من الأردنية والحسين ووصفي إلى الرأي الغراء

20 نوفمبر، 2017

 

وأول الكلام، من قصيدة الصديق الشاعر اسماعيل السعودي المتغزلة بسرو الأردنية وقبابها ومنها:

 

أشجارُ سَرْوكِ آمالٌ مُحلِّقَةٌ

نحوَ الغيابِ وفي أوراقِهَا حَدْسُ

وبرجُ وقتكِ يُعطي الرُّوحَ موعدَها

لكنَّما الحبُّ فيكِ ما لَهُ جَرَسُ

تلكَ القبابُ لها ترتيلٌ مُبتهلٍ

ألوانُها الدفءُ في الأنواءِ تُلتَبَسُ

 

وهل كان على الرأي الغراء أن تلتبس، وأن تستف من تراب الفيسبوك، وتسيء للجامعة الأم دونما قصد؟ أم أنها مزحة عابرة في شارع الحكمة الذي لم يجمع صدفة الجامعة الأم وجريدة الدولة الرأي، وأيقونة صحافتها عبر التاريخ الدستور، كلها بنيت في زمن الحسين، الذي تمر ذكرى مولده، لتختار الرأي هدية من أرشيف الفيسبوك وتنشره بحق الزمن ورجاله في مزحة غير مقصودة، ولكنها لا تمر على حكيم، أو عارف بمنزلة الأردنية وتاريخها وسبب بناء قبابها.

اليوم من يقودون تحرير الصفحات يعوزهم الحدس، والتاريخ، وكنت احسب أن الجامعة الأم ربما تتدارك الأمر وترد على الرأي بباقة ورد وتقول لها: “ليت أنّا بحجم حب الوطن وتاريخه نقتسم”. والرأي كانت صحافة وطن وما زالت، وكان الواحد منا إذا احتاج حتى رقم هاتف أي مؤسسة، أو رجل دولة بعمان يتصل بمقسم الرأي الذي يوفر له الخدمة، كان صلاح أبو سليم وزملائه في مقسم الرأي أهم من كل استعلامات الاتصالات.

الرأي والجامعة الأم، مؤسستان لهما الاحترم، كنّا ونحن صغار في أول رحلاتنا المدرسية، قد زرنا عمان، كان ذلك أوائل الثمانينات، ولاجتهاد مشرف الرحلة أو بتوجيه تربوي مركزي انحصرت الرحلة بزيارة مؤسسات الدولة، فقد زرنا الجامعة وكانت تحتظن معرض كتاب على المسطح الأخضر، ثم زرنا الدستور والرأي ووكالة الانباء، وكان مجمع اللغة العربية على خارطة الرحلة، لكن الاستاذ استعجل فقرر المغادرة. فهل من الصدفة ان تُحصر الرحلات للجيل الناشئ في تلك المؤسسات؟ أليست هي مؤسسات الحكمة والمعرفة، التي يجب أن تتواد وتحترم بعضها. لكن في تلك الرحلة رأينا لأول مرة مطبعة كبيرة في الدستور والرأي، كان أشبه ببواخر تريد الإبحار.

الجميد والنكته وبوابة الجامعة ليست مجرد حدث عادي، وليس فيه ريبة فهو مجرد سقطة غير مقصودة وخطأ، لكن الريبة في الصمت الذي لامس شفاه قباب الأردنية التي طالبت بحضور الكبير ناصر الدين الأسد ليحضر ويشرح، ولو أنه حي لارسل رسالة إلى العزيزين طارق المومني ورمضان الرواشدة وكتب فيها : أي إبناي، ما هكذا تورد النكات. واقرأوا رائعة إيلياء أبي ماضي

ليست قبابا ما رأيت و إنّما

عزم تمرّد فاستطال قبابا

 

كان بوسع أخي طارق لو أراد الرد على الهزل والتمسيخ لمؤسسة عريقة التفكير باعتذار  ابداعي،  كونه رئيس التحرير، ولا أظنّه رأى الصفحة قبل النشر، ففيه شيم الطيبين والغيورين، وليس الاعتذار هو المهم، لكن المهم ان ندرك بأن ما ينشر للتندر عبر الفيسبوك لا يليق بإعادة النشر بحق مؤسسات عريقة ورئيس الحكومة يقول: لا تنتبهوا للفيسبوك. لو كنت مكانه لاكتفيت بارسال الصديق نادر داود العين المصورة الجميلة، ليلتقط اجمل الصور، وينثرها على آخر صفحات الرأي.

ذات يوم اساء صحفي زميل كلن غاضب يريد التعيين في الجامعة، واساء لي شخصيا، فما كان من الكبير (أبا سعد) محمد التل إلا ان أرسل الزميلة أمان السائح في اليوم التالي لتعمل تحقيق موسع ليس عني وعن شغلي، مع اننا كنا نصنع مشهد ثقافي متميز وعبر خطة محكمة والزميلة د. هيا الحوراني كانت من الفاعلين به ولديها نسخ من الخطط،  وفي اليوم التالي نشرت الدستور تحقيق يليق بالجامعة الأم، فشكرا أبا سعد أنك تمر بحكمتك مرات ومرات لأنك بحجم الندى والند الأردني. الذي لطالما أثرى به الراحل حبيب  الزيودي شاعر الجامعة والوطن صفحات الرأي الغراء.

 

هناك، على أقل من كيلومتر المسافة لا تذكر بين أعمدة الحكمة الأردنية والدستور والرأي ولاحقاً الشعب والعرب اليوم وعمون التي هي على مقربة لصيقة،  وعلى مقربة كبيرة كذلك الأيام الحديثة العهد والتي تنازع لاجل البقاء، وقبلها  كانت الشعب والأسواق، هذا الشارع مع أنه شارع مستقبل ومعرفة، فهو ذاكرة وتاريخ للكلمة.

وسمعت من ثلاثة أشخاص أن الراحل الحسين كان اوائل التسعينات قد بارك مشروع جديدة باسم جريدة النهضة والاجتماعات التي عقدت في الجمعية العلمية الملكية يومها كان د هاني الملقي مديرا لها، وممن يعرفون بالأمر، د خالد الكركي فلديه بعض تفاصيل وكذلك العزيز د زياد الزعبي والدكتور عدنان البخيت.

عودة للقباب وزمن الجميد الذي تصنع ولائمه اليوم الرأي العام للأسف، وتٌصنع معه بعض النخب، ولا أدعي أن في الرأي شخص لا يحب الجامعة الأم، كيف يحدث هذا وفيها كتّابها وأبانها ومنهم المتيم عشقاً بكل شجرة سرو الصديق عبدالهادي المجالي الذي كتب اجمل ما لديه عنها، وكيف لا وفيها إرث حبيب الزيودي، شاعر الجامعة وكاتب الرأي، وآخرين من كبار واحبة، وتظل الرأي كل الدولة وهي الدولة، التي نحب ونعتب ونخاف عليها ونشتاق إليها، ولا سبيل إلا حُبها لاكتمال النهار الذي لا يكون تاماً إلا بالدستور وبها.

هذا عتب كل الأحبة، وكل السرو والقباب، ولكن القباب لم تكن شعلتان، بل أن الراحل الأسد حين قرر الشكل اختار الطراز الهندي في زمن السلطان محمود الغنزوي ليكون لافتاً المدخل في قبابه، وآنذاك قيل له أن الناس يشبوهنا ب” النهود” ، فقال: لا سيصير أهم معلم، وبالفعل اصبحت بوابة الجامعة الاردنية اهم معالمها، ولو أرادت الجامعة ارسال تذكار يعرفه كل العالم ويكون دال عليها لارسلت بطاقة معايدة تتضمن صورة بواباتها، وهي اليوم حين يزورها ضيف تهديه إما درع الجامعة أو مجسم البوابة.

والبوابة تاريخ وناس، تقول هنا الأردنية أم الجامعات وأم العبث وام العشاق والحركة الطلابية وأم العلم والعلماء، هنا مشروع الحسين العظيم الذي أراده حلما وهدية وتبرع من نقوط زفافه الأول مبلغ خمسة آلاف، هنا مشروع حابس لاستكمال الاستقلال، وهنا إرادة وصفي الشهيد في الانجاز والبناء لاكمتال الدولة.

لا أظن أن الجامعة اليوم راغبة بتدبر رد عبر جهازها الإعلامي ولا رئاستها التي لا تحب خوض معارك الردود من باب الحكمة، ولكن ليس من أحد عاش بالاردنية وعمل بها يستطيع التنصل من الرد والدفاع عن مشاريع الدولة وتاريخها، ومؤسساتها، ولا أظن أن أهل الرأي يطيقون ما نشر، ويقبلون به،  حتى لو صمتت إدارة وعلاقات وإعلام الجامعة فنحن أبنائها، ولها علينا حق الحب والدفاع عنها.

وللرأي منا الحب ، وحق الدفاع عنها لو أن احداً أساء لها بقصد او غير قصد، فهي موطن من مواطن المحبة والسياسية الأردنية، و لها عتب منا، وعتب من الحسين ووصفي وحابس ومائتي وخمسون ألف خريج، وتاريخ من العلم الذي أهين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *