موكب الرؤية وهلال رمضان

19 مايو، 2018

تختلف المطالع الفلكية للكواكب في العالم الإسلامي اختلافاً ظاهراً، خصوصاً الشمس والقمر. ويتفق الفقهاء على وجوب مراعاة التوقيت الخاص في كل بلد في العبادات كلها، فلا يصلي أهل بلد أي وقت من أوقات الصلوات الخمس بحلول ذلك الوقت في بلد غير بلدهم، بل عليهم أن ينتظروا حلوله شرعاً وفق مطلع البلد الذي يقيمون فيه، إلا في بداية الصيام أول شهر رمضان وفي نهايته، فقد أباح الفقهاء هنا قولاً وعملاً متابعة من تثبت رؤية الهلال في بلدهم أول شهر رمضان وفي نهايته، شرط الاشتراك بينهم في جزء من الليل أو النهار، وقد حدث هذا في عصر الخلفاء الراشدين فصام أهل الحجاز يوم السبت وصام أهل الشام يوم الجمعة تمسكاً بمطلع كل بلد. ولو كانوا جميعاً صاموا يوم الجمعة أو السبت لكان صيامهم صحيحاً، لأن التمسك بالمطلع في هذه الفريضة ليس واجباً كما تقدم وقد نسبت هذه الرواية لابن عباس.
* موكب الرؤية:

كان موكب الرؤية، حتى سبعينات القرن العشرين، يتم في معظم العواصم والأقاليم، وكان ترتيب الفئات المشاركة فيه، وتحديد مساره، أصبحا معتادين من فرط التكرار كل عام. ولذا كان الجمهور المشاهد يتجمع وحده على جانبي المسار انتظاراً لوصول الموكب المتوقع. وكان الموكب ينطلق بعد صلاة العصر يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان من موضع التجمع، الذي قد يكون ذا دلالة تاريخية، مثل بيت القاضي أو الساحة المواجهة للمسجد الجامع. ويدور الموكب دورة طويلة يجتاز فيها شوارع المدينة الرئيسية ونواحيها، ويمر بأسواقها إلى أن يصل إلى الساحة المقابلة لمبني المحافظة أو مبنى رئاسة الإدارة المحلية في المدينة. وعادة ما يكون ختام الدورة الأولى عند المغرب، حيث يتم التأكد من نتيجة استطلاع هلال رمضان، وما إذا كان اليوم التالي يوماً مكملاً لشهر شعبان أم سيكون غُرَّة رمضان. فإذا كان غُرة رمضان، بدأت الدورة الثانية من الموكب ليتبادل الناس التهنئة والمباركة بحلول الشهر الكريم. وليقوم المسؤولون بتوزيع الهدايا أو ما أشبه. ومن ثم ينصرف الجمع للإعداد لدخول شهر رمضان.

ويتكون هذا الموكب عادة من ثلاث فقرات:

الفقرة الأولى: تحوي المشاركة الرسمية ممثلة في طابور عرض عسكري يُرتدى الزي الرسمي، ويسير في مشية استعراضية، ثم كوكبة من الخيالة تمشي خبباً، ثم فرقة من الموسيقات النظامية تعزف المارشات.

الفقرة الثانية: تحوي مشاركة الطوائف والطرق وبيارقها المُتَايزة وبألوان أقمشتها المخصوصة، وإيقاعات دقاتها وآلاتها المعهودة، مع الذكر والتفقير في أثناء المسير.

الفقرة الثالثة: تحوي ما يمكن أن نسميه المشاركة المدنية، وتعتمد على مشاركة الأهالي أنفسهم، وخصوصاً أرباب المهن والحرفيين التقليدين. وتتوالى عربات الكارو التي تجرها الخيول، ثم حلت محلها سيارات النقل (اللوري) ونصف النقل بديلاً لعربات الكارو. وعلى سطح تلك المركبات الأشبه بخشبة المسرح، كان أبناء كل حرفة يتمثلون كيفية مزاولتهم لحرفتهم. لكنهم كانوا يستخدمون مُعدات وأدوات مكبرة. وقد يعمد بعضهم إلى صور من التمثيل الكاريكاتور وابتكار المشاهد الساخرة. وعموماً، كانوا يفتنون بأساليب مختلفة في أداء هذا الاستعراض. وربما لحق بمجموعة الحرفيين هؤلاء عدد من المقلدين والمتنكرين ومثيري المرح والدعابة. فمنهم من يصبغ وجه بالدقيق أو اللون الأبيض، أو يرتدي ما تواضع عليه بأنها ملابس الشعوب الأخرى الغربية كالهنود الحمر وما إلى ذلك.

يصف ابن إياس موكب الرؤية عام 920هـ قائلاً: «وأما في ليلة رؤية الهلال فحضر القضاة الأربعة إلى المدرسة المنصورية، وحضر الزيني بركات بن موسى المحتسب، فلما ثبتت رؤية الهلال وانفض المجلس ركب بركات من هناك. فتلاقاه الفوانيس والمنجانيق والمشاعل والشموع الموقدة، فلم يحص ذلك لكثرته. ووقدوا له الشموع على الدكاكين وعلقوا له التنانير والأحمال الموقدة بالقناديل من الأشاطيين إلى سوق مرجوش إلى الحباشية، إلى سويقة اللبن، إلى عند بيته. ثم يتوجه القضاة الأربعة والمحتسب إلى السلطان، لتهنئته بحلول شهر رمضان. ثم يعرض الوزير والمحتسب اللحم والدقيق والخبز والبقر والغنم على السلطان (تموين الولائم السلطانية).

كما جرت العادة حيث يحمله الحمالون على رؤوسهم وأمامهم الطبل والمزامير، ويمر هذا الموكب في طرقات القاهرة المضاءة بالفوانيس والشموع المعلقة في الشوارع والدكاكين. كما كان الناس يطلقون البخور على طول الطريق».

كان هذا وصف ابن إياس لموكب العاصمة والدائرة المرتبطة بالسلطة العليا. أما ابن بطوطة فيصف موكب مدينة صغيرة في ريف إقليم الغربية هي– أبيار- فيقول: «ولقيتُ بأبيار قاضيها عز الدين… حضرتُ عنده مرة «يوم الركبة»، وعاداتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين من شعبان بدار القاضي. ويقف على الباب نقيب المتعممين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلاً: باسم الله، سيدنا فلان الدين، فيسمع القاضي ومن معه، فيقومون له. ويجلسه النقيب في موضع يليق به. فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب من معه أجمعون وتبعهم جمع من المدينة من الرجال والنساء والصبيان. وينتهون إلى موضع خارج المدينة وهو مُرتقب الهلال عندهم. وقد فرش ذلك الموضع بالبسط والفرش فينزل فيه القاضي ومن معه. فيترقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس. ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع. ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون. هكذا فعلهم في كل سنة».

وقد مر الاحتفال بموكب رؤية هلال رمضان بأطوار وتنويعات وصور مختلفة تغيرت فيها معالمه، كما تبدلت فيها وظائفه بالنسبة إلى المجتمعات الشعبية التي مارسته، لقد انتقل الاحتفال من مجرد قيام عدد محدود من الأفراد بالتوجه إلى مكان خلوي أو مرتفع يتيسر فيه إمكان رؤية بزوغ أول هلال من قمر شهر رمضان. ثم يعود هؤلاء المستطلعون للإدلاء بشهادتهم على رؤية الهلال. ثم أصبح القاضي عنصراً محورياً في هذه الجماعة الاستطلاعية، الأمر الذي أضاف بعض المراسم. ثم دخل المحتسب محوراً آخر، الأمر الذي وسع من مراسم الموكب الاحتفالي وإجراءاته ووظائفه، وقد تعددت هذه الوظائف الجديدة وتحور بعضها، وتبادل بعضها البروز إلى أمامية الصورة أو الانسحاب إلى الخلفية. وأصبح للموكب طابعه الكرنفالي الحاشد الذي تجاوز الاقتصار على الدور الإعلامي عن هلال رمضان. وبذا اندرج موكب الرؤية مع المواكب الأخرى التي تجري في المناسبات الاجتماعية والاحتفالية الدورية التي تنظمها المجتمعات الشعبية، والتي تمتد من أسلاف لها تعود إلى عهود سابقة، كما تُوفّق أوضاعها مع حاجات المجتمعات الشعبية ومستحدثاتها.

هلال شهر رمضان

استوجب صوم شهر رمضان العناية بأربعة أنواع من الأهلة، وهي هلال شعبان «لارتباطه بأول رمضان» وهلال الشك. ويوم الشك هو اليوم التالي للتاسع والعشرين من شعبان ويقع فيه الشك، لأنه إما يكون مكملاً لشعبان ثلاثين يوماً، وإما أن يكون أول أيام رمضان. وهلال رمضان. وهلال شوال وهذه القيمة الدينية للأهلة استتبعت قيمه أدبية أخرى فكثر وصف الشعراء للأهلة الثلاثة الأخيرة على مر العصور، فهلال شعبان العناية به دينيه بحتة (في الأشعار الشعبية التي تقص أخبار الزناتي خليفة وأبي زيد الهلالى يوصف الوجه الجميل بأنه كهلال شعبان، وقد التفت البعض إلى هذا المعني فثبت لديهم أن هلال شعبان يبدو غاية في الإشراق، بصورة تميزه عن سائر الشهور، وتجعله هلال شعبان بلا جدال).

أما هلال رمضان فتعنى به الدول الإسلامية وشعوبها عناية فائقة وترصد مطالعة حتى تتثبت من رؤيته، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى هلال رمضان قال: «اللهم أجعله هلال رشد وخير آمنت بالذي خلقك» ثلاث مرات، ثم يقول: «الحمد لله الذي ذهب بشهر شعبان وأتى بشهر رمضان».

وهلال رمضان في أغلب أحواله نحيل، وينبى على نحوله أن تراه عيون، ويغم على عيون.

يقول ابن حمد يس الصقلي:

قلت والناس يرقبون هلالاً

يشبه الصب في نحافة جسمه

من يكن صائماً فذا رمضان

خط بالنور للورى أول أسمه.

لذا كان الخلفاء والأمراء يخرجون إلى الأماكن العالية مع القضاة والشهود لرؤية هلال رمضان: يقول الأصمعي:» صعدت مع الرشيد رحمة الله عليه ننظر هلال رمضان». وذكر السيوطي في «حسن المحاضرة» أن «أول من خرج لرؤية الهلال في مصر القاضي غوث بن سليمان الذي توفى عام 168هـ، وقيل إن أول قاضي خرج مع الشهود لرؤية الهلال هو عبدالله بن تهيعه الذي تولى قضاء مصر سنة 155هـ. عندما خرج بنفسه لرؤية الهلال بفعل اضطراب وقع الناس فيه، إذ أكد بعضهم رؤية الهلال، والبعض نفاها».

وحافظ سلاطين المماليك على الاحتفال بليلة رؤية هلال رمضان. ففي عام 920هـ، وفي عهد السلطان المملوكي الأشرف قانصوه الغوري، خرج جميع كبير من العلماء والوجهاء يتقدمهم قضاة المذاهب الأربعة في المدرسة المنصورية، وحضر- الزيني بركات بن موسى- المحتسب فلما ثبتت رؤية الهلال وانفض المجلس ركب المحتسب ومشى أمامه السقاؤون بالقِرَب وأوقدوا الشموع في الدكاكين وعلقوا المواقد والقناديل علي طول الطريق إلى بيت المحتسب.

ويروي المستشرق الإنكليزي- إدوارد لين– مشاهد رؤية الهلال في مصر عندما زارها سنة 1240هـ، فيقول إن «العادة جرت في مصر ليلة الرؤية أن يسير موكب المحتسب ومعه أصحاب الحرف كالطحانين والخبازين والجزارين تصحبهم فرق الموسيقي وجماعة من الجند. وعند سماع خبر الرؤية، يعود بعض الجند إلى القلعة ويطوف الباقون في أحياء القاهرة وهم ينادون بأعلى أصواتهم «يا أمة خير الأنام… صيام… صيام… صيام».

وقد ظلت عادة الاحتفال بالمواكب منتظمة في مصر حتى منتصف الخمسينات من القرن العشرين، ثم تلاشت تحت وطأة الضغوط المختلفة.

واليوم يرصد الهلال في جميع البلدان الإسلامية جماعة من الناس الموثوق بهم، وتعلن نتيجة الرصد رسميا دار الإفتاء عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.

نوادر في هلال رمضان

خرج أهل الشام لرؤيته فكانوا يحدقون في الأفق ولا يرون شيئاً، فصاح رجل من بينهم لقد رأيته فاستعجبوا من قوة أبصاره، وقالوا كيف أمكنك أن تراه من بيننا؟ فطرب الرجل لهذا الثناء، وصاح وهذا هلال آخر بجواره.

وكانت رؤية هلال رمضان وهلال العيد (شوال) من المهمات المكلف بها قاضي القضاة في العصر المملوكي، وحدث سنة 1511م أن أخطأ قاضي القضاة في الرؤية ما ترتب عليه أن الناس في مصر المحروسة أي (القاهرة)، صاموا يوم السبت، بينما صام أهالي الإسكندرية ودمياط يوم الجمعة. ونظراً إلى عدم وجود وسائل إعلام في ذالك الوقت لم يعلم الناس بهذا النبأ في حينه، وعندما علموا هاج الشعراء وما جوا فقال أحدهم:

يا قاضيا بات أعمي

عن الهلال السعيد

أفطرت في رمضان

وصمت في يوم عيد.

وقال آخر:

إن قاضينا لأعمي

أم علي عمد تعامي

سرق العيد كأن

العيد من مال اليتامى.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *