أكثر البحوث استشهادا في التاريخ لم يتوقعه صاحبه

8 سبتمبر، 2018

ريتشارد فان نوردين برندن ماهر & ريجينا نوزو – Nature

تمكنت إنجازات مثل اكتشاف الناقلات الفائقة مرتفعة الحرارة، وتحديد البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي، وأولى ملاحظات تسارع توسع الكون، من الفوز بجوائز نوبل وتحقيق اهتمام عالمي. ومع ذلك، فإن أيا من البحوث التي أشارت إلى هذه الاختراقات لم يتمكن من مجرد الاقتراب من أن يصنف ضمن أكثر 100 بحث مُستشهد به في التاريخ.

الاستشهادات، التي يشير فيها أحد البحوث لأعمال سابقة، هي الوسائل القياسية التي يعترف فيها الكتّاب بمصدر أساليبهم وأفكارهم ونتائجهم، وغالبا ما تستخدم كمقياس تقريبي لأهمية البحث. قبل خمسين عاما، نشر يوجين جارفيلد فهرس الاقتباس العلمي (SCI)، أول جهد منظم لتتبع الاستشهادات في الأدبيات العلمية. وفي هذه المناسبة، طلبت Nature من مؤسسة تومسون رويترز، التي تمتلك الآن SCI، وضع قائمة بأكثر 100 بحث مستشهد به في كافة الأوقات. وقد غطى البحث مجمل الويب العلمي الذي تملكه تومسون رويتر، وهو النسخة الإلكترونية من فهرس الاقتباس العلمي الذي يضم أيضا قواعد البيانات التي تغطي العلوم الاجتماعية والفنون والعلوم الإنسانية، ووقائع المؤتمرات وبعض الكتب. وهو يسرد البحوث المنشورة بدءًا من عام 1900 وحتى يومنا هذا.

كشف هذا التمرين عن بعض المفاجآت، ليس أقلها أنه احتاج إلى 12,119 استشهادا مذهلا لتصنيفها في قائمة المائة – وأن العديد من البحوث الأكثر شهرة في العالم ليست هي الفيصل. القلة من البحوث المفصلية، مثل الملاحظات الأولى عن الأنابيب النانوية (رقم 36 ) هي في واقع الأمر من الاكتشافات الكلاسيكية، لكن الغالبية العظمى تصف الأساليب التجريبية أو البرامج التي أصبحت ضرورية في مجالاتها.

العمل الأكثر استشهادا في التاريخ، مثلا، هو بحث صدر عام 1951، يصف مقايسة لتحديد كمية البروتين في محلول ما، وقد جمع الآن أكثر من 305,000 استشهادا – وهي شهادة طالما سببت الحيرة لمؤلف البحث الرئيس، عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي الراحل أوليفر لوري. “على الرغم من أنني أعرف حقا أنه ليس بحثا عظيما … إلا إنني أتحير كثيرًا من رد الفعل،” كما كتب عام 1977.

يعني الحجم الهائل للأدبيات العلمية أن أبحاث القمة المائة هي استثناءات بالغة. يضم الويب العلمي لتومسون رويتر ما يقرب من 58 مليون عنوان، وإذا ما قيست هذه الأدبيات نسبة إلى جبل كليمنجارو، ستمثل أبحاث القمة المائة الأكثر استشهادا بها سنتيمترا واحدا فقط القمة. ثمة 14,499 بحثا فقط – ما يعادل مترا ونصف تقريبا – تم الاستشهاد بها أكثر من ألف مرة (انظر ’جبل الأبحاث‘). في الوقت نفسه، تشمل سفوح الجبل أعمالا استشهد بها مرة واحدة فقط، إن حدث – وهي مجموعة تضم ما يقرب من نصف الأبحاث.

لا أحد يفهم تماما ما الذي يميز هذه البُرادة من الأبحاث الموجودة في القمة، المعروفة بشكل جيد وحسب – لكن عادات الباحثين تشرح جزءًا من اللغز. يقول بول ووترز، مدير مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في لَيدن، هولندا، إن العديد من أبحاث المناهج “تصبح مرجعا معياريا يستشهد به المرء لكي يوضّح للعلماء الآخرين ما هو نوع العمل الذي يقوم به”. ثمة ممارسة علمية شائعة أخرى تضمن حصول الاكتشافات التأسيسية بحق – مثل نظرية آينشتاين النسبية الخاصة – على عدد أقل من الاستشهادات مقارنة بما تستحقه: فهي على درجة من الأهمية تجعلها تدخل الكتب المدرسية بسرعة أو تدرج في النص الرئيس للبحث بشكل عبارات مألوفة جدا بحيث لا تحتاج إلى إسناد.

تتسم أعداد الاستشهادات بألغاز أخرى. فقد زاد حجم الاستشهادات، مثلا – رغم أن الأبحاث القديمة أتيح لها مزيد من الوقت لتجميع الاستشهادات. يميل علماء الأحياء إلى الاستشهاد من أبحاث بعضهم البعض بمعدل أعلى من علماء الفيزياء على سبيل المثال. هذا ولا يصدر نفس العدد من المطبوعات عن كل المجالات. لذا يحجم محللو الكتب المعاصرون عن اتباع أساليب فجة كإحصاء الاستشهادات ببساطة في الوقت الذي يريدون فيه قياس قيمة البحث: إنهم يفضلون بدلا من ذلك، عقد مقارنة إحصائية للأبحاث التي لها نفس العمر، ومن مجالات متشابهة.

لا تشكل قائمة تومسون رويترز نظام الترتيب الوحيد المتاح. فقد قام جوجل سكولار بتجميع قائمته الخاصة بأكثر مائة بحث مستشهد به لصالح Nature. وهو يستند إلى عدد أكبر من الاستشهادات، لأن محرك البحث ينتقي مراجع من قاعدة أدبية أكبر بكثير (رغم كونها أقل تميزا)، بما في ذلك مجموعة كبيرة من الكتب. في تلك القائمة،  تحوز أبحاث الاقتصاد على مكانة أكبر. تتميز قائمة جوجل سكولار أيضا بإبراز الكتب التي لم تحللها مؤسسة تومسون رويترز، ولكن من بين الأبحاث العلمية، يظهر الكثير منها تحت نفس العناوين.

لكن، رغم كل الاعتراضات، تبقى لائحة الشرف القديمة محتفظة بقيمتها. إذ يكفي أنها تذكّر بطبيعة المعرفة العلمية. لتحقيق تقدم مثير، يعتمد الباحثون على أوراق مجهولة نسبيا لوصف الطرق التجريبية وقواعد البيانات والبرمجيات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *