورنيش المزرعة بعدما أدّى قسطه للعلى. عشيّة العام 1972، التقينا فيه، أسرابًا متنوّعةً من الفتيان المعلومين المجهولين الأشاوس الحالمين النبلاء العشّاق الشعراء التائهين العزّل والمشّائين، ممهورين بالمواهب والمعايير والفلسفات والأفكار والعواطف والعقول والأشعار. هذا المقهى الذي تأسّس منذ 1952، كان علامةً، وكان حامل معنى، وكان بوصلة. عايش الأيّام اللبنانيّة بحلوها والمرّ، وتضمّخ بالعزّ والأمل والبحبوحة، ليتضرّج في ما بعد بليالي الحروب والضغائن والمشاريع القاتلة. لم تقتله الحرب، فعاندها واستنهض معناه والبوصلة متباهيًا بفروسيّته ورغبته الهائلة في الحياة، لنستفيق أمس على أبوابه المقفلة بعدما كانت أبوابه مشرّعةً على كلّ أصيلٍ وأنيقٍ ونبيلٍ في المدينة وأرجاء البلاد.
ليس في المستطاع الإحاطة بأعمار هذا المقهى وحقباته. لكنّه كان الفتى في أجياله كافّةً، على رغم الترهّل وسنوات اليأس التي مرّ بها وتركت بصماتها على جسده والروح. عايشتُ “الغندول”، وعشتُهُ، مليًّا، في الأعوام الأربعة التي سبقت اندلاع الحرب اللبنانيّة. وهي السنوات التي أمضيتُها طالبًا في كليّة التربية – الجامعة اللبنانيّة، التي كانت تبعد عن المقهى مئاتٍ قليلةً من الأمتار، نجتازها، مرورًا بكلّيّة الآداب، بإبقاعات القلوب والمشاعر، انطلاقًا من معقلنا الأوّل، كافيتريا المعلّم أسعد (سلامة) وشقيقه جوزف في الكلّيّة، إلى عريننا الثاني ذاك، على الكورنيش، قبالة ثكنة الحلو، وهو كان “المقرّ” العلنيّ والسرّيّ لحالمي ذلك الزمن، وشعرائه، ومناضليه من الطلّاب، وعشّاقه على السواء. ظللتُ وفيًّا للمقهى، فكنتُ أزوره كلّما أتيحت الظروف الموضوعيّة، لأستعيد أثاث المكان وطاولاته وكنباته الوثيرة وجدرانه وباره ورفوف القناني وأرواحه وعطوره المعشّشة في الأرجاء.
كان “الغندول” بيتًا مطلًّا على الطريق. وكان شرفةً من معايير وورودٍ. بل شرفاتٍ تطلّ على الجهات كلّها. وكان شجرًا لعصافير كثيرة. وهواءً. وظلالًا تتكاثف وتتآخى لتتوالد بذاتها. وكان حديقةً تُسقى بالجلوس. وتُسقى بالقلوب. بالعقول. بالكلمات. بالأيدي الحميمة. وبالعيون. وكان منزلًا لقهوة الصباح. للقهوة التي تُعَدّ بتمهّل على جمرٍ وهّاجٍ وبمشاعر خلّاقة. وكان مائدةً للظهيرة الشقيّة والطعام العائليّ. وكأسًا للعشايا الهاربة. ونعاسًا ماكرًا بعد الدغشة يدعو إلى رنوّ الحبّ ويقظة الحواس لا إلى النوم.
لم يكن مقهًى فحسب. بل كان حالة. ذلك كان من شأنه أنْ يجترح. وأنْ يأخذ بالمجامع. وأنْ يستولي على الأوقات. وكان سقفًا. وكان الصباح. وكان المساء. وكان الليل برمّته. ولأجل ذلك كان مستودع القلوب والأفئدة والأفكار. وكان مقرًّا ينوب عن المقارّ. وكانت الأذهان تجترح فيه ما يلائم الأحوال كلّها، والظروف، والمعطيات. وكان مختبرًا لثقافة الفتوّة التي تكتشف ذاتها، ولثقافة السياسة، حين كانت مختبراتٍ تفوح وتنمو وتتراكم وتزهر في الخفاء وفي العلن. وكم كان ملجأً لاجتماعاتٍ ولقاءاتٍ، معقودةٍ كلّها على قناطر من أحلامٍ تغييريّة ومشاريعَ وطموحاتٍ، وعلى غيومٍ تهمي لتصنع العشب للربيع. وكان حلقةً بل حلقاتٍ هادئة وحامية للنقاش. للأفكار. للتباينات. للاختلافات. للتنوّعات. للمنافسات. وكان كرْما يشبه الكروم التي تقدّم مذاقاتها ومفاتنها للعابرين والمستظلّين والتوّاقين. لكنْ من دون أنْ يبيح كرامته لأحد، ومن دون أن يكون مستباحًا.
وكنّا فتياتٍ وفتيانًا موهوبين حالمين رافضين غاضبين أشقياء. وكنّا موعودين بالأمل والحياة. وكنّا متجرّئين ومتجاسرين، ولكنْ من دون سوقيّة، ولا إسفافٍ أو ابتذال. وكنّا – ولا ادّعاء – الطليعة التي تُعَدّ لصناعة الأجيال وتهيئة الأساتذة لنقل التعليم الرسميّ إلى الآفاق والمستويات المأمولة. فكنّا طلّابًا، وكنّا، في الآن نفسه، أساتذةً (مشاريع أساتذة)، لكن من دون تعجرف الأساتذة. وكانت لا تتّسع لنا مدينة. ولا يستكين لنا جموح. وكنّا الشوارع. والأرصفة. ومقاعد الصفوف في الكلّيّات والجامعات. وكنّا القادمين من الأصقاع والأرياف والتخوم. وكنّا من المدينة. من قلب المكان. وفي قلب المكان. وكنّا، مع غيرنا، من حملة الأفكار المستقبليّة. وكنّا المدنيّين. والعلمانيّين. والمتحرّرين من كلّ ربقةٍ. وكنّا الشعراء الموهوبين. والصحافيين النبهاء. والمناضلين الأشقياء. والمكافحين. وكنّا العشّاق. لا ننام على ضيمٍ، بل ننهض ونعود مستريحين لوقتٍ ضئيلٍ، تأهّبًا وتحفّزًا لليل وللغد الجميل.
كان “الغندول” بيتًا بمنازل كثيرة. فلكلٍّ منّا ناحيته حيث عرينه والملتقى حول الطاولة. هنا وهناك جماعات اليسار: الحزب الشيوعيّ. والمنظّمة، منظّمة العمل الشيوعيّ. وأنصار الثورة. والقوميّون السوريّون الاجتماعيّون. والناصريّون. وهنالك في الموضع الثالث، جماعة “حركة الوعي”، وكاتب السطور هو من تلك الكوكبة الطليعيّة التي كان يرأسها أنطوان الدويهي، ومن بين قادتها البارزين بول شاوول وعصام خليفة. يجب دائمًا عندما يؤتى على ذكر الحركة هذه، إعادة الاعتبار إلى فضلها التأسيسيّ والجوهريّ غير المسبوق في الحياة اللبنانيّة. ذلك أنّها تخطّت الجمود الصنميّ القائم في المجتمع، وكسرت مفهوم الانقسام العموديّ في التفكير وفي الممارسة، على صعيد العمل السياسيّ والنضاليّ والطالبيّ والشبابيّ والمجتمعيّ، حيث أبت الانصياع للتخندق بين اليمين التقليديّ واليسار التقليديّ، استكشافًا لديناميّات الطريق الثالث وسبل بلورته وترسيخه.
في “الغندول” الموعد موعدان؛ واحدٌ صباحًا يمتدّ إلى قبيل الظهر، وثانٍ قبل الغروب يمتدّ إلى الدغشة وسقوط الظلام. انتقالًا في ما بعد إلى ليل شارع الحمراء، وخصوصًا مقهيي “الاكسبرس” والهورس شو”. ولهذين المقهيين حكايةٌ بل حكايات.
في ذلك الزمن كان ثمّة للجلوس هناك معايير اكتسبناها بأخلاقيّات الثقافة الجامعيّة العقل واختبار الأصول ومصادقات الألفة والذوق واللياقة. المختبر الذي لا جدال فيه، ولا نزاع حول أولويّته المطلقة، كان لدى المعلّم أسعد في كافيتيريا كلّية التربية. ومن ذلك المكان كان يتضوّع المعنى والجوهر، ومهما كان النقاش حامي الوطيس، حول الأفكار والانتماءات وأشكال النضالات ومواقيتها وظروفها الموضوعيّة، وحسابات كلّ فريقٍ فيها، لم يكن يتخطّى السقوف. كان ذلك الزمن وأهله مدرسةً ومختبرًا وعبرة.
في أوقاتٍ مختلفة من عمر هذا المقهى، استقبل إلى طاولاته المختلفة وجوهًا معلومةً ووجوهًا غير معلومة. شابّات حركة الوعي وشبّانها، وجميعهم أشاوس. لكنّي أتذكّر إلى هؤلاء أيضًا، عشوائيًّا، ومن دون ترتيبٍ منهجيّ، ومن دون أحكام قيمة: جورج حاوي، سمير فرنجيّة، كريم مروّة، هاني عسّاف، سعدالله مزرعاني، أكرم الحوراني، جوزف أبي عقل، غسّان شربل، علويّة صبح، زهوة المجذوب، أسامة العارف، عبد الجليل وهبي، محمد وهبي، حكمت العيد، الياس عطالله، أنور الفطايري، نصير الأسعد، بول شاوول، أنطوان الدويهي، غازي الحلو، عادل فاخوري، عبد الأمير عبدالله، محمد العبدالله، محمد الفيتوري، مظفّر النوّاب، أدونيس…
13 نيسان 1975، كان يوم أحد. بول شاوول في دوامه اليوميّ في “الغندول”. معه إلى الطاولة جوزف البدوي وأندره يزبك، وكاتب السطور. في لحظةٍ ما، جاء الصحافيّ العامل آنذاك في جريدة “السفير”، معتزّ ميداني، ممتقع الوجه، مرتعبًا، ليبادرنا بهلع: شو بعدكن عم تعملوا هون. ما عرفتوا شو صار؟! كلّ واحد ع بيتو. انتبهوا ع الطريق.
مسك ختام الجلوس في مقهى “الغندول”، ذلك النهار المشؤوم، عندما دخل علينا سعود المولى قادمًا من اجتماعٍ مشحونٍ للروابط الثانويّة في كلّيّة التربية، انطوى، على قوله، على شجارٍ مع أنور الفطايري وسعدالله مزرعاني. أخبرنا أنّ شابًّا فلسطينيًّا جاءه بسرعةٍ فائقةٍ من لدن “أبو جهاد” طالبًا إليه أنْ يذهب لملاقاة القائد الفلسطينيّ لأمرٍ فائق الضرورة. ليقول لنا بالمختصر المفيد النهائيّ: إذهبوا فورًا إلى بيوتكم لأنّ المسألة خرجتْ على السيطرة، والحرب قد دقّت النفير.
عهود المقهى الأخرى لا أدّعي معرفةً وثيقةً بها. كلّ ما أعرفه أنّ كثيرين “مرّوا من هنا”، من “الغندول”، الذي كان حالةً لا مقهًى فحسب. لهذا السبب يمكنني أنْ أصفه بأنّه كان وطنًا صغيرًا. وكان يتّسع. وإذا كان الوطن يضيق أحيانًا بأهله وبالعقول والاختلافات والمشاعر، فإنّ المقهى – الحالة هذا، ما ضاق بأحدٍ. ولا تذرّع برأيٍ دون سواه. ولا تأفّف من تعبٍ أو من ملل. ولا استدعى الذهاب إلى زعلٍ أو إلى قطيعة. سلامي إلى “الغندول”!

عن النهار
Akl.awit@annahar.com.lb

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *