ميرمية وعد بلفور

20 نوفمبر، 2017

د. فيحاء عبد الهادي

“إذا كان المسرح أبو الفنون؛ فالحكاية هي أم المسرح”. ملتقى حكايا
*****
لماذا حرص مسرح الحارة أن يفتتح مسرحية “ميرمية” في الذكرى المئوية لوعد بلفور؟ رغم أن المسرحية تركِّز على تهجير عام 1948؟ ولم تتطرَّق إلى المرحلة الزمنية التي واكبت وعد بلفور؟
هل هي إشارة دالة من المسرح إلى أن ذاكرة الفلسطينيين سوف تبقى شاهدة على ما حدث في فلسطين، منذ بداية المؤامرة عليها أوائل القرن الماضي؟ وأن ما هو مسكوت عنه هو الأقوى ضمن روايتهم التاريخية؟
*****
اعتماداً على كتاب “ذاكرة حيّة”؛ عرضت المسرحية شهادة ستة مهجِّرين عام 1948؛ حياتهم الجميلة قبل اقتلاعهم من بلادهم، وعذابات رحلة التهجير، وحنينهم وإصرارهم على العودة مهما طال الزمن.
وبناء على رؤية مخرجة المسرحية المبدعة “ميرنا سخلة”؛ دمج الممثلان القديران: “فاتن خوري”، و”نيقولا زرينة”، بين الست شهادات، في ربط بين الذاكرة الفردية والجماعية، وفي إشارة ذكية إلى العلاقة التي لا تنفصل بين الحقوق الفردية والحقوق الجماعية لأبناء الشعب الفلسطيني.
استعانت المخرجة بالحواسّ الخمس لتقديم العمل المسرحي. سمعنا موجزاً توثيقياً عن حياة أصحاب الشهادات، وعن قراهم وبلداتهم التي اقتلعوا منها، في بداية المسرحية وفي نهايتها، وتخللت الموسيقى والأغنيات أحداث المسرحية. سمعنا أصوات الرّصاص وقذائف الطائرات التي ألقيت على رؤوس المهجّرين، إبّان رحلة التهجير المرعبة. شاهدنا صوراً للرواة معلقة فوق جدار من حديد، وسلكاً طويلاً شائكاً ملتوياً، وشجرة زيتون، وبابوراً وآلة تسجيل قديميْن. أما الميرمية التي كانت تغلي على البابور؛ فكانت رائحتها تفوح في الجو منذ دخلنا إلى المسرح حتى غادرنا.
*****
بواسطة فن المسرح؛ استطعنا مشاركة الراوية “فريال أبو عوض” الغناء والرقص والطعام وجدّ الزيتون، مع عائلتها ومع الشغيلة، تحت الشجر، وفي الهواء الطلق، في بيت جالا، وقبل كل ذلك تلمسنا نوعية الحياة الجميلة التي كان يعيشها المهجّرون في بلادهم:
“شو إشي حلو جتّ الزيتون! نغنّي مع الشغّيلة، أمي تسوّي لهم أكل، وتطعم الشغّيلة، ونوكل معهم. أبوي وإخوتي كانوا معانا، ، كانوا إخوتي يقعدوا يوكلوا مع الزلام وإحنا مع النسوان. كل العيلة نطلع مرَّة وحدة، عشان نخلِّص في ساعة، ونودِّيه على الماكينات، درس الزيتون، كنا نشتغل كل الليل، عشان الزيتون. كان عنا عنب، وكان عنا تين، بس كانت أمي تسوّي قطّين جرار، تهدي الجيران. كان عنا طابون، نطبخ ونسوّي خبز طابون. أنا طفولتي بتذكرها حلوة”.
*****
شكلت الأرض بطلاً رئيساً في المسرحية؛ ترابها الذي كان ملعباً للرواة في طفولتهم، وخيرها الذي لا ينضب؛ شجرها الذي يطرح فاكهة وخضرة وأعشاباً برّيّة، ووروداً وأزهاراً، وباطنها الذي يتفجّر ينابيع ماء، وقبل كل ذلك شعب فلسطين الذي يملؤها ضجيجاً وحياة.
تداخلت أصوات الرواة وتقاطعت، وأطلّوا علينا بذكرياتهم الجميلة والمرّة، التي أرادوها أن تستقرّ في الذاكرة، والتي شكّلت دافعاً لهم للتشبث بحلم العودة أكثر وأكثر.
أطلّ علينا الراوي “حمدي مطر” ليحدّثنا عن قالونيا/كالونيا؛ القرية التي اشتهرت بينابيع الماء:
“الينابيع مشهورة بكالونيا، كان فيها 12 عين ميّ، كلها نبع، مش آبار، كانوا أهل البلد متفقين إنه كل واحد يأخذ مَيّ حسب مساحة أرضه، ناس ست ساعات، ناس 12، ناس 18، وكانت الحياة من أهدأ ما يكون، وعمره ما صار مشكلة بين الناس”.
وأطلَّت “رشيدة فضالات” لتحدِّثنا عن الخير لذي كان ينعم به أهل “عراق المنشية”: “كنا الخير الّلي كنّا فيه ما كانش حدا فيه! كنّا نروح نحمل نجيب من الصّبر نقطّع ونوكل، المشمش كنّا نسطحه، ونعمله زيّ القمردين انّشّفه. كان القمح في الدار، الشعير في الدار، أكل الدّواب في الدار، السمن في الدار، اللبن ومشتقاته في الدار، كل شي كان موجود عندنا”.
وذكَّرت “لبيبة عيسى” بعمل النساء في قريتها: “بصفورية؛ كانت النسوان يروحوا يجيبوا حطب، ويعجنوا ويخبزوا، ويجيبوا ميرمية، يجرّدوها ويبيعوها، ييجوا ناس يشتروا ميرمية، من شان يستعملوها دوا”.
وأكَّد حديثها “أمين محمد عبد المعطي”، ابن صفورية: “النساء كانوا يتحملوا مسؤولية كبيرة، وبتوازي مسؤولية الرجل، لأنه كانت تشتغل في البيت وبالخلف، وكانت تشارك الرجل في الزراعة وفي الحصد وفي الحراث، تشتغل 12 ساعة 13 ساعة 15 ساعة، ما كان فيه كثير نساء مستتات وقاعدات”.
لكنّ “فريال أبو عوض” أحبت أن تذكِّر أن الموقف من النساء لم يكن وردياً تماماً. ذكَّرت بالموقف المتشدد منهن في الحياة الاجتماعية:
“كنت أروح مع أبوي على بيت لحم وأنا صغيرة، أختي الكبيرة كانت حابّة تروح على السينما، أخذنا أخوي على القدس عشان نشوف فيلم، إنتوا البنات، شو الفيلم اللي بدنا نورجيكم إياه؟ بِحبّوش ولادنا يفرجوا للبنات أفلام، ولا حب ولا إشي، أخذنا أخوي فرجانا فيلم طرزان”.
ومن وراء الجدار الحديدي على المسرح؛ نظر إلينا “محمد القاضي” (أبو ناصر) نظرة موجعة حدّ البكاء؛ تذكِّر بوقائع التطهير العرقي التي لم تغب عن ذاكرته يوماً:
“اللي ضلّ في القرية (كوكبا) كبار السن، أول عمل نسفوا بئر القرية، قتلوا هدول الكبار وألقوا بجثثهم في بئر القرية؛ بس اتدمَّرت كل القرية، مسحوها وأصبحت جزء من الأرض، مكان هذه القرية الآن غابة، غابة من الأشجار”.
وعبَّرت “لبيبة عيسى” عن اعتزازها ببلدها، وحلمها بالعودة: “إحنا فلسطينية، الحمد لله إحنا بنعتز بفلسطينيتنا، حلمي إنه نرجع ونعيش هناك إحنا وولادنا! بتمنى نرجع ونموت هناك!”. وتختتم المسرحية بعبارة دالة: “ما فش إشي مستحيل، ما فش إشي مستحيل. ما فش إشي مستحيل”.
*****
نجحت المسرحية في الحفر في ذاكرة مرحلة التهجير، ونجحت في إثارة الأسئلة حول الذاكرة الأبعد، وفي التحفيز لمعرفة المزيد عن حياة الرواة في بلاد اللجوء؛ مما ورد في رواياتهم التي وثقتها مؤسسة الرواة للدراسات والأبحاث، ونشرت في كتاب “ذاكرة حية”، ومما خبّأه الرواة في أعماقهم، ولم يبوحوا به بعد؛ الأمر الذي يؤكِّد أهمية الاستمرار في المشروع الذي يكشف ويُلهم ويضيئ ويحرِّر، مشروع توثيق الذاكرة الفلسطينية، بوسائط علمية وأدبية وفنية متعددة.

  • عن الأيام الفلسطينية

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *