يوميات عدنان أبو عودة… تصدر قريباً

24 سبتمبر، 2017

عدنان أبو عودة: غادرت التحرير الإسلامي إلى  الشيوعي (1-4)

حوار معين الطاهر ومعن البياري

24 سبتمبر 2017

يصدر قريبا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب “يوميات عدنان أبو عودة.. 1970- 1988”. ويضم في صفحاته الأولى، بعد مقدمةٍ لمحرّره، معين الطاهر، مقابلة مع صاحبه، السياسي والدبلوماسي الأردني، تضيء على ما لم تأت عليه اليوميات، ويجيب فيها عدنان أبو عودة على أسئلة عن طفولته، دراسته، بيئته العائلية التي نشأ فيها، انتسابه إلى حزب التحرير الإسلامي ثم إلى الحزب الشيوعي، عمله مدرّسا في الخليج، التحاقه بدائرة المخابرات العامة، بدايات علاقته بالملك حسين وكيف تطوّرت، وعلاقته المميّزة مع رئيس الوزراء الأسبق وصفي التل، وتفصيلات أخرى عن وقائع تالية تتابعت في محطات تجربته السياسية الخاصة، وفي مواقع ومسؤوليات تولاها.

وقد ولد عدنان أبو عودة في نابلس في العام 1933، ودرس في دار المعلمين في عمّان، ثم الأدب الانجليزي في جامعة دمشق، عمل في دائرة المخابرات العامة، وشغل منصب وزير الثقافة والإعلام والسياحة والبلاط على فترات بين 1970 و1988، وعيّن عضوا في مجلس الأعيان بين 1988 و1991، ومندوبا للأردن في الأمم المتحدة بين 1992 و1995، وأخيرا مستشارا للملك عبدالله الثاني بين 1999 و2000.
وتساعد المقابلة في مزيد من التعريف بشخص عدنان أبو عودة، وتجربته، وآرائه، وفي إيضاح وقائع تأتي عليها اليوميات. وهنا، في الحلقة الأولى من المقابلة، إضاءة على نشأته الأسرية، وتشكل وعيه الأول بقضية فلسطين، وعمل والده في مصنع للصابون في نابلس، وأسباب مغادرته حزب التحرير الإسلامي ثم الحزب الشيوعي، وعلاقته المبكرة مع المسؤول البارز في الدولة الأردنية الذي أصبح مديرا لدائرة المخابرات العامة التي انضم إليها أبو عودة، بعد سنوات في التدريس في الأردن والكويت والإمارات. 

يهدف هذا الحوار إلى إلقاء إضاءات على حياة شخصكم؛ الطفولة والبواكير الأولى، مسار الحياة، التجارب الشخصية والمهنية والعملية، ثمّ الانخراط في العمل الحزبي والسلك الحكومي. لننتقل لاحقًا إلى محاولة تسليط إضاءة إضافية على ما ذكرت في يومياتك. بداية، ماذا عن طفولة عدنان أبو عودة؟
أنا ابن عامل، وحيد والديّ بين الأخوات. بهذه الصفة حظيتُ بدلالهما. كان والدي متدينًا، وكان يخشى دائمًا أن أظنّ أنّني أتميّز على أخواتي، بسبب أنّني الابن الذكر الوحيد. وأذكر مرةً أنّ إحدى أخواتي كانت تقول لأمي إنّني دفعتها بيدي، وأخذت تبكي، فسمع صوتها الوالد، وسألها عن سبب بكائها، فأجابته بأنّني ضربتها، فصفن [نظر بسكون]، ثمّ قال لي: “لا تظنّ أنّك، إذا كنت وحيدًا، فإنّك أفضل من أي واحدةٍ من أخواتك، بل أي واحدة منهن أفضل منك”.
كان والدي يعمل في صناعة الصابون، والصابون مرتبط بالزيت وبالزيتون الذي يُجنى محصوله في تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر. وفي آذار/ مارس، تتوقف هذه الصناعة. وهي للمناسبة مهنة متعبة للعمال، منهكة جدًا من الناحية العضلية. كانوا يعملون أربعة أشهر، من كانون الأول/ ديسمبر إلى نهاية آذار/ مارس. ومع انتهاء عمل والدي في الصابون، أكون أنا قد أنهيتُ عطلة الربيع. كنتُ أحصل على علاماتٍ عاليةٍ في المدرسة، وفي الأغلب أكون الأول في الصف، فكان يكافئني بأن نزور معًا عكا أو يافا أو أيًا من مدن فلسطين، وقد كوفئتُ منه بأن زرتُ مدن فلسطين كلها، وتعرّفتُ إليها، ما عدا غزة التي زرتها متأخرًا جدًا، بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وقلتُ وقتها في غزة نفسها، إنّ هذه الزيارة كان يجب أن تكون في عام 1947.

ذكرت مرة أنّ حادثةً وقعت في فترة منع تجوّل وتركت أثرًا كبيرًا في وعيك؟
يُطلُّ بيتنا في نابلس على محطة لقطار الحديد الحجازي، ونابلس أساسًا وادٍ، ونحن نسكن في

منتصف الجبل الشمالي. وكانت للوالد غرفةٌ خلفيةٌ في البيت، يسميها شبابية، لها شباكٌ غربي يطلُّ على المحطة، أي على البلد. وبينما كان يومًا (في عام 1939) جالسا فيها، وكان قد فُرض وقتها منعٌ للتجوّل في النهار، في أواخر أيام الثورة الفلسطينية التي كانت قد انطلقت في عام 1936. نظر إلى المحطة، فيما كنتُ وأخواتي نلعب، وأمي منشغلة. فجأة وجدتُ والدي يتحدّث إلى نفسه، يقول: “أوف، دورية إنكليز طالعة من عند الشيخ مسلم (من معالم نابلس)”. ثمّ سكت، ثمّ قال: “أوف، وصلوا الميذنة!”. ثمّ قال إنّ معهم شخصًا يدفعونه إلى الأمام، وإنّهم يحملون سلاحًا. وصلوا إلى دار الحمامي ودار أبو عودة. وفي القرب من أحد البيوت القديمة، أداروا وجهه باتجاه الحائط. ثمّ سمعنا صوت طلقة نارية، فصرخ والدي، وارتمى من جلسته على فراشٍ عالٍ عند الشباك على البلاط، وقال: “قتلوه، قتلوه”. لم نكن نعرف الشخص، وصارت والدتي تبكي. وفتح بكاء والدتي وصراخ والدي أول وعي مبكر لي على وجود الأجانب في فلسطين. فصرتُ أعرف، وأنا في عمر ستة أعوام أو سبعة، أنّ هناك مشكلة في فلسطين، حيث يوجد إنكليز ويهود، أطلقوا النار على ذلك النابلسي الذي عرفنا لاحقًا أنّه من عائلة شاهين، حين كان ذاهبًا ليشتري حاجيات لأمه المريضة.

هل بدأت في المرحلة الابتدائية تتلقى معرفة أوسع، بين المدرّسين والتلاميذ؟
نعم، وكان هناك مدرّسون وطنيون، ففي الصف الثاني الابتدائي، جاء إلينا مدرّس منقول، غضبًا منه، من القدس إلى نابلس، اسمه توفيق أبو السعود، كان وطنيًا، وكلما سنحت له الفرصة كان يحكي لنا عن اليهود والإنكليز والأخطار المهددة لفلسطين.
كبرنا قليلًا، وكان يعلّمنا مدرّس اسمه يحيى الحجاوي، رحمه الله، كان قوميًا عربيًا متشدّدًا. وحدث مرة أنّ ولدًا أخطأ وقال الوِحدة العربية (بكسر الواو)، فصرخ فيه صرخة لا تزال ترنّ بأذني: “ولَكْ الوَحدة العربية (بالفتح)، وليست الوِحدة العربية”. كان من ذلك الجيل العظيم من الذين درّسونا في المدارس من هم حريصون حتى على الألفاظ.

هل كنت تقرأ من خارج المنهاج، وما هي الكتب التي كانت تستهويك؟
قرأتُ كثيرًا في تلك الأيام كتبًا لطه حسين وعباس محمود العقاد. كان بيتنا في الجبل، ولنا جيران يؤجرون كتبًا شعبية صفراء، يضعونها على باب المسجد، وبإمكانك أن تستأجر الكتاب بتعريفة مثلًا. وكان عمي، وهو جارنا أيضًا، يستأجر مثل هذه الكتب، وأنا أقرأها له، وهي عن سيف بن ذي يزن وعنترة بن شداد والأميرة ذات الهمة وتغريبة بني هلال. هذه القصص نمّت خيالي ووسّعته.

متى بدأت تفكر بالعمل الحزبي؟
بعد النكبة تمامًا، وصلتُ إلى الصف الثالث ثانوي. أُغلقت المدارس تلك السنة (1948)، وأقام لاجئون كثيرون فيها. إحدى المرّات، في أثناء ذهابي إلى المدرسة في يوم ماطر -وكنتُ عادة أمرّ من منطقة فيها مركز لتوزيع المؤن- رأيتُ بنتًا أمامي تحمل إناء حليب، وتبكي، عمرها حوالى سبعة أعوام، وأصابع قدميها خارجة من صندلها [حذائها الصيفي] محمرّة من البرد. كنتُ أركض، وعلى رأسي طاقية. بقيتْ هيئة تلك الفتاة وحالها في بالي، كلما صار حديثٌ عن قضية اللاجئين. في تلك الأثناء، وفي المدرسة، اتصل بي حزب التحرير (الإسلامي).

فجأة، ومن دون مقدمات.. ما الذي وجدوه فيك؟
التحق بمدرستي تلميذ في الصف الأول ثانوي آتٍ من القدس، اسمه شريف. كان والده يعمل

في المحكمة النظامية في القدس، وسكنوا في الحي الذي أسكنه. صرتُ أراه، وبدأنا نلتقي، ونترافق إلى المدرسة، ونعود منها، وكان خلوقًا ولطيفًا. قال لي مرة، إنّه تحدّث عنّي مع والده الذي يحب أن يتعرّف إليّ، وسألني إن كان لديّ مانع أن أزورهم في البيت يوم الخميس. وافقتُ وذهبتُ. وهناك، كان مع والده شخص آخر، محامٍ من اللد، اسمه داود حمدان، كان يرتدي طربوشًا. سألاني عن جملة أمور، ثمّ أبلغاني أنّهما يريدان أن يؤسّسا حزبًا في نابلس، ولم يكن اسمه حزب التحرير؛ إذ انتسبتُ إليه قبل أن يكون له هذا الاسم.

يعني كنت مؤسسًا.
في نابلس نعم. ببساطة، كلموني عن فلسطين التي يجب ألّا نتركها هكذا، ويجب أن نحرّرها، ليس على الطريقة البائسة للعرب الذين قالوا إنّهم يريدون تحرير فلسطين، ثمّ هربوا! قال لي والد زميلي وضيفه المحامي: “نريد تحريرها برجال متعلمين مؤمنين… إلخ”، وطاب لي هذا الحديث، فقلتُ لهم أن يعتبروني معهما في الحزب.

أي أنّك دخلت حزب التحرير من باب فلسطين من جلسة واحدة؛ فلماذا تركته؟ ومتى؟
تركتُ الحزب بعد خمسة أعوام، وكنتُ أحضر اجتماعات وأُجنّد منتسبين وأذهب إلى أندية الكشافة والجمعيات.

عدنان أبو عودة مع الملك الحسين وفي الصورة ملك الأردن الحالي عبدالله الثاني ورئيسا الوزراء السابقان زيد الرفاعي وطاهر المصري

ألم يكن عندك شعور بالخوف أو بالحذر الأمني، ألم يحذّرك والدك وأهلك؟
لم يكن في تلك الأيام خوف. كان التنبيه ألّا أكون شيوعيًا.

هل كان ميلك في المدرسة علميًا أم أدبيًا؟ هل كنت تحب الشعر أم الرياضيات؟
كانت ميولي علمية، وكنتُ في الوقت نفسه أحب الشعر، وما زلتُ أحبه وأقرأه، وإذا كان هناك من يلجأ إلى الموسيقى عند الملل أو الاكتئاب، فأنا ألجأ إلى الشعر. وتضايقتُ كثيرًا، قبل أيام، من الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي، حيث قرأتُ له أنّ جمال عبد الناصر خدعه، وهو يقول هذا الكلام في أيام عبد الفتاح السيسي! هذا محزن بالنسبة إليّ، لأنّي أحفظ من شعر حجازي منذ عام 1955.

كنت تقرأ الشعر والأدب، لكنّك متفوق علميًا، هل كان عندك أمل، مثل أي طفل، بأن تصبح طيارًا أو مهندسًا أو طبيبًا؟
كان والدي، رحمه الله، كلما نلت علامة عالية في المدرسة يحثّني على أن أبقى شاطرًا [متفوقًا]، حتى ترسلني الحكومة البريطانية إلى لندن، لأنّه غير قادر على ذلك. كنتُ أسمع ذلك منه مرتين أو ثلاث مرات في كل فصل. وبذلك زُرعت في رأسي قصة لندن. كبرتُ، وجاء الاحتلال، وخرجت بريطانيا من فلسطين، ثمّ قلنا نحن الآن في دولة جديدة تعوّضنا، أي دولة بدولة. ثمّ كان ترتيبي السادس في الثانوية العامة على مستوى المملكة.

جئت إلى عمّان، ودرست في دار المعلمين.
أنا لم آتِ، هم جاءوا بي. ولم يمنحوني بعثة، ولم يرسلوني إلى جامعة، أو إلى الدراسة خارج المملكة. كان الأردن مكوّنًا من ست محافظات (أو ستة ألوية بحسب تسميتها آنذاك) ثلاث منها في الضفة الغربية، وثلاث في الضفة الشرقية. وكانت البعثات بالتساوي بين الألوية، لإحداث توازن. في سنتي في الثانوية العامة، تقرّر ابتعاث الأول والثاني والثالث من كل لواء، وأنا كنتُ السادس في المملكة، والخامس في لواء نابلس، وكان الأول زميلي في الصف الدكتور محمد أحمد حمدان الذي صار رئيسًا لجامعة اليرموك، ثمّ وزيرًا. أشفقت الحكومة عليّ، فأخدوني إلى دار المعلمين، لأدرس سنتين، ثمّ أُصبح معلمًا. وذلك فيما كنتُ أفكّر بأن أصبح طبيبًا. وصار عندي حقد مضاعف على الدولة، بل صار حزب التحرير مرتبطًا في ذهني ليس بمعاداة إسرائيل فحسب، بل بالعدالة أيضًا.

كان حزب التحرير أول جهة توجهت إليك. لو توجّه إليك حزب آخر، هل كنت ستنضم إليه؟
نعم، أي أحد كان يتكلّم على الإسرائيليين في وقتها كنتُ سأذهبُ إليه، فكان حظي مع حزب التحرير.

تقرأ أدبيات حزب التحرير وتناقش أعضاءه خمسة أعوام.
طبعًا، عامين في دار المعلمين وثلاثة حتى صرتُ معلمًا في السلط.

سطع في تلك الفترة نجم جمال عبد الناصر، فأين كان موقعه في تفكيرك؟
أحدث عبد الناصر تعبئةً هائلة، من خلال إذاعة صوت العرب، ضد حلف بغداد ، حتى صار الجميع يكرهون حلف بغداد، وقد لا يكون واحدهم عارفًا به، فالطفل الصغير في الشارع كان يقول: “فليسقط حلف بغداد”.
كانت حساباتي أنّ جماعة حلف بغداد تريد أن تربطنا بالإنكليز الذين جلبوا لنا إسرائيل. اجتمعت حلقتنا في السلط، وقلتُ ذلك فيها، غير أنّهم كانوا يلحّون على فكرة أنّ التظاهرات ضد حلف بغداد تنفّس الغضب فحسب. سقط حلف بغداد، وقُتل من المدرسة التي كنتُ أُدرّس فيها طالبان في التظاهرات التي اندلعت ضده، والتي شاركت قوات البادية في التصدّي لها. ثمّ هدأت الأمور، وأبلغتهم في اجتماع حزبي أنّني لا أصلح بينهم، وأنّ الأمور تحتاج إلى شيء من المواجهة، لم يعجبهم كلامي، فتركتهم.
ومن المُستغرب أنّ الأردن استقلّ في عام 1946، وكان يطلب الانضمام إلى الأمم المتحدة، لكنّ روسيا (الاتحاد السوفياتي) كانت ترفض، وترفع “فيتو” عليه، حتى عام 1955، عندما توقفت عن ذلك، مكافأةً للشعب الأردني، لموقفه ضد حلف بغداد. وأقول ذلك من باب الاستنتاج، والله أعلم.
بعد ستة أشهر، كنتُ معروفًا بأنّي “تحريري”، غير أنّني كنتُ أتكلّم وأمزح مع الجميع، ولم تكن عندي أي مشكلة في أن يكون لي أصدقاء من الميول المختلفة، وكان لي أصحابٌ بعثيون مثلًا، واقتربتُ بفعل الأوضاع من “الحزب الشيوعي” الذي انضممتُ إليه في عام 1955.

من حزب التحرير إلى الحزب الشيوعي، أليس هذا غريبًا؟
لم أكن أتكلّم أيديولوجيا. المشكلة التي لا تريدون أن تعرفوها أنّني ذهبتُ إلى الحزبين، من أجل قضية واحدة اسمها فلسطين، أمضيتُ خمسة أعوام مع حزبٍ، وعندما اكتشفتُ في عام 1955 أنّ قادته وأعضاءه لا يصلحون، وأنّهم لا يعملون من أجل فلسطين، تركتهم، فالذي لا يريد أن يشارك في تظاهرة، ما الذي سيكون مفيدًا فيه؟

ما الذي شدّك إلى الحزب الشيوعي؟
شدّني أنّهم حركيون وناشطون ومع المواجهة، خصوصًا في السلط، وهذه مسألة تستهويني، وليس كما “الرّخوين”. استمريتُ معهم إلى آخر عام 1958. وكنتُ قد انتقلتُ مدرسًا من السلط إلى طولكرم.
بعد عامين طالبًا في دار المعلمين، ثمّ ثلاثة أعوام أخرى مدرّسًا في السلط، من تتذكّر من طلابك، ولماذا كان انتقالك؟
كان رئيس الوزراء الأردني السابق، عبد الله النسور، ممّن علمتهم، وهو من أذكى من علّمت. كنتُ أريد أن أعيش مع أهلي، ففي السلط كنتُ مستأجرًا بيتًا، وأنا الوحيد الذي عيّنوه معلمًا في غير منطقته.

قلت إنّك انتقلت، وأنت في الحزب الشيوعي، إلى طولكرم.
اتصلتُ، وأنا في طولكرم، مع جماعتنا في نابلس. كان قادة الأحزاب قد تعرّضوا إلى اعتقالات كثيرة، فأصبح من كان في الصف الثاني في الصف الأول، فترفّعتُ في الحزب، وكنتُ رئيس خلية صغيرة، وعمري 25 عامًا.
يوم وقعت الحوادث في العراق في عام 1958 ، كنّا نجتمع ونلتقي كل أربعة أسابيع، ونأخذ “الجهاز”، أي النشرات السرّية، بحسب تسمية الشيوعيين لها. كنتُ أحملها من نابلس، وأوصلها إلى طولكرم، وأمرّ بثلاث محطات تفتيش، الأمر الذي لم يكن سهلًا، وكنتُ المعيل الوحيد لأمي وأبي، وأعرف عقوبة هذا الأمر، أي 14 عامًا سجنًا (لم يكن هناك أي تسامح في هذا الأمر). كنّا نتابع حوادث العراق بدقة. وكان رؤساء الخلايا التابعون للحزب في كل منطقة يصفون ما حدث في العراق، أي إطاحة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف الملكية، بأنّه “ثورتنا”. بقينا حوالى شهرين فرحين بهذا الكلام، ثمّ حدثت ما عرفت بثورة الشواف في العراق، وكانت هناك أخبار تغاير ما يتحدّث عنه الشيوعيون الذين بطشوا بالقوميين الذين قاموا بثورة الشواف، كان البطش غير عادي. وكان عبد الكريم قاسم متعاطفًا مع الشيوعيين، وهو سندهم الوحيد، وهناك

من حسبوه عليهم. وفي جلسةٍ حزبية، سألتُ رفيقًا عن السبب الذي يجعلنا في العراق نذبح الناس الذين يقومون بثورة جديدة، فأجابني: “إنّها الخيانة”. قلتُ له: “ما دمنا قد نجحنا، فنحن مسيطرون، وما دمنا مسيطرين، فمن حق المواطن أن يُحاكم إذا كان خائنًا. أمّا قتله وطخه [إطلاق النار عليه]، فهذا يجعلنا قتلة، وأنا أقول هذا من أجل الحزب، ودفاعًا عنه”.
أُجيبَ عن سؤالي بأنّ التعليمات هكذا، وأنّ ما نسمعه يجب أن نتقيّد به. وأبلغني الرفيق أنّه في الجلسة التالية سيأتي لي بإجابةٍ عن سؤالي. لكنّه، في الجلسة التالية، لم يبادر، فطلبتُ منه جوابًا عن سؤالي: لماذا لا نرسل الخونة إلى المحاكم، ويتولى محامي الدفاع عن كل واحد منهم؟ فردّ عليّ بأنّه لمّا نقل سؤالي إلى قيادة أعلى، أبلغوه أنّ “زلمتك خوّيف” [صاحبك جبان]. وقال: “هل جبنت يا رفيق؟”. طلبتُ منه أن يعيد كلامه لأتأكد ممّا أسمع منه، فأعاده، ثمّ رددتُ عليه: “مررتُ على ثلاث محطات تفتيش، من أجل إيصال الجهاز [النشرات السرّية] إلى طولكرم، وأنا أعرف العقاب، ثمّ تقول لي الآن إنّني جبنت!”. وشتمته، ثمّ صار يعتذر، وتركتُ الحزب الشيوعي.

عدنان أبو عودة مع الأمير الحسن بن طلال

كيف بدأت في السلط علاقتك مع محمد رسول الكيلاني؟
كان معلمًا معي في المدرسة، كنتُ أُدرّس الثانوي العالي، وهو كان يُدرّس التربية الإسلامية للثانوي الابتدائي والسابع الابتدائي، وكان، في الوقت نفسه، يدرُس الحقوق في جامعة دمشق، ولم أعرف ذلك إلّا عند انتهائه من هذه الدراسة في عام 1956. كان صديقي جدًا، وكان صلبًا وشخصية خاصة. عمومًا، أهل السلط كرماء، ومنفتحون على الناس. والموظفون منهم في عمّان يغادرون صباحًا، ويعودون عصرًا. وبعد الغداء، يذهبون إلى المقهى، ويلعبون الورق وطاولة الزهر مثلًا، ويتحدّثون عن أعمالهم، وهم الذين يعرفون أخبار الدولة كلها.
كنتُ أجلس في المقهى، مثلهم، أمّا محمد رسول فقليلًا ما كان يفعل، وعندما كان يأتي، يصطحبني ونمشي في الشارع الموصل إلى عمّان، ونتحدّث. وكانت له صلاتٌ كثيرة، وليس مثلي أنا الذي أُقيم وحدي. كنتُ أسمع منه أخبارًا سياسية، ويبدو أنّه كان معجبًا بفهمي للسياسة، ربما لأنّني كنتُ شيوعيًا. لكن، ليس هذا السبب الحقيقي، وإنّما لأنّني كنتُ أقرأ مجلاتٍ عن الشرق الأوسط بالإنكليزية. كنتُ أشتريها من مكتبة البسطامي في عمّان، وبالذات التايم التي كانت تكتب عن العالم من وجهة نظر علمية.

ترشّح يعقوب زيادين في عام 1956 في انتخابات مجلس النواب الأردني عن القدس، هل كنت تتحمّس له، وهل تعرّضت لمضايقات أمنية؟
طبعًا، وكنّا نُروّج أيضًا للدكتور عبد الرحمن شقير (ذهب لاجئًا سياسيًا إلى سورية، وبقي فيها). وأذكر أنّنا نظّمنا له مهرجانًا في جرش. لم أتعرّض لأي مضايقات، والغريب أنّ السلطة لم تكن تعرف أنّني شيوعي. ولمّا عملتُ، لاحقًا، في المخابرات، طلب مديرها، محمد رسول الكيلاني، ملفي، وكان فيه أنّني صديق للبعثيين!

تعرّفت إلى محمد رسول في السلط، ثمّ نُقل إلى نابلس، وطُلب منك في الحزب المساعدة في قتله، أليس كذلك؟
نعم، نُقل وصار مدعيًا عامًا للمحاكم العسكرية، التي أُحيل عليها الذين اتهموا بالانقلاب على الملك حسين في عام 1957، وتعيّن في نابلس، وهو يعرف أنّني في نابلس، وكان يزورني كلما سمح وقته بذلك. ومرة، سألوني في الحزب عنه، وطلبوا منّي أن أدعوه إلى منزلي، في يوم يكون معه سيارة وأُخبرهم بالموعد؛ لأنّهم يريدون وضع لغم في السيارة. غضبتُ، وقلتُ للذي أخبرني بذلك: “أقسم بالله، إذا أُصيب، حتى لو كان في الكرك، لاتهمتك أنت بأنّك الذي فعلتها. كيف تريدوني أن أُشارك في قتل شخص بيني وبينه عيش وملح”؟ قد أفادتني هذه المسألة لاحقًا. أعوذ بالله، أعزم [أدعو] صاحبي من أجل قتله، هذا سلوكٌ غير أخلاقي. قال لي الرفيق أن أنسى الموضوع تمامًا، لكنّه ترك عندي أثرًا، وربما أخذني إلى واقعة الجدل في شأن العراق، هذا الأمر جعلني أترك الحزب. وأبلغتُ محمد رسول، لاحقًا، عندما عملتُ معه في المخابرات، بذلك، وطلب منّي أسماء من كانوا معي في الحزب الشيوعي، ولم أعطه إياها. وقلتُ له: “سأبيعك واحدة وتبيعني واحدة. أنا حميتك في ذلك اليوم، فاعفني من طلبك اليوم”.

ماذا عن دراستك في جامعة دمشق، وزواجك؟
أقمتُ في دمشق، ودرستُ الأدب الإنكليزي في جامعتها، وأعفوني من أول سنتين. أمّا عن زوجتي، فقد اقترنتُ بها عن حب -رحمها الله- وهي من السلط، تعرّفتُ إليها خلال فترة عملي معلمًا هناك، كانت معلمة. وعندما تقدّمتُ، من خلال وسيط، لخطبتها أول مرة، رفض أهلها، لأنّني لا أحمل شهادة جامعية، ثمّ ذهبتُ إلى دمشق، ودخلتُ الجامعة.

كيف درست الأدب الإنكليزي، وشهادتك من دار المعلمين في العلوم. ومن أين تأتّى لك أن تتميّز في اللغة الإنكليزية مبكرًا؟
إنكليزيتنا [لغتنا الإنكليزية]، نحن تلامذة النظام البريطاني، متينة، ومناهجنا قوية، وكنتُ أحصل على امتياز فيها، وفي مادة اللغة العربية. كانت أختي الأكبر منّي ممتازة باللغة الإنكليزية في المدرسة. عندما كنتُ في الثالث الابتدائي، كانت تعلّمني الرابع ابتدائي، وعندما يقول لك المعلم “برافو عليك”، فإنّك تزيد اهتمامك وتضاعف دراستك.

هل تعرّفت في دمشق إلى مثقفين وحزبيين، وماذا عن عملك في الكويت بعد تخرّجك؟
كانت أيام جمال عبد الناصر، وكانت الوحدة المصرية-السورية. ولم أنخرط في أجواء المثقفين والسياسيين، لأنّ قراري كان أن أتخرّج في الجامعة، ثمّ أتزوج. وبعد أن تخرّجتُ، وصرتُ جامعيًا، بناءً على طلب أهل العروس، وافقوا، وتزوجنا. وأنا أشكرها لأنّها جعلتني أذهب إلى دمشق وأدرس. وفي دمشق، كنتُ أعطي دروسًا خصوصية لفتاة فلسطينية من لاجئي 1948، يقيم أهلها في سورية، تعرّفتُ إليها عبر قريبٍ لها أعرفه. سألتني مرة عمّا سأفعله عندما أتخرّج. أجبتها بأنّني سأفتش عن عملٍ في الخليج، فأخبرتني أنّ خالها مسؤول في شؤون التعليم في الكويت، وهو درويش المقدادي . فسألتني إن كنتُ أرغب في الذهاب إلى الكويت، لتحدّثه عنّي. ثمّ قدّمتُ طلبًا، وأُجريت مقابلة، وذهبتُ مدرّسًا في الكويت.

زوجتي من السيدات المدبرات، وكانت تماشي طموحاتي، وصبورة، تعرف أنّني أريد جمع مبلغ كافٍ من المال لأذهب إلى أميركا وأحصل على شهادة الدكتوراه. قالت لي يومًا إنّ للكويت بعثات تعليمية في دولة الإمارات العربية المتحدة (كما هو اسمها اليوم)، وإنّني إذا التحقتُ بها، سيزيد راتبي نصف ما أتقاضاه، كما راتبها هي أيضًا. وهي كانت أيضًا معلمةً تحمل شهادة التوجيهية المقبولة للعمل في التعليم في الكويت. بقيتُ في الكويت أربعة أعوام، وثلاثة أعوام في أم القيوين.

كيف كانت منطقة الخليج، كيف كانت أحوالك، وماذا عن هواك السياسي في تلك الفترة التي كان فيها عبد الناصر والمدّ القومي؟
ناس صبورون وفقراء، يشتغلون في الصيد، وعندهم مناطق زراعية، وبعض مياه الينابيع للشرب وسقاية الزرع والنخيل وبعض الخضروات. كنتُ في أم القيوين، أذهبُ كل أسبوع إلى دبي، ولأنّني كنتُ المسؤول التعليمي، مُنحتُ سيارة “لاند كروزر” يابانية من نوع “تويوتا”، وكانت دبي الوحيدة التي فيها معالم مدنية، مثل بريد ومعلبات وخضروات، وصحف وخصوصًا بالإنكليزية. وكانت عواطفي مع عبد الناصر، من دون أن أكون ناصريًا. كانت قناعتي أنّ عند هذا الرجل تصوّرا عمليا معيّنا لبلده، ومؤشراته كثيرة، فكنتُ أحترمه لذلك.

متى غادرت الكويت؟
غادرتُ الكويت في عام 1965، وذهبتُ إلى نابلس من أجل أهلي. كانت والدتي مصابة بسرطان البنكرياس، ولم يكن يُعرف، في حينه، ما هو السرطان. تضايقتُ في صيف ذلك العام؛ لأنّني أحسستُ بعتب الأم، من دون أن تتكلم، أنّها “موّاتة” [على وشك الموت] وأنا لستُ إلى جانبها.
بحسب برامجي، بعد أن أزور أمي وأبي، آخذ زوجتي وأولادي ونذهب لزيارة جدتهم في عمّان، ونبقى عشرة أيام ثمّ نعود إلى نابلس. وتعبت الوالدة في صباح أحد الأيام، فنقلناها إلى عمّان، وكان شقيق زوجتي طبيبًا يقيم في شارع أمانة العاصمة القديمة، وكنتُ أخرج في صباح كل يوم إلى محيط البنك العربي في قلب عمّان، أتصفح الصحف والمجلات في مكتبة البسطامي، ثمّ آخذ ما أريد، وأصعد إلى مقهى السنترال، وإذا وجدت مكانًا أجلس، ويمكن لأي شخصٍ آخر أن يجلس معي، ونلعب طاولة زهر، أو نتحدّث و”ندردش”.
وأنا أمشي أمام البنك العربي في ذلك الصيف؛ إذ بصوتٍ يناديني من إحدى السيارات. التفتُ، فرأيتُ محمد رسول الكيلاني، وكان مدير المخابرات العامة. خشيتُ أن يراني الناس واقفًا معه، وركضتُ إليه ودخلتُ إلى السيارة.

  • عن العربي الجديد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *