أساتذة جامعاتنا … هل هم العلماء الباحثون أم قادة الفكر؟

3 أكتوبر، 2015

ياسين الجيلاني

بلكي نيوز- مع بدء العام الدراسي الجامعي، قد يتبادر إلى الذهن هنا، هذه الأسئلة: هل أساتذة جامعاتنا الحكومية والخاصة – هم من طائفة الباحثين العلماء- من جهة، وقادة الفكر من جهة أخرى؟ أم هم من طراز معلمي المدارس الثانوية، الذين يعتمدون على التلقين والحفظ والتسميع؟.. فإذا كانوا من العلماء وقادة الفكر، فهل أميز ما يميزهم، أنهم طائفة استنارت بعقولها، فأرادت أن تنير، وعرفت ثم جعلت همها، أن تنشر المعرفة في الآخرين، ولكن أي معرفة؟إنها ليست المعرفة الأكاديمية، التي تستند إلى تجارب المعامل العلمية، أو التي تستقصي معلوماتها كاملة، من شبكة «الانترنت» أو التي تعتمد على المؤلفات المترجمة والوثائق والمراجع وغيرها. فالأستاذ الجامعي لا يعدُ من العلماء الباحثين أو المفكرين، لمجرد أنه اختص، بدراسة الطب أو الهندسة أو الفيزياء والكيمياء، أو العلوم الانسانية والإدارية، أو الاقتصاد والقانون…الخ.إن لطائفة العلماء الباحثين وقادة الفكر، من صفة أخرى، هي أن يجاوزوا حدود الإختصاص الدراسي، إلى حيث ينظرون إلى الكون وإلى الحياة، نظرة شاملة – تعتمد إلى جانب اعتمادها، على العقل والمنطق واستدلالاته – على الادراك الحدسي العياني المباشر، ومقتضى هذه النظرة، أن تجيء المعرفة ذاتية، مرتكزة على الخبرة الخاصة بصاحبها، وتجيء متصلة أوثق صلة بالحياة الفعلية الجارية من حولهم، بإفراحها وأحزانها، وأن يكون لها أصداؤها في شعور الدارسين ويقينهم.من واقع جامعاتنا، يلاحظ وجود نوعين من الأساتذة… أساتدة يجيدون التدريس النظري المجرد، الذي يدغدغ العواطف ونوازع الوجدان، دون تعميق المعرفة في نفوس الدراسين، وهؤلاء؛ غالباً ما يعتمدون النقل على العقل، وآخرون – هم قلة- يتميزون بقدرات علمية ابتكارية وتجديد عالية، قد تكون أحياناً عائقاً عن ممارسة مهنة التدريس بإجادة.وبالرغم من أن النوع الأول، يعدُ بالمقياس الكمي عالماً، إلا أنه بالمقياس الكيفي لا يعدُ عالماً، وعليه ينطبق المثل القائل «الصيت ولا العلم» وهم على ألسنة الطلبة ، موضع إعتراف وتبجيل!؟ أما النوع الثاني، فقد يعد بالمقياس الكمي ليس عالماً،ولكنه بالمقياس الكيفي يكون عالماً، فهو من اجتمع له «العلم والصيت معاً».من جانب آخر، فإن النوع الأول يكثر من المؤلفات المترجمة، وينسبها إلى نفسه! دون أن يلقى بالاً إلى نوعية هذا الانتاج أو سواه، يسعى بالخروج من مراكز العلم، إلى المناصب الإدارية أو السياسية، وهاجسه الأول أن يصبح مسؤولاً أو وزيراً، ملقياً وراء ظهره بالعلم والبحث!؟. بينما يرى النوع الثاني، أن مهمته إلى جانب التدريس، هي في تطوير العلم وتدريب الطلبة عليه، يؤمن بعدم الفصل بين الجانب المعرفي، الذي يتمثل في معرفة الطالب لحقائق العلم ومفرداته، وبالجانب السلوكي، الذي يتمثل في أسلوب التفكير المنطقي السليم، وهؤلاء الأكثر إلتزاماً في دراساتهم العلمية، بالقيم الجديدة، المصاحبة لتطورنا الاجتماعي، وفي بناء الإنسان وبناء العلاقات الإنسانية، على أساس وعي واستنارة، لتحقيق تربية الشخصية الجامعية، القادرة على توجيه حاضرنا لمستقبل أفضل علمياً وحضارياً.وهنا يجدر بنا، أن تتوقف وقفة قصيرة، لنرى أين تسير حياتنا الجامعية العلمية، فنجد بعض حملة الدكتوراه، يعدون بالألوف، ولاتكاد أعيننا تقع على العالم منهم -إلا ما ندر –الذي أشرب بتراب السلف أمثال: ابن خلدون وابن الهيثم وابن سينا وابن تيمية ومحمد اقبال وغيرهم – بحيث يزيد قيمته العلمية، بميزان متابعته البحث العلمي، سعياً لطلب مزيدا من العلم، لا بالقليل الذي حصل عليه حين نال شهادة الدكتوراه، ومحال أن يكون حصل إلا بالقليل.في الجملة، فإن الأصل في الجامعات أن تكون – محراب العلم والثقافة والفكر – التي يفترض أن تكون ميداناً لا يشتغل به، إلا أصحاب الفكر العلمي والأدب التربوي، أما الأستاذ الجامعي العالم، فهو الذي يتخذ موقفاً إزاء العلم، وقد لا يكون الموقف سياسياً بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنه موقف يتيح له، فرصة اكتشاف امكانيات في العلم ذات قيمة أرقى.من هذا الموقف يدخل العالم في مواجهة مع نظم التعليم، ويحدد موقعه ابتداءً بعدم الرضا من التعليم الحالي. ويقف موقفاً ناقداً من أساليب تعليم مكتشفاته ومكتشفات زملائه، وقد لا يتدخل العالم في صلب نظام التعليم من حيث هو علاقة جدلية، ولكنه لا شك سيظل في عدم رضا خلاق إزاء المادة العلمية التي يتضمنها نظام التعليم الجامعي.وبخلاف ذلك، يصبح من المستحيل تطوير نظام التعليم الجامعي – بما يخدم العملية التعليمية والارتقاء بها محلياً وعالمياً – إذا لم يوجد عدد كافٍ من العلماء في الجامعات، ولا يكفي أبداً أن نستعيد مادة علمية من نظام تعليم أرقى،لأننا على هذا النحو، سوف نكون قد استعرنا ما لا نستطيع مداومة صيانته وتجديده. ولا يعني ذلك عدم صلاحية استيراد العلم، بل لابد أن تكون لدينا قاعدة علمية أشبه بأرض ينبت فيها العلم المستورد.وأخيراً… يبقى سؤال: ما منزلة أساتذة جامعاتنا في مجتمعنا، أيتبعهم الناس أم هم الذين يتبعون؟ قديماً دعا أفلاطون في جمهوريته الفاضلة، أن صاحب الفكر يجيء أولاً،ثم يأتي صاحب التنفيذ، وماذا يكون التنفيذ إلا تنفيذا لفكرة، وماذا تكون الفكرة إلا تخطيطاً لعمل ينفذ فيسعد البشر؟ أما رسولنا الكريم، فإنه يضع رجال العلم في منزلة رفيعة، إذ يقول عليه الصلوات والسلام: «العلماء أمناء الله على خلقه» ويقول: «العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء الأنبياء، وورثتي وورثة الأنبياء» وصدق رسولنا الكريم. الرأي .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *