هــجــــاء الثــائــريــــن

17 أكتوبر، 2015

ياسر الزعاتره

ما بين شيوخ بائسين(وهم قلة للأمانة) يطالبون الفلسطينيين بالصبر لأننا في مرحلة ضعف، وبين نخب أكثر بؤسا ترفض منطق النضال بالسكين؛ تارة لأنه يشوّه النضال، وتارة لأنه بلا أفق.. بين هؤلاء وهؤلاء يواصل الفلسطينيون ثورتهم بما تيسر لديهم، إن كان سكينا أو حجرا أو سيارة يدعس من خلالها أعداءه. ومع هؤلاء يواصل “زعيم الفلسطينيين” تنظيراته برفض المقاومة “العنيفة”، وتأييد “النضال الشعبي”، من دون أن يقول لنا ما هو ذلك النضال، وهل هو الرقص في شوارع رام الله بعيدا عن حواجز الاحتلال، متجاهلا أن مصطلح النضال الشعبي إنما يعني في قاموس الشعوب الحرة اشتباكا مع حواجز الاحتلال ومستوطنيه ورموزه. لم يختر الفلسطيني السكين وهو يعلم أنه يغامر بالموت، وأقله المكوث في الأسر سنوات طويلة.. لم يختره وهو يملك الصواريخ النووية، بل اختاره لأن التعاون الأمني والحصار الشامل لم يترك له سواه، فيما لم يجلب له أبطال المفاوضات، ورفض “العنف” سوى سلطة تعمل في خدمة الاحتلال ليل نهار، وتريحه من العبء الأمني والسياسي والاقتصادي للاحتلال، وتمنحه ما وُصف بأنه “احتلال ديلوكس” بحسب تعبير كتاب صهاينة. الاحتلال هو أصل الجرائم، وسواءً مارس العنف والاستيطان والتهويد، أم لم يفعل، فإن مقاومته واجبة، لكننا إزاء احتلال لا يتورع عن الذهاب إلى أبعد مدىً ممكن في الاستيطان والتهويد والإذلال، ومن الطبيعي أن يرد عليه الفلسطيني بما تيسر.

بالسكين وحده، فرض الفلسطيني على العالم تذكُّر قضيته، وعلى نتنياهو أن يطالب وزراءه بعدم زيارة الأقصى، وقد كان يدافع عن ذلك بعناد، كما فرض على نخب كثيرة الحديث عن أن استمرار الاحتلال هو أصل المشكلة، بل وصل الحال ببعضهم حد المطالبة بالانسحاب من القدس الشرقية. فهذا أوري سافير، وكيل وزارة الخارجية الأسبق، يقول في مقال نشره موقع صحيفة “معاريف” مساء الثلاثاء، إن محاولة إسرائيل فرض سيادتها على القدس أفضت إلى “الهبة الفلسطينية العنيفة التي فجَّرها شباب يافع”.وشدد على أن الإصرار على الاحتفاظ بـ”القدس الشرقية” يتعارض مع المصلحة الإسرائيلية؛ لأن الفلسطينيين لن يسلموا ببساطة بالأمر. لن تجد مثل هذه الدعوات آذانا صاغية في الوقت الراهن، تبعا لإجماع صهيوني على قضية “الهيكل”، لكن الأمر يمكن أن يتغير لو تجاوزت الانتفاضة حدود قدرة العدو على الاحتمال.

إن منطق الشعوب في التعامل مع الاحتلال لا يرتبط بلغة موازين القوى في حروب الجيوش، ولو كان هذا المنطق هو الحاكم، لما تحرر شعب من الاحتلال والاستعمار في أي يوم من الأيام. وما يعرفه الجميع هو أن على الشعب الواقع تحت الاحتلال أن يجعل كلفة ذلك الاحتلال كبيرة بكل الوسائل، لكن المصيبة أننا إزاء سلطة أراحت الاحتلال من وجهه القذر (سياسيا)، ومن أعبائه الأمنية والاقتصادية أيضا. اليوم، يأخذ الفلسطينيون زمام المبادرة بما هو متاح بين أيديهم، ومع ذلك لا تكف تلك النخب البائسة عن هجائه، لكن الغالبية الساحقة من الشعب، ومن أبناء الأمة تقف إلى جانبه في انتفاضته التي لن تبقى حبيسة السكين إذا لم تنجح مؤامرة الأشقاء والأعداء في وأدها، إذ سيتطور الأمر كما حصل سابقا من السكين إلى الرصاص وحتى العبوات. هنا على أرض فلسطين شعب يعاني الحصار على كل صعيد، ويعاني التآمر من أكثر الأنظمة والمحاور الدولية، وهو رغم ذلك يأخذ زمام المبادرة ويقاوم بالمتاح، ما يفرض على الشرفاء من أبناء الأمة أن يقفوا إلى جانبه، ويردوا عنه مصائب المرجفين، فهذا أقل ما يمكن أن يقدموه له، مع أن لكل وسعه على صعيد الدعم والمؤازرة.

الدستور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *