ملامح النقد في «الرواية وتحرير المجتمع»

2 أكتوبر، 2015

د.ظافر كاظم *

إذا كان العمل الإبداعي الحقيقي ينطوي على نوع من المغامرة التي لا يمكن إنكارها، فإن النقد إبداع موازٍ لا يقل بحثا وتدقيقا بل ومغامرة أيضا عما نلمحه في أعمال روائية مميزة. وهذا لما يتطلبه النقد من سد الفجوات في النص الروائي وضرورة الوضوح الفكري الذي قد يعرض القائم عليه أحيانا لمواجهات أكثر خطورة مع المجتمع. وعلى من يتصدى لعمل نقدي ألا يكون ملماً بأدوات النقد ومناهجه المتعددة فحسب، ولا مطلعاً على تاريخ الأدب ومحيطا بفنونه فقط، وإنما عليه أن يمتلك مع كل ذلك من الفطنة والذكاء ودقة النظر ما يؤهله لاقتحام طبقات النص المتعددة، والغوص في بحار من واقع، وعوالم من خيال، ومستويات لغوية شديدة التعقيد، ليدرك في الآن نفسه ما يقوله العمل صراحة وما لا يمنحه إلا مواربة من وراء ستار الغموض الشفيف. ليتلمس ما يشكًل مضمون الرسالة الصريح، والجوانب الأخرى الأكثر عمقاً، الكامنة في متاهات اللاوعي بتعدد مفاهيمه ومستوياته، ما يخص منه لاوعي المؤلف أو النص أو المتلقي.
وربما يبدو من السهل إلى حد ما لناقد متخصص بهذا الفن من فنون اللغة أن يكتب نقداً علمياً حول نص ليبين مدى جودة هذا العمل أو ذاك، ومدى أصالته أو تقليديته. لكن المسألة الأكثر صعوبة تكمن في نقد قادر على استيعاب العمل الإبداعي وتفسيره على نحو واعٍ يستند إلى مبررات علمية ومنطقية وجمالية. وأكثر من ذلك صعوبة إدراك فلسفة العمل نفسه.
وهنا نكون أمام تساؤلات عدة لا بد أن تواجه أي ناقد في عمله كما هي الحال في العمل موضع البحث. هل يفعل ذلك استناداً إلى منظومة من المعايير السائدة والقيم الفكرية المتعارف عليها؟ أم يحتاج النقد بدوره إلى الإبداع ليكتشف مساحات جديدة وعوالم متناقضة ورؤى مغايرة تمثل محور الإبداع واللمسات الفريدة للعمل؟ هل سيخضع لهذه المعايير، أم يكون أكثر شجاعة ليتوغل في أعماق المختلف وما هو مغاير، ليفكك شيفرته ويكشف أسرار تكوينه وبلورته على هذا النحو دون غيره؟ هل يقتحم عالم النص بأدوات منهجية مقررة مسبقاً تمرس على أغلبها أكاديمياً فأصبح ملماً بجوانبها الأنطولوجية ومؤهلاً لاستثمارها ضمن أطرها الأبيستملوجية (المعرفية)، أم يكون للنص نفسه تياره الخاص وأمواجه التي تستفز الناقد ليحرك سفينته نحو وجهة محددة دون أخرى؟ لماذا ننطلق من منهج معين دون غيره؟ وهل يكفي منهج واحد لاستنطاق المعنى الأدبي وإدراك القضايا المعقدة والمتشابكة في عمل ما؟ أم يتطلب العمل النقدي من الناقد أن يكون ذا وعي خلاق قادر على توظيف الأدوات النقدية بجدارة من دون أن يسقط في فخ الكلام بالنيابة عن النص، أو أن يسقط على العمل ما لا يقوله فعلاً على نحو مباشر أو غير مباشر.

ملامح النقد وأهدافه وأبرز التحديات
عندما نتتبع ملامح النقد في كتاب «الرواية وتحرير المجتمع» للناقدة والأكاديمية أماني فؤاد، وأبرز خطوطه العريضة وأهم مرتكزاته النقدية، لابد لنا أن نتساءل منذ البداية كيف يعالج كتاب نقدي صدر حديثاً أعمالاً أدبية روائية أغلبها جديد بعد ما عرفه هذا الفن من تطور في أساليب الكتابة، ولا سيما بعد تاريخ نقدي طويل متعدد الأصول والاتجاهات؟ هل سيركن لنظرية نقدية واحدة لتستوعب هذا التنوع في البنى واللغة وأساليب الكتابة وتقنياتها المتعددة، أم يوسع مجال الرؤية النقدية النظرية لتستوعب عملياً جوانب مختلفة من النص على نحو يعكس نوعاً من التكامل الإيجابي البناء الذي يساهم في التقاط خفايا النص واستكناه جوهر فلسفته وموضوعاته بعيداً عن النظرة القاصرة المجتزأة.
في المقدمة تشير الكاتبة إلى هدف الكتاب، وهو رصد محاولة الروائيين الجدد تناول الوجود فنياً وفكرياً على نحو مغاير من خلال ثورة في التقنية والرؤية معاً. ومفهوم «الثورة» المقصود هنا لا يعني استحداثاً جذرياً أو ابتكاراً من عدم بقدر ما يعني المجاوزة ومد أبعاد التقنية أفقياً ورأسياً (ص15). مما يعني أن ثمة مساحاتٍ مشتركة دائماً بين التقنيات التقليدية والجديدة.
فإلى أي مدىً يمكن أن تستوعب النظريات النقدية هذا الكم الكبير من الأعمال الأدبية التي تتطلع دائماً نحو الجديد والمغاير وتسعى باستمرار لإضفاء بصمتها الخاصة بعيداً عن إطار الأنماط السائدة. ولا سيما أن النقد -كما يُفترض- ليس نوعاً من الموضة التي تجاري نمط الحياة في مرحلة ما لتتراجع لصالح غيرها بعد برهة من الزمن. لا بد للعملية النقدية الحقيقية أن تستوعب جوهر الإبداع وفلسفة الفن في كل وقت، وأن تكون قادرة على الإجابة عن الأسئلة الجوهرية في الفن والأدب، وهذا تحدٍّ لم يكن بكل الأحوال غائباً عن تصور المؤلفة وهي تتصدى لهذه العينة من الأعمال المختارة التي تشرع أبوابها على أسئلة الحياة المختلفة. مع ضرورة ملاحظة أن هذا الجديد لا يقتصر على الجرأة بطرح القضايا، أو التمرد على التابوهات المعروفة في المجتمع. بل يشمل طبيعة النظرة إلى الوجود بأكمله، وكيفية التعامل معه من خلال رؤىً جديدة وتفكير مختلف يبتعد عن التصورات المنبثقة من الأفكار السائدة الموروثة.
لهذه الأسباب على ما يبدو، توزع الكتاب على أربعة فصول تمثل جوهر القضايا الأساسية، ومحور الشد والتوتر في واقعنا الراهن المعاصر وفي الماضي أيضاً وهي: التقنية وسؤال الدين، التقنية وسؤال الواقع الافتراضي والفانتازيا، التقنية الروائية وسؤال التاريخ، التقنية الروائية وسؤال اللغة والسرد. والمؤلفة على وعي واضح بأنه ما من عمل إبداعي مما تناولته يمكن إدراجه ضمن أحد هذه الأسئلة فقط إلا من ناحية الأولوية ومستوى الهيمنة ودرجة كثافة السؤال التي يطرحها العمل. وأي عمل إبداعي مهما قلت درجة تعقيده لا بد أن يمثل مجالاً تلتقي فيه أحداث متعددة وآراء متباينة ونوازع مختلفة. وهذا هو ما يجعل المرء يتساءل منذ البداية عن الكيفية التي يحدد من خلالها الناقد أدواته ويختار وسائله ليستوعب الأسئلة الوجودية الجوهرية والاتجاهات المتعارضة والأفكار المتناقضة، والوسائل التقنية التي تتلون باستمرار. وهو ما لا تنجح فيه دون شك إلا أعمال قليلة تمتلك من غزارة الفكرة والمضمون ما يؤهلها لقراءة مختلفة في كل مرة، وللحديث عنها على نحو جديد في كل مرة يعالج فيها العمل من زاوية مختلفة، وهذا يدفع إلى التأكيد على الخلفية المعرفية الفلسفية الواسعة التي تستند عليها الناقدة في رؤيتها للعالم وقراءتها النصوص.
نتيجة لهذا الكم من الأفكار، ومستوى التعقيد الذي تضمنته عينة الأعمال الروائية المختارة، لم تلزم الناقدة نفسها بإطار نقدي واحد أو تتبنى اتجاهاً معيناً لا يمكنه بأفضل الأحوال إلا أن يسلط النظر على بعض الجوانب التي يشتمل عليها النص ويهمل الجوانب الأخرى. حتى لو كان هذا المنهج شديد الصلة بالسؤال الأساسي الذي يتضمنه هذا العمل أو ذاك مما درسه الكتاب.
تبني الكاتبة لغتها النقدية انطلاقاً من النص الذي تدرسه نفسه، فتعدل أدواتها من نص روائي إلى آخر بحسب ما تمليه طبيعته وتركيبته الخاصة، وما يثيره من تساؤلات وقضايا على مستوى التقنية ومشكلات الفكر وتصورات الوجود، من أجل تحليل وافٍ وكشف موضوعي شامل يتجنب الإسقاطات الجاهزة أو النظرة الآلية. وتتنقل بمرونة واضحة بين ما ركزت عليه اتجاهات نقدية مختلفة على مدى تاريخ طويل بناء على ما يمليه الموضوع وطبيعة القضايا التي يعالجها.
تحاول أن تحدد الجديد، ثم تحفر بحثاً عن أصوله وكيفية انبثاقه على هذا النحو دون غيره، فتوغل أحياناً في تفاصيل تاريخية لها علاقة بالأدب على نحو عام، أو بسيرة المؤلف وظروفه الاجتماعية المحيطة وتكوينه الفكري، أو الطريقة التي يصوغ بها أفكاره ويكون تصوراته، على نحو قد يشابه في بعض صوره النقد التكويني والتاريخي معاً. وأحياناً أخرى تتعمق في رصد البنى الاجتماعية والنفسية للعمل وتقوم بتفكيكها على نحو مفصل بحثاً عن مكنونات النص وبناه العميقة -إن صح التعبير- غير مكتفية بما يقوله النص من خلال مراعاة المؤلف وحده أو ما يقوله النص ببنيته اللغوية المستقلة، أو ما يحمله من رسالة تتوقف عملية تأويلها على طبيعة المتلقي.
فثمة مراعاة لمكونات الرسالة التي حددتها اللسانيات سابقاً والتي تفترض أن أي رسالة مهما كان نوعها أو مضمونها لا بد أن يتوفر فيها ثلاثة عناصر (المرسل- الرسالة- المستقبل). لكن هذه المراعاة لا تتخذ نمطاً مشابهاً مع كل نص، وإنما يختلف مركز الثقل فيها من نص إلى آخر بناء على مواصفات النص نفسه. فأحياناً نجد تركيزاً على المؤلف لدواعٍ لها علاقة بمبدع النص، وأحياناً يتوقف النقد أكثر عند بنية النص نفسها لخصائص مميزة وعناصر مهيمنة وانعكاسات واضحة وإشارات دالة فيه، وأحياناً أخرى تركز على جوانب تواصلية تراعى فيها مقتضيات التأويل والكيفية التي يمكن أن يستوعب من خلالها المتلقي العمل. في حالة كونه متلقياً مثقفاً أو ناقداً بصيراً بفنون التعبير وتقنياته المختلفة (مثلاً ص163، 304، 355).
في رواية «عالم المندل» لـ أحمد عبد اللطيف على سبيل المثال ثمة ارتكاز على الثقافة الشعبية والسحر والتعاويذ وما له صلة بقراءة الطالع والأحلام وما يتعلق بتفسيرها. يرد كل ذلك بإطار من الفانتازيا التي تكشف الناقدة طبيعة علاقتها بالكبت والقهر النفسي والاجتماعي في هذا النص. أشياء يمكن أن يلحظ بعضها على نحو مباشر على نحو مما يوحي به عنوان الرواية وبعضها الآخر ترصده الناقدة من خلال متابعة التفاصيل وتحليل شخصيات الرواية نفسها، كما هي الحال مع الشخصية الرئيسة الفتاة التي تحلم أنها قد أصبحت رجلاً قبل زواجها بخمسٍ وعشرين ساعة وما يرتبط بهذا الحلم من أحداث وشخوص تتوالى لتعيد تشكيل العالم الواقعي على نحو غير معهود، واضعة تحت المجهر مشكلات ثقافية ونفسية واجتماعية تخص المرأة بالدرجة الأولى والتكوين الثقافي الاجتماعي على نحو عام وعلاقة كل ذلك بنص الرواية.
تفكك الناقدة هذه الخلطة الاجتماعية والنفسية والثقافية وتحللها إلى عناصرها الأولية لتكشف الكيفية التي استطاع بها كاتب النص أن يمزجها معاً من دون أن يشعر قارئه بانفصال ما. هذا الخليط المعقد الذي لا يمكن أن يفكك تركيبه منهج واحد من مناهج النقد المعروفة من دون أن يكون التحليل مبتسراً وقاصراً على بعض الجوانب دون غيرها.
تتوقف الناقدة عند توظيف الفانتازيا في النص لتحدد سر وجودها فيه. هل هو مجرد محاولة للإغراب والتجريب والخوض في أمور ذهنية شديدة العمق قد تدعو إلى عدم التفاعل معها؟ أم هو وثيق الصلة بمشكلات الإنسان والأطماع السياسية والظلم الاجتماعي وفقدان العدل؟ وتحاول أن تلمس طبيعة هذه المنطقة الحائرة التي تستند إليها هذه الأعمال التي تحاول أن تعيد بناء التصورات على نحو مغاير للمألوف، وكيف تدمر الصلات الذاتية عن العلائق والأشياء من أجل فتح عوالم بديلة يتحاور فيها الخيال والعقل والواقع.
تلتقط الناقدة محور الأزمة النفسية والاجتماعية عند الشخصية الرئيسة التي ترتبط بها الأحداث (المرأة التي تحلم أنها أصبحت رجلاً) وتحاول كشف جوانب الاختلال الاجتماعي في منطقة الحياة التي يرصدها النص. كيف تتخلق عوالم اللاوعي وتتضخم لتنطلق قوى الكهف العميق للباطن النفسي الإنساني لتخلق هذه الأنثى بتركيبتها المعقدة. الأنثى التي تشهد تفاصيل حميمة بين والديها وهي طفلة، ثم تستبعد من تفاصيل هذه العلاقة بعد بلوغها لنفور الرجال منها بسبب قبحها، وكيف يتكاثف بداخلها نوع من القمع يتمثل فيه المقموع قامعاً فيتراءى لها هذا الحلم الحقيقة.
تتعمق الناقدة في تفاصيل هذه المشكلات الاجتماعية والنفسية والثقافية والأخلاقية في المنظومة السائدة لتكتشف هل نجح الكاتب في تصويرها أم أخفق في ذلك. وما هو مستوى هذا الإخفاق والنجاح. كيف نجح على سبيل المثال في بناء عالمٍ موازٍ من خلال الفانتازيا وما يحمله هذا من دلالات وإشارات تعكس طبيعة صراعات الحياة وأزمة الإنسان مع واقعه المعيش المكتظ بالكبت والإرهاب الاجتماعي. وكيف أخفق عندما أفلتت منه منطقة في الكيان الإنساني الأنثوي لم يضعها بحسبانه. وهي المرأة التي تمتلك العقل والمشاعر والقدرة على الفعل بعيداً عن كونها مجرد جسد أو أداة للمتعة على نحو لا يعكس أي تطور بتفكيرها من خلال الرواية، بل ظل مرتبطاً بغرائزها وغرائز الرجل نحوها (ص163-180).
قد يكون هناك من يرى أن في مثل هذا الفعل تدخلاً في عمل الكاتب يملي عليه ما يجب أن يقوله في ضوء تصورات معينة، وهذا ليس من وظيفة الناقد الذي يفترض أن يتعامل مع النص بما هو عليه. لكن مثل هذا الاعتراض سيتراجع لصالح النقد إذا كانت مثل هذه الأحكام تنطلق من قضايا النص نفسه وطبيعة الإشكالات التي كان النص يحاول رصدها وبيان مستوى تناقضها مع منظومة القيم الفكرية والثقافية على نحو يفرز هذه الأمراض الاجتماعية والنفسية المختلفة.
وثمة مقارنات ضمنية بين نصوص لكتاب مختلفين أو للكاتب نفسه إذا كان هناك ما يجمع بينهما، كتشابه التقنية أو تقارب الموضوعات الأساسية التي يعالجها النص. ومن خلال مقارنة نصوص روائية لكتاب مختلفين تبرز الناقدة أوجه الاختلاف والتشابه في طريقة توظيف التقنية وكيفية استثمارها ومدى التنوع الذي يمكن تحقيقه من خلال ذلك، وكيف ينفرد كل كاتب بلمسة مميزة عن غيره فيما يخص تحديد الوجه الذي يختاره ليكون إطاراً لعمله والكيفية التي يقوم من خلالها بمعالجة قضاياه وأسئلته المصيرية.
وعندما يتعلق الأمر بأكثر من عمل لكاتب واحد، تحاول الناقدة أن ترصد نقاط الابتكار ومدى تطور أسلوب الكاتب وقابليته على عدم تكرار نفسه ولا سيما إذا كانت التقنية الأساسية التي يقوم عليها كل عمل مشابهة للأخرى. كما هي الحال مع «عالم المندل» و»صانع المفاتيح» وهما عملان لكاتب واحد، كلاهما قائم على الفانتازيا ومرتبط بشكل أو بآخر بالصراع مع الموروث والتقليدي والثقافة الشعبية، لكن الأخير خلافاً للأول يرتبط بتفشي الفساد ومدى تغلغله بالمنظومة الاجتماعية. ومن خلال بيان مدى نجاح الكاتب بخلخلة هذه القيم السائدة والمتأصلة اجتماعياً ونجاحه في إبراز متناقضاتها تحدد الناقدة ما يمكن أن يمثل ثورة على مستوى الفكر والتقنية وما لا يمكن أن يكون كذلك (ص163- 165).
يمكن توضيح هذه المسائل أكثر من خلال بيان كيفية تعامل الناقدة مع نصوص أخرى من نمط مختلف كما في رواية «تلك الأيام» لـ فتحي غانم التي ترد ضمن فصل «الرواية وسؤال التاريخ» الذي ركزت فيه على جوهر كتابة التاريخ وكيفية توظيفه في الرواية. في هذا النص ترصد الناقدة طريقة تعتمد على تراكم الأحداث والظواهر وتتابعها ومدى تأثيرها على المحيطين بها. ترصد ما يشي باضطراب السرد وتداخله معاً وكيف يبقى النص مع ذلك محافظاً على تماسكه وانسجامه.
وهي تقف عند دورات التاريخ المتوالية، طبيعة المؤرخ وتركيبته النفسية والاجتماعية والثقافية، تكرار الأحداث وتشابه الشخصيات والسياقات، كيف يتضافر كل ذلك بالنص ليرسم صورة لواقع نعيش فيه. واقع يبدو من خلال كل تفاصيله أنه خارج انتظام الزمن وعجلته المستمرة بالدوران. واقع يراوح في مكانه من دون أي تطور يذكر، تحكمه الأغلال نفسها والإشكالات نفسها وإن تعاقبت السنون (ص255).
قد تبدو هذه المسألة المرتبطة بالتاريخ هي القضية الأساسية بالنص. لكن الناقدة تفكك البنى الأخرى المرتبطة بها، وتوضح علائقها ببعضها بعضاً. كتوظيف الدين بالسياسة، والطبيعة الاجتماعية التي خلفها النظام القمعي، وآثار الاقتصاد، وكيف يتعالق كل ذلك في بناء الشخصية المعاصرة ونحت صفاتها.
أما في رواية «مطر على بغداد» لـ هالة البدري التي تأتي ضمن محور التاريخ نفسه، ثمة وجه آخر لتوظيف التاريخ تلتقطه الناقدة بعناية وتتوقف عنده بالتحليل، وهو يخص «كتابة المرأة للتاريخ» أو بعبارة أخرى «التاريخ كما تراه المرأة»، ومن هذه النقطة الأساسية تتحرك لرصد الجوانب الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية من خلال انعكاساتها وأعبائها التي تلقي بها على عالم المرأة وطبيعة معاناتها في ظل هذه الصراعات المختلفة.
ثمة تفحص دقيق للنص هنا، التقطت من خلاله الناقدة هذه التشابكات وكيف نجحت الكاتبة بنقل معاناة المرأة على أكثر من مستوى. كيف نجحت بتوظيف العبارات والجمل ناقلة بدقة ثقافة شعبية لمجتمعين عربيين مختلفين (مصر والعراق). كيف تتذبذب الثقافة وتخضع لتيارات المد السياسي، أين تقع معاناة المرأة الحقيقية من كل ذلك التي غالباً ما تظل حبيسة الزوايا الضيقة ورهينة العتمة.
تستنطق الناقدة النص بعناية فائقة وتغوص تحت سطح اللغة وملابسات الأحداث فتلتقط خيوط النص المجتمعة وكيف نجح في تصوير سطحية التفكير والقيم المفرغة من محتواها الحقيقي وكيف تصبح القشور أهم من الجوهر، والمظاهر أهم بكثير من الحقائق الفعلية في تفكير معظم الناس، وكيف تكون المرأة هي الخاسر الأكبر في حلبة هذا الصراع الذي تضطرب فيه أمواج عارمة من المتناقضات.
ثمة ملامسة حقيقية تبرز قيمة النص على نحو يبتعد عن الانحياز للمرأة ويمسك به على نحو موضوعي من خلال الأحداث والحقائق وتفاصيل التاريخ. وهو ما حاولت الناقدة تعزيزه من خلال الاستعانة بالتفاصيل التاريخية للمرحلة وما له صلة بتاريخ البلدين وطبيعة الحكم فيهما بهذه الحقبة الزمنية. وكذلك هي الحال مع النصوص الأخرى التي انتظمت ضمن سؤال التاريخ في الرواية.
تحدد الناقدة الإطار المشترك الذي شكل جوهر التقنية في الأعمال الروائية كما هي الحال مع الفانتازيا والتاريخ وما له علاقة باللغة، لكنها تبرز أيضاً جوانب الاختلاف والتنوع في توظيف هذه التقنيات من مؤلف إلى آخر، وكيف تتنوع هذه الوسائل لترصد بؤر توتر مختلفة في كل مرة، وكيف تسلط النظر على مساحات متباينة من مفاصل الحياة وإشكالاتها، محاولة أن تبين على نحو واضح وصريح طاقات الأدب وقدراته الكامنة، وكيف يمكن للأدب أن ينجح في خلق ثورة على مستوى التفكير ومواجهة الواقع، وكيف يمكن أن يكون الأدب لاعباً رئيساً في عملية إعادة تشكيل الوعي وتغيير خريطة الحياة لصالح الإنسان والقيم الإنسانية العليا، ويعد هذا أحد القضايا الأساسية التي شكلت ملامح النقد في هذا الكتاب.

اللغة تقنية ثورة وإبداع نقدي
في الكتاب أيضاً احتفاء واضح وأساسي باللغة على مستوى التعبير الجمالي الذي ينتقي الجمل الرشيقة والكلمات المعبرة والصور الفريدة التي تسهم في تقريب الفكرة واستيعاب دلالات النصوص وشرح مغزاها ومعناها العميق وملامح الجمال فيها.. وعلى مستوى تقييم العمل الروائي الذي تعاملت معه الناقدة على أنه نص لغوي قبل أن يكون نصاً أدبياً. لذلك كانت حريصة على مراقبة وسائل التعبير عند كل كاتب، وكيف تتشكل في كل نص، ومدى التباين في القدرة على صياغة العبارات الموحية ذات الدلالات الغنية المتعددة. فلم تترك نصاً مما اختارته ضمن عينة البحث من دون أن تتوقف عند لغته، ومدى قدرتها على استيعاب القضايا التي يعالجها النص، ونجاحها في إطلاق معانيها واستيعاب مضمونها على نحو ينقل الرسالة المقصودة على نحو صحيح للمتلقي.
وليس أكثر دلالة على هذه الاهتمام من إفراد فصل كامل لسؤال اللغة لتوضيح مدى أهميته وقيمته الأساسية بتشكيل تضاريس النص، بل أكثر من ذلك عدته الناقدة عنصراً أساسياً وأداة بارزة أسهمت في خلق الثورة التقنية والتجديد في مستوى كتابة الرواية. هذه المسألة التي مثلت أحد أولويات النقد في هذا الكتاب وأداة فاعلة من أدواته تظهر قدرة الناقدة على تحديد مستوى التناغم بين اللغة والمضمون، وحققت من خلاله مرونة ساهمت ببيان جوانب أساسية تخص دلالات النص العميقة وكيفية تشكله وبنائه منذ لحظاته الأولى.
بناء على هذا الأساس حددت نصوص «إلياس» لـ أحمد عبد اللطيف و«تانغو وموال» لـ مي خالد و«سيرتها الأولى» لـ محمود عبد الوهاب و«هكذا يعبثون» لـ أمينة زيدان، على أنها نصوص يتمثل عنصر الثورة التقنية فيها بالقابلية على توظيف اللغة على نحو خلاق ومبتكر. مبينة ثراء دلالات الكلمات فيها، وغنى تشكيلاتها، وكيف يتم تخليقها على نحو يفجر فيها إيحاءات متعددة ودلالات متجددة. ثمة مهارة لغوية اقتنصتها الناقدة في هذه الأعمال مبينة لغز تشكيلها وأسرار صياغتها على هذا النحو. وما يبدو منها مقصوداً لذاته بوصفه نتيجة لعملية تشكيل واعية مارسها الكاتب، وما يندرج منها ضمن لاوعي النص على نحو مما قد يخفى على كاتب النص نفسه. لكن من دون أن تغفل ربط كل ذلك بتفاصيل النص وفكرته الأساسية وصلب الصراع القائم فيه، والجدليات المعتركة بداخله مما له علاقة بخوف الإنسان وما يتعرض له من كبت وما ينتابه من عجز أمام هذا الوجود والعالم الذي تزيد تفاصيله غموضاً يوماً بعد يوم.
احتفاء لغوي يشكل ملمحاً نقدياً واضحاً ويعي دور اللغة الأساس في العمل الأدبي على نحو عام في وقت غابت فيه أهمية اللغة عن أعمال نقدية كثيرة.

تعدد المناهج النقدية ومرونة التوظيف
تحاول الناقدة دائما أن ترصد الأفكار الجوهرية بالنص الروائي وكيف تشكلت تقنيات الروائي لنقل هذه الأفكار في صورتها الفنية التي اعتمدها النص، لكن ثمة مرونة واضحة وتكيف بلغة النقد مع خصوصية كل نص والسمات البارزة التي شكلت محور الثورة فيه من دون إغفال للشبكة المعقدة من العلاقات التي تشكل بنية كل واحد منها.
مع كل نص تعيد الناقدة هيكلة أدواتها على نحو ملائم يتناسب مع هذه الخصوصية لتستوعب أكبر قدر ممكن من موضوعه. تحاول أن تجمع كل الخيوط مما تستشعر علاقته بتكوينها على نحو ما لتمسك بدايات تشكل كل نص، وكيف استوى ببنيته المميزة، موظفة كل ما له علاقة بقضاياه من أفكار وتراكم معرفي قدمته المناهج النقدية المختلفة من دون أي انحياز لمنهج محدد دون آخر، على حساب النص نفسه.
ثمة تعايش وتكامل بين المناهج النقدية في هذا الكتاب كان يدعو إليه نقاد كبار مثل بارت وستاروبنسكي ودبروفسكي، تعايش ينسجم مع تعقد شبكة العلاقات داخل النصوص الروائية المعاصرة وتعدد البنى الاجتماعية والنفسية والثقافية والآيدلوجية والفلسفية…إلخ من القضايا الأخرى التي تعبر عنها. تكامل لا نلمح فيه تناقضاً في التناول النقدي، بل ينتقي ما يبرز إمكانات النص وعلاقاته المتعددة المتسقة مع بعضها بعضاً بوحدة مكتملة، فلا مناص كما يقول ستاروبنسكي «من الجمع بين المنظورات وتقريب المناحي بعضها من بعض إذا كان الهدف هو التوصل إلى فهم شامل للعمل الأدبي».
لم تعد المشكلة تتمثل باختيار منهج واحد بأدواته دون غيره بقدر الحاجة إلى ناقد ملهم وبارعٍ بتوظيف أدوات المناهج المختلفة على النحو الملائم لكل نص.
من المؤكد أن هناك بعض النصوص التي تغلب فيها قضية ما على حساب غيرها من القضايا الأخرى. ومن ثم يمكن أن يدرس في ضوء منهج معين يسهم في إبراز جوانب هذه القضية على نحو محدد. لكن الرؤية الشاملة التي تتعدد فيها زوايا النظر وطبيعة القراءة تبقى مطلباً لا بد منه إذا أردنا كشفاً حقيقياً لفلسفة النص على نحو مما نجده بهذا الكتاب. ولا سيما أن القيمة الحقيقة له تتمثل بقدر ما يتضمنه من ثراء على مستوى الدلالات والإيحاءات التي يختلف تحديدها باختلاف الزاوية التي ننظر إليه من خلالها. فالنص الأدبي الجيد هو النص الذي يمكن أن نقول عنه شيئاً جديداً في كل مرة.

النقد جمال ومتعة
لكن هل الهدف من النقد هو الحديث عن قيمة النصوص الأدبية فقط وإصدار الأحكام حولها أم ثمة أهداف أخرى لا تقل أهمية؟ سأستعين للإجابة عن هذا السؤال ببعض الاقتباسات من كلام الناقدة في هذا الكتاب. تقول مثلاً قبل الدخول في تفاصيل الحديث عن رواية «تلك الأيام»: « منذ فترة قصيرة كنت بالإسكندرية، وقصدت البحر وقت الغروب، وعلى امتداد الرؤية حين معانقة الشمس لمياهه تصادف أن تقاطع معهما في مجال رؤيتي قارب صغير، بعيد، تمنيت وقتها أن أكون بداخله وأن أقفز إلى ما وراء هذا الأفق، أن أنفذ إلى قلب هذا التوهج الأرجواني، وهذا المجهول الغامض، إلى ما وراء عيني وقدرتي وأفكاري. استحضرت هذا المشهد بعد أن انتهيت من قراءة رواية (تلك الأيام)» (ص249).
وفي موضع آخر تصف هذه الرواية فتقول: «وفي ظني أن هذا الزخم السردي يرجع إلى أن الروائي كان يمارس فعل الكتابة كما يمارس لعبة الشطرنج، فكل جملة وفقرة وعبارة يتعامل معها مثل تحريك قطعة من الشطرنج، فهي تستلزم قبل تحريكها تفكيراً عميقاً تتابعياً وتراتبياً، متصلاً ومنفصلاً في آن واحد، لذا يأتي السرد محملاً بظلال متعددة من التماس وإمكانية التقاطع أو التداخل مع الأشخاص والأحداث التي قد تبدو متباعدة، لكنها أيضاً مترابطة ولها منطقها» (ص253).
وفي موضع آخر تقول قبل أن تبدأ بتحليل لغة الرواية: «لا تتبلور أفكارنا وتصوراتنا عن العالم إلا في حضن الكلمات، من بين تجاويف الحروف نعرف دقائق خفايانا النفسية، نعرف ذواتنا ونتلقى العالم والآخرين، الكلمات تردد صدى أصوات البشر التي تعاقبت على هذا الوجود. ترسم ملامحنا الداخلية والخارجية، كما تردد الشك واللايقين اللذين يغزوان وجودنا حين نتصدى محاولين فهم جدوى الحياة، تردد التناقض والحالات المتباينة التي تنتاب الإنسان. تصبح تلك التجاويف هلامية دون كيانات متماسكة حين نشعر أننا لانفعل، حين ينتهي بنا الأمر لعبثية كل شيء».
هذه العبارات والأوصاف التي تضفي كثيراً من التشويق وتندمج مع روح النص وعالمه وتقرب الأفكار على نحو مدهش يجعلنا ندخل إلى تحليل النص بكل أريحية تذكرنا برؤية «دي لويس» وهو يتحدث عن نوع النقد الذي يطمح إليه وكيف أنه سيكون جميلاً لو لم يكتف بالنظريات الأخلاقية والجمالية التي يمطر بها النص وأضفى عليه مع ذلك شذرات من البهجة والجمال والفكر، فهكذا سيكون النقد أمتع وأروع.
وما يبعث المتعة في نفس القارئ لهذا الكتاب هو أنه بإزاء النقد يلمح أيضاً إبداعاً موازياً على مستوى التعبير النقدي واحتفاء بالجمال وذكاء في اقتناص الفكرة. لم تقدم الناقدة في هذا الكتاب نقداً نظرياً جافاً متماهياً مع المصطلح وما يحوطه من استغلاق على القارئ إن صح التعبير، وإنما قدمت لنا من خلاله نقداً ممتعاً يلتقط خصائص الجمال ببداهة المبدع ويحسن التعبير عنها أيضاً. فإذا رافق هذه السمات إلمام بتفاصيل النصوص وشبكاتها المعقدة سيتأكد لنا -على نحو مما كان يراه بارت- بطلان المقولة التي سادت في مطلع القرن العشرين والتي كانت ترى أن الناقد هو مجرد كاتب فاشل. فلم يعد النقد الآن مجرد إجراءات جامدة ونظريات آلية، فقد أصبح النقد -كما يفترض أن يكون- فناً وإبداعاً لا يقل قيمة أبداً عن قيمة النصوص الأدبية التي يدرسها، سواء كان ذلك على مستوى القراءة الذكية الواعية للنص ولغته وطبيعة انتظامه ومحور موضوعه، أم كان ذلك على مستوى التشويق وإبراز عناصر الجمال وإمكانية التعبير عنها بلغة لا تقل عن ذلك تميزاً وجمالاً، وهذه ميزة تحسب للنقد بهذا الكتاب بكل جدارة.
• كاتب عراقي. وهذه المقالة جزء من دراسة مطولة عن الكتاب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *