نهار الطحان… وبابور المزار الجنوبي وذاكرة الناس

16 ديسمبر، 2017

د. زيد النوايسة

بابابور المزار وصوته الحزين الذي سرق في غفلة منا ولكن صداه باق في الوجدان…
لكل قرية مخزون ذاكرة يلتصق بها ويظل جزء من ذاكرتها المكانية والشفهية….
كان اهم استثمار اهلي في سالف الايام في القرى الاردنية هو “بابور” الطحين اي المطحنة الحجرية على الديزل
فالناس مصدر رزقها وغذائها هو طحين الشعير وللطبقة الثرية القمح او الحنطة…
اول من بدء الاستثمارات في هذا المجال بعد انهيار الدولة العثمانية وقيام الامارة في منطقتنا المرحوم الحاج صالح الطراونة وهو من اعيان المنطقة والاثرياء وهو اول من احضر البوابير من الشام لمعظم مناطق الكرك والجنوب وكان يستورد القمح والطحين من دمشق بالقطارات “الترين”…
اما بابور المزار فلقد احضره تحالف تجاري وعائلي من اعيال المرحوم “اعوض الطراونة” من الشام في العشرينيات من القرن الماضي وكان قبله بابور العلاوي في مؤته، لكن بابور المزار اشتهر واكتسب اهمية فكل البدو الوافدين من اقصى الجنوب كانوا يقصدونه فهو الاحدث وطحينه موصوف بجودته…
لكن اكثر ما تختزنه الذاكره صوت طاحونة الحجر الموسيقية والذي كان يميز المزار البلدة الوادعه فبمجرد ان تدخلها من اي اتجاه تسمع صوته الخجول وكأنه يشعرك بأن العلاقة هنا مع القمح والقمح قديما كان الهة الخصب والخير.. ،وترى تجمهر الناس يوم الجمعه امامه الكل ينتظر دوره حتى ينتهي من طحنته ويدلف الى مسجد سيدنا جعفر ويصلى الصلاة “الجامعة” ، فالجمعة في المزار ليست صلاة وتعبد فقط بل هي طقوس يمارس فيها المتخاصمين حلف يمين “الباطل” على خلاف مالي على مال او قطعة ارض ويجتمعوا في الركن الغربي من المسجد، وتأتي النساء الباحثات عن الامل او الموفيات لنذر الى ذلك المسجد الذي يجاور البابور…

لا يتوقف صوت البابور عن الموسيقي الا عندما يقرر القائم عليه المرحوم محمد بن عقله القطاونة او ابن عقلة كما يسميه الوافدين للمزار الا عندما يصدح صوت المؤذن الذي يخترقك ايماناً وخشوعاً وهو المرحوم عيد بن فلاح القطاونة احتراما ومهابة لنداء الأيمان…

بعد صلاة الفجر وشرب الشاي في دكان عمي المرحوم الحاج حمود بن حسين النوايسة وبعد الاجتماع الصباحي الاول لتجار ذلك السوق الاقدم والاشهر، تنظلق اصوات احجار البابور معلنةً ان المشوار بدءا فنهار الطحان نهار طويل كما يقال، فالناس ينتظروا شرارة البدء يتزاحمون للحصول على دور حتى يطحنوا ويعودوا الى قراهم وبواديهم باكرا ويخبزوا لاهلهم واطفالهم….

امام هذا البابور كانت بقالة هاني سالم القطاونة التي كانت تعتبر”كارفور” المزار في ذلك الزمان فكل شيء فيها حتى احجار القداحه( حسب تعبير الناس ايامها) وكأنها سلاح نووي مركز مهماً لتسوق الوافدين حيث الحلقوم والحلوة وكعك القرشلة(ايامها القرشلة كانت اكتشاف جديد)…

هذا جزء من الذاكرة التي سرقت منا بغفلة تحت شعار تطوير المقامات وكان بالامكان ان تتطور دون تدميرها فلقد دمروا البابور ودمروا معه كل الذكريات الجميلة، فلم يعد نهار الطحان نهار….. أخطر شي هو مسح الماضي الجميل …
الشكر موصول للاديب نايف النوايسة الذي وثق بعدسته صورة البابور وغيره.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *