موسى حجازين: “سمعة” ما تبّدل ولا طبّع

27 أكتوبر، 2019

 

 

د.مهند مبيضين

يحافظ الفنان موسى حجازين على حضورة الوطني المشع، في زمن الربيع العربي وقبله، ويمسك بعصا الاعتدال والنقد معاً، لكنه يفيض وطنية مقدرة، فيحترمه الناس لأنه ما تَبدّل ولا طبع، وظلّ وفياً لجمهوره العريض وطنياً وعربياً.

القرية ما تزال تسكنه وتعيش داخله، ولها فضل كبير في تشكل وعيه، وبالرغم من أنه يعيش في عمان منذ فترة طويلة، إلا أنه لم يستطع الانسجام معها.
إنه الممثل موسى جزاع حجازين، أو “سُمعة” كما عرفه الأردنيون؛ ضاحكا بمرارة، باكيا بصخب، ومنتقدا حتى أشد النقد إيلاما.
بدايته كانت في مدرسة القرية، عندما كان يقلّد معلميه وبيئة القرية، وما فيها من أصوات الطبيعة كصوت الرياح والرعود.
يدهشك سمعه بتواضعه، ونقده الصارم للأحوال السياسية في الاردن، وهو الفنان المنتمي الذي “لا يخشى شيئا على الأردن غير أولئك الذين لا يحبوه”.
إلى جانب تمسكه وحبه لفنه، يشعر أن الاندماج في العمل الخيري والتطوعي جزء من واجب الفنان على مجتمعه.
ولد في قرية السماكية بمدينة الكرك في الثاني من شباط (فبراير) العام 1955، وهناك كانوا ينادونه “خالد”، فاسم موسى “فقط على الورق”.
اجتاز امتحان القدرات في وزارة التربية والتعليم، وسافر إلى مصر لدراسة الموسيقى وكان من رفاقه، سحر العدوان وفتحي عبده موسى وخالد خريس.
وفي جامعة حلوان تتلمذ على يد قائد الفرقة الماسية الراحل أحمد فؤاد حسن، وعاد بعد خمسة أعوام بشهادة التربية الموسيقية، وعمل مدرسا للموسيقى في المدارس الأرثوذكسية.
لمع نجم “سمعه” للمرة الأولى في مسلسل “حارة أبو عواد”، ثم في مسلسل “الشريكان” مع الراحل حسن ابراهيم “مرزوق”، ثم في مسلسل “العلم نور”.
“أبو صقر” ليس ممثلا فحسب، فهو عضو في فرقة الفحيص للفنون الشعبية، وعازف بارع على آلة العود؛ يغني بصوت جميل يميل إلى الحزن، ويذكّر بصوت الفنان السوري دريد لحام، عندما كان يغني في مسلسل “صح النوم”.
أعماله المسرحية تعكس نبض الشارع: “شي غاد”، “زمان الشقلبة”، “سمعة في أميركا”، “حاضر سيدي”، “ابتسم انت عربي” و”موطن حسب الطلب” التي رصدت أحداث الخبز العام 1997، والقائمة تطول.
حجازين يرى أن لمعلميه في قريته السماكية فضل كبير عليه، بإعطائه مجالا واسعا للإبداع، متذكرا وجيه سحيمات، حامد جرادات وعبدالله توفيق المجالي. يقول “كانوا يسمحون لي بالخروج عن نطاق الحصة”.
عودته لحديث البدايات جعلته يتذكر أن والده كان يعارض احترافه الفن “لم يكن مقتنعاً أن أجلس وأضحك الناس، أو أطلع منكت، كان يستغرب قدرتي على السخرية، ويقول لي: إثقل”.
قريته “السماكية” برأيه “جميلة جدا”، وأن “الحياة فيها ما تزال أفضل وأبسط”. ويجد أن الحياة في السابق أكثر ألفة “وما كان فيه ناس فوق وناس تحت”، وإنما “كان الخلق كلهم واحد، وكان الفقر مصدر كرامة”.
الفقر برأي الإمام القشيري يكون دوما في خدمة الحرية، وكذلك يراه حجازين “علمنا الفقر أن نقنع بالموجود”.
ماتت أمه وهو ما يزال طفلا صغيرا ” كنت في الصف السادس، وكان عمر والدتي 29 عاما، أما والدي فقد مات وعمره 72 عاما”.
في العام 1985 ولج المسرح من خلال مسرحية “شي غاد”، ثم قدمه محمود الزيودي لفريق مسلسل “حارة أبو عواد” وهم المخرج روفائيل بقيلي، ونبيل المشيني. ومنه كانت الانطلاقة، يقول موسى “أبو عواد قدمني محلياً وعربياً”.
في أولى حلقات أبو عواد أعطي دور إسماعيل، ولما أعجب المخرج بأدائه، أعطي حلقات أخرى، ومع مرور الحلقات صار اسمه “سمعة” بدلا من اسماعيل.
بعد حارة أبو عواد كانت تجربته في المسلسل الاجتماعي “العلم نور” من إخراج روفائيل بقيلي أيضا، و”كانت خلافاتنا في أبو عواد سببا في دفعنا إلى العلم نور”.
الحياة عند سمعة “رفقة وصحبة، ورفيق الدرب المحبب كان الراحل حسن ابراهيم”.
تجربته مع “مرزوق” يصعب أن تستنسخ مرة أخرى، فهو يرى أن تقديم نسخة عن أي فنان أمر صعب، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها.
ويؤكد أن “مرزوق خدم الهوية الفنية الأردنية”، ويتذكر بأسف وحسرة أن “مرزوق رحل من دون أي تكريم من أي مسؤول فني أو قريب من الثقافة”.
محطته التالية بعد “العلم نور” والأهم هي مسرحية ” هاي أميركا” من بطولته هو ومرزوق، التي كتبها محمد الشواقفة، ثم جاءت مسرحية “هاي مواطن” العام 1996، ثم “مواطن حسب الطلب” وبعدها “إلى من لا يهمه الأمر”، وأخيراً “حاضر سيدي” التي انتجت العام 2006.
بعدها اتجه إلى التلفزيون الأردني في عمل كرتوني “شوفت عينك” في كتابة مشتركة ساهم بها أحمد حسن الزعبي ومحمد البطوش ويوسف غيشان. وهو الآن في صدد عمل فني بالتعاون مع احمد حسن الزعبي لإحدى الفضائيات.
وينفي حجازين أن يكون وراء مسرحية “مواطن حسب الطلب” التي وجهت نقدا لاذعا لحكومة عبدالكريم الكبارتي إبان أحداث الخبز العام 1997، تدخل من أي طرف، بل يجدها حرية العمل التي لا تعتمد على التعرض لأشياء غير موجودة في المجتمع.
ويرفض أن ينتقد أحوال البلد في الخارج، بل يركز على “نقد أحوال السياسة اليومية والمعيشية”.
مطالعته قليلة “أنا أطالع الشارع الذي أنا منه، وأنزل بالسرفيس ليس رغبة بالتواضع بل لأنني هكذا، وعندما أرتدي الربطة أشعر أنني كذاب ومش طبيعي”.
يحب أبناء القرى ويروي كثيرا من تفاصيل حياتهم “أحبهم وأحب كفاحهم وأغار عليهم لأني ذقت نفس المرار معهم”، وكان يمشي إلى المدرسة مسافة عشرة كيلومترات يومياً، وكان والده يشتري له ولإخوته جزمة بلاستيك نوع “عصفوركو”.
يرى أن ابن القرية تصدمه المدينة؛ لأنه يخرج بطيبة قلب عالية وهو يسلم قلبه للمدينة، لكن تغير الحياة في المدينة يجعل أبناء القرى “يصطدمون مع الواقع”.
يرفض حجازين التماهي مع حياة العاصمة “أنا عايش في العاصمة وكأني في قرية، وبيتي كذلك”، وما يزال يجلس على فرشة “جنبية” وليس كنبة، وهو دائم الذهاب إلى القرية ولا يبتعد عنها.
يفسر انتماء غالبية الكتاب الساخرين في الصحافة الأردنية إلى بيئة قروية بقوله: “طبعاً هم أبناء قرى، فهل يمكن ان يسخر أبناء حي راق من شيء يتعبهم أو لا يريحهم، ربما يسخرون من تعطل إشارة ضوئية، أو تأخر مجيء بائع الحليب الطازج صباحاً، أو تأخر عامل الحديقة!”. وهو يتمنى أن يكون للساخرين الكتاب رابطة أو مكان يجتمعون فيه.
كثيرون هم الذين وعدوه، لكن لم يفوا بوعودهم، “أحياناً يكون معك دينار ذهب عندما تحكه تجد أنه فالصو أو حديد”.
وعن جمهوره العربي يقول “في دول الخليج يتبادلون حلقة سجلتها بعنوان: عطا يعلم زوجته السواقة”، ويفسر التقارب بقوله “جمهوري العربي في الخليج أقرب إلي من أي جمهور آخر”.
انخرط في العمل التطوعي والخيري، ولديه 25 طالبا مكفوفا من سن 6-11 عاما. واستطاع أن يدربهم لمدة عام على العزف والموسيقى العربية الأصيلة، وكونوا فرقة باسم “شعاع النور”.
اختياره لتنمية قدرات المكفوفين لأنهم “فئة مظلومة، فالناس يظنون أن الكفيف في حاجة لأن تدله على الطريق أو تساعده في عبور الشارع فقط، متناسين أن لديه جوانب إبداعية في حاجة لتنمية”. ويبين أنه ومن خلال مدرسة الفرير وكنيسة الفرير استطاعوا أن يؤمنوا لهؤلاء الطلبة فرصة تدريبية.
ولا يقف عطاء الرجل عند هذا الحدّ “نوفر دعما لمجموعة كبيرة من الأرامل ونصرف لهن حوالي 1000 دينار شهريا، ونفتح في كنيسة الفرير مشروعا سنويا هو “بيت الرجاء”، واستطاعوا أن يؤمنوا لهم خدمة طبية من دواء وعلاج وتعليم واستشارات قانونية للأرامل اللواتي لا معيل لهن، ونرفع شعار: “مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا””.
اهتدى إلى مساعدة المكفوفين من دون عناء. يقول “لدي هاجس بضرورة مساعدة تلك الفئة من الطلبة، ووجدهم في مدرسة عبدالله بن أم مكتوم وقد تعاون وأنجح الفكرة معه مدير مدرسة الفرير إيميل. ويذكر أحد الطلبة الذي لم يكن يتحدث مع أحد، وهو اليوم يعزف ويغني أجمل اغاني التراث.
“الحمد لله لا علاقة لي بنواب أو وزراء أو حزب معين”. ويعتقد أن مجلس النواب لم يكن أداؤه جيداً، ويجد أن مستقبل المسرح الأردني غير واضح، “للأسف ليس لدينا ثقافة مسرح، وكلما جاء وزير ثقافة متحمس يذهب بسرعة من دون إنجاز يذكر”.
حجازين كان في لجنة ملكية لتطوير المسرح “عندما اجتمعنا بعد عشرة أيام طارت الحكومة، ولا متابعة اليوم”.
يطال النقد عنده الحكومة ومؤسساتها “التلفزيون الأردني مقصر مع كل فنان أردني وأنا آخرهم”.
الفن وفّر له راحة غير دائمة “فمثلاً, آخر مسرحية كانت لي بعد تفجيرات عمان في العام 2006، للأسف بقينا ستة أشهر بلا عمل”، إذ تعطل ذهاب الناس للمسرح، لكن الفن جعله يدرس أولاده في مدرسة جيدة، ويرى أن تقدير الملك عبدالله الثاني له بمنحة وسام الاستقلال العام الماضي هو اكبر دليل على أن الوطن لا ينسى أبناءه.
أفضل أعوام عطائه كانت بين عامي 1996-2007، “أحسست أني ماشي صح”، وهو يرفض أن يذهب لعرض مسرحي في إسرائيل “طبعاً لا أذهب. حدث أن عرض علي مبلغ ربع مليون لتقديم عروض في إسرائيل ورفضت. هذا هو موقفي”.
ابنته البكر “هزار” تعمل صيدلانية في مدينة الحسين الطبية، وخليل درس في أميركا إدارة أعمال، والصغير خلدون يدرس التصميم الجرافيكي في الجامعة الأردنية.
زوجته سعاد حجازين “بعيدة عني حوالي أربع جدود”، وتزوجها عن حب وقناعة، ويعترف أن لزوجته فضلا كبيرا عليه.

في زمن الربيع العربي قدم مع الكاتب احمد الزعبي العمل المهم “الآن فهمتكم”، وتابع ويتابع نشر فديوهات نقدية مع تقارب.

 نشرت هذه الصورة في جريدة الغد بتاريخ 

29/3/2009 وتم تحديثه لغاية موقع بلكي نيوز

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *