احمد صافي النجفي: المتمرد على سلطة النجف

26 مارس، 2016

سمير السعيدي

كان للنجف دور تنويري كبير على مدار تاريخها. تجاوز دورها الفقهي الديني. ومنها خرج كبار مثقفي العرب شرقا وغربا، ونشروا لغة بديعة وخيالا متفوقا ونهضة لم تكن لتستقيم نهضة العرب من دونها. لكن دور النجف غاب مع الوقت. وتم تحويلها إلى موقع ديني للعبادة والتأثير في القرار السياسي من خلال المرجعيات، أكثر من كونها مركز تأثير حضاري شامل.

من تلك المدينة العريقة خرج أحمد الصافي النجفي، وعاش بين الزهد والتقشّف والشقاء، بين الشعر والنضال والمقاومة، ظل يدافع عن حريّته الشخصية كاملة، غير منقوصة، وعن حريّة شعبه وكرامته من دون سلطة للاحتلال البريطاني.

كان في طريقه برحلة علاج إلى بلاد أخرى، فمرّ بدمشق عام 1930 وقرر المكوث فيها منذ تلك اللحظة، ستة وأربعين عاما. وبين دمشق وبيروت، كان يجوب المقاهي نهارا، الهافانا ومقهى الكمال والروضة، وفي الليل يذهب إلى غرفته الصغيرة في زقاق ضيّق من سوق الحميدية “زقاق الخيّاطين”، وكانت حياة التقشّف خيارا بالنسبة له، مخافة أن يغادر دمشق، وهو لا يريد ذلك.

متمرد على سلطة النجف

عرف عنه رفضه الدائم لأن يستلم مرتّبا شهريا من حكومات العراق المتعاقبة، ما دامت بلاده تحت سلطة الاحتلال. رغم العروض الكثيرة المتكررة من رجالات السياسة، ومن بعض رموز قوى اليسار العراقي وقتئذ. كما كان يرفض أن تقام له الأمسيات المبهرجة والاحتفالات التكريمية، رغم إلحاح الكثيرين من الأدباء السوريين والعرب. وحتى أوائل الستينات، بعد أن تدهورت حالته الصحيّة، وبإلحاح من سفير العراق في بيروت ناصر الحاني تقبّل أن يستلم مرتّبا شهريا، ولكن من دون شروط تحد من حريته أو تصادرها أو تلزمه بتغيير أسلوب حياته ومواقفه.

كان ذلك المرتب الشهري يتبخّر في الأيام الأولى من كل شهر، في مقهى الهافانا الدمشقي، حيث يوزعه على كل محتاج يسأله ذلك من معارفه وأصدقائه، يلتحف ظهرا بالصحف التي يدوّن على حواشيها ملاحظاته، ومفاتيح قصائده، يغطي بها جسده النحيل، إن كان ثمة برد، ويغفو على كرسيه في المقهى. وفي الليل في غرفته الموحشة، يحوّل تلك الملاحظات إلى مقالات وقصائد شعر.

ولد في النجف عام 1897 لأب من أسرة حجازية الأصل وأم لبنانية من مدينة صور. وعاش في دمشق ما يقارب نصف قرن. درس الفقه عن أبيه وأجداده، كما درس اللغة والمنطق وعلم الكلام والبيان والأصول وعلوم الطب والفلك، على أيدي كبار علماء البلاد في النجف.

كتب الشعر في سن مبكرة، وقاد مع أخيه الأكبر محمد رضا عام 1918 انتفاضة شعبية ضد الاحتلال البريطاني، والتي سُميت بثورة النجف الكبرى، فحكم على أخيه بالإعدام، ثم خفف الحكم لاحقا إلى السجن المؤبد.

“تحديه لتقاليد النجف يدفعه إلى القول عنها قبل أن يغادرها “بلدتي النجف تليق بأن يقطنها العجائز والشيوخ فقط” بعدها عاش النجفي عمرا مديدا مليئا بالمغامرات الشجاعة، فقاد التظاهرات ضد الاحتلال البريطاني في ثورة العشرين، واعتقله الفرنسيون في لبنان”

طورد الصافي النجفي من قبل قوات الاحتلال وأتباعه. كان يحاول العمل متخفيا في مدينة البصرة لكنه لم يفلح. فهرب إلى إيران، حيث بقي فيها ثمانية أعوام، وهناك درس وأتقن اللغة الفارسية، بسبب تعلّقة بشعر وفلسفة الشاعر عمر الخيّام.

تأثير النجفي في طهران

عمل مدرسا للأدب العربي في مدارس طهران الثانوية، لكنه سرعان ما ترك التدريس وتفرّغ للترجمة والعمل الصحافي، وبلغ مكانة كبيرة في تلك البلاد، حتى أنه عيّن عضوا في لجنة التأليف والترجمة في وزارة المعارف الإيرانية، وترجم إلى الفارسية كتاب “علم النفس” لعلي الجارم، وكذلك كتابات أحمد أمين.

ترجم إلى العربية “رباعيات الخيام”، ترجمته تلك تعتبر برأي جميع النقّاد تقريبا من أدق وأجمل الترجمات للرباعيات، رغم شيوع ترجمة أحمد رامي، بحكم تقديمها كأغنيات على لسان سيدة الطرب العربي أم كلثوم.

عاد النجفي إلى بغداد بطلب من الحكومة العراقية، ليعيّن قاضيا في مدينة الناصرية لثلاثة أعوام، بعدها ساءت حالته الصحية، فنصح بالسفر والعلاج، لتبدأ رحلته نحو المشرق العربي هذه المرة.

مناخ النجف

يعتبر النجفي واحدا من أبرز وأندر شعراء العربية. حيث يصعب الفصل بين حياته وشعره، بين بداياته ونهاياته. فهو أوّل من تمرّد على تقاليد مدينة النجف المحافظة عبر العصور، بتحريمها التصفيق في الأمسيات الشعرية والأدبية. وقد حدث أن اتفق الصافي مع شاعر شاب متمرّد آخر يدعى “صالح الجعفري كاشف الغطاء”، على أن يباشر الصافي بالتصفيق بين الحضور، حالما ينهي الأخير قوله على المنصّة “فحيّوا بالسلام مصفقينا”، وفعلا صفّق الصافي في تلك الأمسية كما اتفقا، وتلاه الشباب في الصالة بعاصفة من التصفيق، فشكاه الكثيرون بعدها لأخيه الأكبر وعند المؤثرين في المدينة، وقد صار هذا حدثا فريدا في مدينة النجف يومها، فضاق الصافي النجفي ذرعا بكل تلك التقاليد والعادات المتوارثة، وقال إن “النجف اليوم بلدة تليق بأن يقطنها العجائز والشيوخ فقط”.

يتداول عنه النجفيون حتى اليوم قصصا نادرة، حيث يقال بأنه كان ينوب (منذ صغره) عن الأستاذ في تدريس اللغة العربية، ودروس الخط وسواهما. كما كان ينشر الشعر والمقالات منذ بداياته، في مجلتي “الهلال” و”المقتطف” المصريتين ذائعتي الصيت والانتشار وقتئذ في جميع أقطار الوطن العربي.

عام 1930 حين قرر أحمد الصافي النجفي البقاء في دمشق، قال “أتيتُ جلّقَ مجتازا على عجل/ فأعجبتني، حتى اخترتها وطنا/ يكادُ ينسى غريب الدار موطنَه/ في ربعها، ويعاف الأهل والسَّكَنا”.

عشق دمشق حدّ التماهي، حدّ الغيرة عليها، فقال عنها “هذا الجمال عليك جرَّ مصائبا/ إنّ الجمال على ذويه وبالُ/ قد كان يعطيك المحب فؤادهُ/ لو عزّ منك على المحب وصالُ”.

كان يجل ّ تجربة المعرّي الفلسفية والشعرية والحياتية، ويعشق شعر المتنبي، وأبي نواس “ولي روح بظُرف أبي نواس/ ولكن في وقاري كالمعرّي”، هام بشعر عمر الخيام، ولم تعجبه ظاهرة الألقاب التي كانت تمنح للشعراء في عصر الخديويين في مصر، فقال عن وصف أحمد شوقي بأمير الشعراء حين سألوه عن ذلك “ليس للشعر من إمارات وسلاطين”، وحين سألوه “ها هو أمير الشعراء، فمن أنت؟”، أجاب “قالوا: وأنت؟ فقلت ذاك أميركم/ وأنا الأميرُ لأمّة لم تخلق”.

في مقهى الهافانا الدمشقي كان يتجمع حوله كل عشاق الأدب والفلسفة يوميا. وزوّاره يأتونه من كافة الدول العربية، وكان أقرب أصدقائه في دمشق، عبدالسلام العجيلي وفخري البارودي وبدوي الجبل وعمر أبوريشة وأحمد الجندي وسعيد الجزائري.

أما في مقاهي بيروت (مقهى البحرين، مقهى فاروق، مقهى الحاج داوود)، فكان من صحبه ميخائيل نعيمة، الشاعر القروي، مارون عبود، وآخرون.. كان يدوّن قصائده على حواشي الصحف، وعلى أغلفة علب السجائر، ويحررها ليلا في غرفته على ضوء مصباحه الوحيد، الذي يتدفأ به أيضا.

حدث أن انقطع الصافي عن مقهى الهافانا لفترة، واستبدلها بمقهى آخر، فانقطع الكثير من الزبائن والضيوف عنها كذلك، فذهب إليه صاحب المقهى متوسلا “قل ماذا تريد، مر بما تشاء، ولكن عد إلى المقهى فقط، الله يستر على عرضك، أنا وأولادي تحت أمرك، وإن أردت ألّا يتناول أحد من مجالسيك مشروبا، فأغمزني عليه فقط”، إذ عرف عن الصافي بأنه كان يدفع مشروبات كل مجالسيه، فعاد إلى المقهى بعدها فعلا.

زاره بدر شاكر السيّاب مرة في مقهى الهافانا، ونشر عن تلك الزيارة وتجربة الصافي الفريدة مقالا مطولا في مجلة “أهل النفط” البغدادية. أما عن رفضه التام لإقامة الاحتفالات التكريمية له، فقد قال لمن يدعونه بغرض تحيته “كان ذاك السلام لي مهرجانا/ مهرجاني على الرصيف يقام”.

مع ثورات العراق

قيل عنه إنه شاعر المعاني، بتصويره البليغ لسيرته وتمرّده وشجونه وسجونه. لم يهتم يوما بما يشاع ويقال عن الشعراء الآخرين من مجايليه، عاشق لعروبته. من دون أن ينتمي لحزب. أو يتعصّب لعقيدة ما.

بقي يعتمر الكوفية والعقال والجلابية، كلباس عربي بسيط، من دون زخرفة أو تكلّف، وقد رافقت حياته علل السقم واليتم والحرمان، وقال عن ذلك “أسيرُ بجسم مشبه شبه ميّتٍ/ كأنّي إذا أمشي به حاملا نعشي”.

وعن شركائه في سكنه، في غرفة سوق الحميدية والضوء الذي يقرأ ويكتب ويتدفأ به وعليه، قال “أصارع البرد في سراجٍ/ يكاد من ضعفه يموتُ/ في غرفة ملؤها ثقوبٌ/ أو شئت قل ملؤها بيوتُ/ يسكن فيها بلا كراءٍ/ فأر وبقّ وعنكبوتُ/ هذي نداماي في الدياجي/ عاد بها شملي الشتيتُ”.

عام 1941 قاد عدّة مظاهرات في دمشق وبيروت، تأييدا لثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الاحتلال البريطاني للعراق، فسجن في بيروت أربعين يوما، تحت إدارة الأمن العام الفرنسي، وكتب في السجن ديوانه الشهير “حصاد السجن” الذي قال فيه “رمونا في السجون بلا أثاثٍ/ فأصبحنا لسجنهم أثاثا”.

وبسبب تدهور حالته الصحية، أبرق الفرنسيون إلى حكومة العراق وأطلق سراحه على إثرها، فقال “أرى في غربة الإنسان سجنا/ فكيف بسجن إنسان غريب؟”.

كان الشاعر النجفي في بيروت حين اندلعت الحرب الأهلية هناك، وكان يقيم في غرفة متواضعة أيضا، بالقرب من مشفى “أوتيل ديو”، وكان يسير بمحاذاة الجدران في الشوارع، تحسبا من الرصاص الطائش، لكنه في ليلة من منتصف عام 1976، وبعد أن مكث في غرفته خمسة أيام من دون طعام، وبعد أن اخترق الرصاص جدار غرفته، قال “بين الرصاص نفذتُ ضمن معارك/ فبرغم أنف الموت ها أنا سالمُ”.

خرج يبحث عن رغيف خبز، أو طعام ما، فأصابه قنّاص بعدد من الرصاصات اخترقت جسده النحيل، فسقط بعد بضع خطوات أمام منزل جاره، الذي سارع بالاتصال بالسفارة العراقية في بيروت، وأعلمهم بما حدث، فنقلته سيارة خاصة إلى مشفى “المقاصد” للعلاج، ففقد بصره أول الأمر، ثم نقل إلى بغداد، وحال دخوله العاصمة عن طريق المطار، قال “يا عودة للدار ما أقساها/ أسمع بغداد ولا أراها”.

وبقي في مشفى مدينة الطب عشرة أيام، أجريت له خلالها عملية جراحية لاستخراج رصاصة في صدره، وقد نجحت العملية، لكن جسده المنهك أصلا لم يقو على تحمّل الألم والأوجاع المتتالية، فتوفي في السابع والعشرين من يوليو 1977 ولم تكرر مثله الأجيال بعد.

العرب اللندنية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *