Nature تستكشف الأبحاث الأكثر استشهادا بها

28 مارس، 2018

الاستشهادات، التي يشير فيها أحد البحوث لأعمال سابقة، هي الوسائل القياسية التي يعترف فيها الكتّاب بمصدر أساليبهم وأفكارهم ونتائجهم، وغالبا ما تستخدم كمقياس تقريبي لأهمية البحث. قبل خمسين عاما، نشر يوجين جارفيلد فهرس الاقتباس العلمي (SCI)، أول جهد منظم لتتبع الاستشهادات في الأدبيات العلمية. وفي هذه المناسبة، طلبت Nature من مؤسسة تومسون رويترز، التي تمتلك الآن SCI، وضع قائمة بأكثر 100 بحث مستشهد به في كافة الأوقات. (راجع القائمة الكاملة في www.nature.com/ top100.) وقد غطى البحث مجمل الويب العلمي الذي تملكه تومسون رويتر، وهو النسخة الإلكترونية من فهرس الاقتباس العلمي الذي يضم أيضا قواعد البيانات التي تغطي العلوم الاجتماعية والفنون والعلوم الإنسانية، ووقائع المؤتمرات وبعض الكتب.  وهو يسرد البحوث المنشورة بدءًا من عام 1900 وحتى يومنا هذا.

كشف هذا التمرين عن بعض المفاجآت، ليس أقلها أنه احتاج إلى 12,119 استشهادا مذهلا لتصنيفها في قائمة المائة –  وأن العديد من البحوث الأكثر شهرة في العالم ليست هي الفيصل. القلة من البحوث المفصلية، مثل الملاحظات الأولى1 عن الأنابيب النانوية (رقم 36 ) هي في واقع الأمر من الاكتشافات الكلاسيكية، لكن الغالبية العظمى تصف الأساليب التجريبية أو البرامج التي أصبحت ضرورية في مجالاتها.

العمل الأكثر استشهادا في التاريخ، مثلا، هو بحث صدر عام 21951، يصف مقايسة لتحديد كمية البروتين في محلول ما، وقد جمع الآن أكثر من 305,000 استشهادا – وهي شهادة طالما سببت الحيرة لمؤلف البحث الرئيس، عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي الراحل أوليفر لوري. “على الرغم من أنني أعرف حقا أنه ليس بحثا عظيما … إلا إنني أتحير كثيرًا من رد الفعل،” كما كتب عام 1977.

يعني الحجم الهائل للأدبيات العلمية أن أبحاث القمة المائة هي استثناءات بالغة. يضم الويب العلمي لتومسون رويتر ما يقرب من 58 مليون عنوان، وإذا ما قيست هذه الأدبيات نسبة إلى جبل كليمنجارو، ستمثل أبحاث القمة المائة الأكثر استشهادا بها سنتيمترا واحدا فقط القمة. ثمة 14,499 بحثا فقط – ما يعادل مترا ونصف تقريبا –  تم الاستشهاد بها أكثر من ألف مرة (انظر ’جبل الأبحاث‘). في الوقت نفسه، تشمل سفوح الجبل أعمالا استشهد بها مرة واحدة فقط، إن حدث –  وهي مجموعة تضم ما يقرب من نصف الأبحاث.

لا أحد يفهم تماما ما الذي يميز هذه البُرادة من الأبحاث الموجودة في القمة، المعروفة بشكل جيد وحسب –  لكن عادات الباحثين تشرح جزءًا من اللغز. يقول بول ووترز، مدير مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في لَيدن، هولندا، إن العديد من أبحاث المناهج “تصبح مرجعا معياريا يستشهد به المرء لكي يوضّح للعلماء الآخرين ما هو نوع العمل الذي يقوم به”. ثمة ممارسة علمية شائعة أخرى تضمن حصول الاكتشافات التأسيسية بحق – مثل نظرية آينشتاين النسبية الخاصة –  على عدد أقل من الاستشهادات مقارنة بما تستحقه: فهي على درجة من الأهمية تجعلها تدخل الكتب المدرسية بسرعة أو تدرج في النص الرئيس للبحث بشكل عبارات مألوفة جدا بحيث لا تحتاج إلى إسناد.

تتسم أعداد الاستشهادات بألغاز أخرى.  فقد زاد حجم الاستشهادات، مثلا – رغم أن الأبحاث القديمة أتيح لها مزيد من الوقت لتجميع الاستشهادات. يميل علماء الأحياء إلى الاستشهاد من أبحاث بعضهم البعض بمعدل أعلى من علماء الفيزياء على سبيل المثال. هذا ولا يصدر نفس العدد من المطبوعات عن كل المجالات. لذا يحجم محللو الكتب المعاصرون عن اتباع أساليب فجة كإحصاء الاستشهادات ببساطة في الوقت الذي يريدون فيه قياس قيمة البحث: إنهم يفضلون بدلا من ذلك، عقد مقارنة إحصائية للأبحاث التي لها نفس العمر، ومن مجالات متشابهة.

لا تشكل قائمة تومسون رويترز نظام الترتيب الوحيد المتاح. فقد قام جوجل سكولار  بتجميع قائمته الخاصة بأكثر مائة  بحث مستشهد به لصالح Nature. وهو يستند إلى عدد أكبر من الاستشهادات، لأن محرك البحث ينتقي مراجع من قاعدة أدبية أكبر بكثير (رغم كونها أقل تميزا)، بما في ذلك مجموعة كبيرة من الكتب. في تلك القائمة، المتاحة على www.nature.com/top100، تحوز أبحاث الاقتصاد على مكانة أكبر. تتميز قائمة جوجل سكولار أيضا بإبراز الكتب التي لم تحللها مؤسسة تومسون رويترز، ولكن من بين الأبحاث العلمية، يظهر الكثير منها تحت نفس العناوين.

لكن، رغم كل الاعتراضات، تبقى لائحة الشرف القديمة محتفظة بقيمتها. إذ يكفي أنها تذكّر بطبيعة المعرفة العلمية. لتحقيق تقدم مثير، يعتمد الباحثون على أوراق مجهولة نسبيا لوصف الطرق التجريبية وقواعد البيانات والبرمجيات.

هنا تأخذ Nature جولة بين بعض الأساليب الرئيسة التي رفعتها عشرات الآلاف من الاستشهادات إلى قمة جبل كليمنجارو العلمي – أبحاث أساسية، ولكنها نادرا ما كانت في دائرة الضوء.

كبر الصورة

تقنيات بيولوجية

على مدى عقود، سيطرت الكيمياء الحيوية للبروتينات على قائمة المائة، ويبقى البحث2 الذي وُضع عام 1951 لوصف طريقة لوري في قياس البروتين، والذي يحتل المرتبة رقم 1 في القائمة، عصيا على المنال، رغم أن العديد من علماء الكيمياء الحيوية يقولون إنه ومقايسة برادفورد3 المنافسة – الموصوفة في البحث رقم 3 في القائمة – قد عفا عليهما الزمن. يأتي بين البحثين، في المركز رقم 2، دارئ لاملي4 الذي يستخدم في نوع مختلف من تحليل البروتين. وتعزى هيمنة هذه التقنيات إلى ارتفاع حجم الاستشهادات في البيولوجيا الخلوية والجزيئية، حيث ما زالت تمثل أدوات لا غنى عنها.

تمكنت تقنيتان بيولوجيتان على الأقل من تلك الموصوفة في القائمة المائة من إحراز جوائز نوبل. ويصف البحث رقم 4 في القائمة طريقة5 وضع تسلسل الحمض النووي،  وهو البحث الذي حصل الراحل فريدريك سانجر بموجبه على نصيبه من جائزة نوبل في الكيمياء عام 1980. هذا بينما يصف البحث رقم 63  تفاعل البوليميريز التسلسلي PCR)6)، وهي طريقة لنسخ أجزاء من الحمض النووي حصل بموجبها كاري مولس عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي على الجائزة في عام 1993.  بمساعدة العلماء على استكشاف الحمض النووي والتصرّف به، ساهمت هاتان الطريقتان في إحداث ثورة في الأبحاث الجينية لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

هناك أساليب أخرى حققت جماهيرية أقل، لكنها لا تخلو من المكافآت. في ثمانينات القرن الماضي، ارتبطت عالمة الوراثة السرطانية الإيطالية نيكوليتا ساكي مع عالم الأحياء الجزيئية البولندي بيوتر شومتشنسكي في الولايات المتحدة لنشر7 وسيلة سريعة وغير مكلفة لاستخراج الحمض النووي الريبي من عينات بيولوجية. وعندما أصبحت تتمتع بجماهيرية واسعة –  أصبحت تحتل الرقم 5 في القائمة حاليا – حصل شومتشنسكي على براءة اختراع التعديلات التي أدخلها على هذه التقنية وأسس عملا من بيع الكواشف. تقول ساكي التي تعمل الآن في معهد روزويل بارك للسرطان في بوفالو، نيويورك، إنها تلقت نزرا يسيرا من المكافآت المالية، لكنها تشعر بالرضا من رؤية الاكتشافات العظيمة التي تبنى على أساس عملها. لقد لعبت التقنية دورا في النمو الهائل لدراسة جزيئات الحمض الريبي  القصيرة التي لا ترمّز البروتين، مثلا. تقول ساكي “هذا هو ما أعتبره، من الناحية العلمية، مكافأة  رائعة”.
المعلوماتية الحيوية

ساعد التوسع السريع في وضع التسلسل الجيني، منذ مساهمة سانجر، في تعزيز ترتيب الأبحاث التي تصف طرق لتحليل التسلسلات. والمثال الرئيس هو بلاست BLAST (أداة البحث الرئيسة للمحاذاة الموضعية)، والتي ظلت لعقدين من الزمن اسما مألوفا لدى علماء الأحياء الذين يريدون استنباط ما تقوم به الجينات والبروتينات. ببساطة، كان يتعين على مستخدميها فتح البرنامج في متصفح الإنترنت وإدخال تسلسلات الحمض النووي أو الحمض الريبي أو البروتين، وفي غضون ثوان، سيتمكنون من رؤية التسلسلات ذات الصلة من آلاف الكائنات الحية – إضافة إلى  معلومات حول وظيفة هذه التسلسلات وحتى روابط تتصل بالأدبيات ذات الصلة. يتمتع برنامج بلاست بجماهيرية واسعة بحيث تظهر نسخ مزاياه8،9 مرتين في القائمة، في المرتبتين 12 و14.

لكن نظرا لتقلبات عادات الاقتباس، تقهقر بلاست إلى أسفل القائمة بسبب كلاستال Clustal، وهو برنامج مكمل لمواءمة سلاسل متعددة في وقت واحد. يتيح كلاستال للباحثين وصف العلاقات التطورية بين التسلسلات من كائنات حية مختلفة، للبحث عن التطابقات بين تسلسلات يبدو أنه لا علاقة بينها، وللتنبؤ بإمكانية حدوث تغير في وظيفة جين أو بروتين ما بسبب تغير في نقطة معينة منه. الآن يحتل رقم 10 في القائمة بحث صدر في عام101994، يصف نسخة سهلة الاستخدام من البرنامج كلاستال دبليو. أما البحث الذي صدر عام 111997 بشأن النسخة اللاحقة من البرنامج، والتي تحمل اسم كلاستال إكس، فيحتل المرتبة 28.

كان الفريق الذي طور كلاستال دبليو، في مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي في هايدلبرج، ألمانيا، قد ابتكر البرنامج للعمل على أجهزة الكمبيوتر الشخصية، بدلا من أجهزة الكمبيوتر المركزية، لكن البرنامج تحوّل عندما انضمت جولي تومسون، المختصة بعلم الكمبيوتر من القطاع الخاص، إلى المختبر في عام 1991. “لقد كان البرنامج مكتوبا من قبل علماء الأحياء؛ أحاول إيجاد طريقة لطيفة لقول ذلك”، كما تقول تومسون، التي تعمل الآن في معهد علم الوراثة والبيولوجيا الجزيئية والخلوية في ستراسبورغ، فرنسا.  أعادت تومبسون كتابة البرنامج لتحضيره لحجم وتعقيد بيانات الجينوم التي كان يتم توليدها في ذلك الوقت، مع محاولة تسهيل استخدامه في الوقت ذاته.

تتنافس الفرق وراء برنامجي بلاست وكلاستال على ترتيب أبحاثها، وهي منافسة ودية إلى حد ما،  طبقًا لما يقوله ديس هيجينز، عالم الأحياء في كلية دبلن الجامعية، وعضو فريق كلاستال. “كان بلاست برنامجا غيّر قواعد اللعبة، وقد استحق كل اقتباس حصل عليه”.

علم تطور السلالات

ثمة مجال آخر يدعمه نمو التسلسل الجينومي، وهو علم تطور السلالات، أي دراسة العلاقات التطورية بين الأنواع.

البحث12 الذي يحتل المرتبة 20 في القائمة هو الذي قدم طريقة “الالتحاق بالجار”، وهي طريقة سريعة وفعالة لوضع عدد كبير من الكائنات الحية ضمن شجرة تطور السلالات وفقا لبعض مقاييس المسافة التطورية بينهما، مثل الاختلاف الجيني، وهو يربط الكائنات ذات الصلة معا، بمعدل زوج واحد كل مرة إلى أن يتم حسم أمر الشجرة. ساعد عالم الأنثروبولوجيا الفيزيائية نارويا سايتو في ابتكار هذه التقنية عندما التحق بمختبر ماساتوشي ني في جامعة تكساس بهيوستن في ثمانينات القرن العشرين للعمل على التطور البشري وعلم الوراثة الجزيئية، الحقلين اللذين كانا قد بدءا بالانفجار لاكتظاظهما بالمعلومات.

“كنا- نحن علماء الأنثروبولوجيا الفيزيائية-  نواجه نوعا من البيانات الكبيرة في ذلك الوقت”، كذا يقول سايتو، الذي يعمل الآن في المعهد الوطني الياباني لعلم الوراثة في ميشيما. لقد مكّنت هذه التقنية من وضع أشجار من مجموعات من البيانات الكبيرة دون أن تستنفد موارد الكمبيوتر. (وباتباع نهج إخصاب مزدوج لطيف ضمن قائمة المائة، فلوغاريتمات كلاستال تستخدم الاستراتيجية نفسها.)

البحث رقم 41  على القائمة هو وصف13 لكيفية تطبيق الإحصاءات على علوم تطور الأنساب. في عام 1984، قام جو فلسنشتاين، المختص بالبيولوجيا التطورية في جامعة واشنطن في سياتل، بتعديل أداة إحصائية تعرف باسم الممهّد bootstrap للاستدلال على دقة أجزاء مختلفة من شجرة تطور. يتضمن الممهد تكرار أخذ عينات البيانات من مجموعة ما عدة مرات، ثم استخدام التباين في التقديرات الناتجة لتحديد مدى الثقة في الفروع الفردية. على الرغم من أن البحث كان بطيئا في جمع الاستشهادات، إلا إن جماهيريته اتسعت بسرعة في كل من العقد الأخير من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الحالي، إبان معرفة علماء البيولوجيا الجزيئية بالحاجة لإرفاق مثل هذه الفواصل الزمنية بتوقعاتهم.

يقول فلسنشتاين أن مفهوم الممهد14، الذي ابتكره برادلي إيفرون عام 1979، المختص بالإحصاء في جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا، أكثر جذرية بكثير من عمله. ولكن تطبيق منهج على مشكلة بيولوجية يعني أنها سيستشهد بها من قبل مجموعة أكبر بكثير من الباحثين. كما إن عدد الاستشهادات العالي ناجم أيضا عن مدى انشغاله في ذلك الوقت، يقول: لقد حشر كل شيء في بحث واحد بدلا من نشر عدة أبحاث عن الموضوع، الأمر الذي كان بإمكانه تخفيف عدد الاستشهادات التي تلقاها كل بحث. “لم يكن بوسعي الانتهاء وكتابة أربعة أبحاث إضافية عن نفس الأمر”، حسب قوله. لقد كنت شديد الانهماك للقيام بهذا الأمر، لا شديد الالتزام بالمبادئ”.
إحصائيات

على الرغم من أن قائمة المائة تضم مجموعة غنية من الأبحاث الخاصة بالإحصاءات، طبقًا لقول ستيفن ستيجلر، المختص بالإحصاء في جامعة شيكاغو، إلينوي والخبير في تاريخ الإحصاء، “هذه الأبحاث ليست على الإطلاق تلك التي كانت أكثر أهمية بالنسبة لنا كمختصين بالإحصاء،  لكنها الأبحاث التي ثبت أنها الأكثر فائدة لمجموعة العلماء الممارسين الأكبر بكثير.

يرجع جزء كبير من هذا النجاح العابر الجامع إلى التيار المتنامي باستمرار من البيانات الواردة من مختبرات الطب الحيوي. فمثلا، البحث الاحصائي الذي يستشهد به في معظم الأحيان (المرتبة 11) هو ما نشره15 مختصّا الإحصاء الأمريكيان إدوارد كابلان وبول ماير عام 1958، والذي يساعد الباحثين على إيجاد أنماط البقاء على قيد الحياة لإحدى المجموعات، مثل المشاركين في التجارب الإكلينيكية. وقد قدم هذا المنشور ما يعرف الآن باسم تقديرات كابلان-ماير. الثاني (المرتبة 24) كان البحث16 الذي قدمه اختصاصي الإحصاء البريطاني ديفيد كوكس الذي توسع في تحاليل البقاء هذه لتتضمن عوامل مثل الجنس والعمر.

كان بحث كابلان-ماير نجاحا نائما، فلم يتلقَ أي استشهاد تقريبا حتى ازدهار القدرة الحاسوبية في سبعينيات القرن العشرين، جاعلا الطريقة متاحة لغير المتخصصين. لقد أسهمت البساطة وسهولة الاستخدام في تعزيز جماهيرية الأبحاث في هذا المجال. تمكن خبيرا الإحصاء البريطانيان مارتن بلاند ودوغلاس التمان من التواجد في القائمة (المرتبة 29) عن طريق تقنية17 – تعرف الآن باسم خطة بلاند-ألتمان –  لتصور مدى توافق أسلوبي قياس. كانت نفس الفكرة قد عرضت قبل 14  عاما من قبل عالم إحصاء آخر، لكن بلاند وألتمان قدماها بطريقة ميَسّرة جعلتها تكسب الاستشهادات منذ ذلك الحين.

تتعامل أقدم وأحدث الأبحاث في مجموعة الإحصاء مع المشكلة ذاتها – مقارنات متعددة للبيانات-  لكن من أوساط علمية مختلفة جدا. البحث18 الذي قدمه عالم الإحصاء الأمريكي ديفيد دانكِن عام 1955 (المرتبة 64) مفيد عندما تحتاج بضعة مجموعات للمقارنة. لكن البحث19 الذي يحتل المرتبة 59، والذي وضعه عالما الإحصاء الإسرائيليان يوآف بنياميني ويوسف هوخبرج عام 1995، والمتعلق بضبط معدل الاكتشافات الكاذبة، يناسب بشكل مثالي البيانات القادمة من مجالات كالجينوميات أو التصوير الخاص بعلم الأعصاب، والذي تصل فيه أرقام المقارنات إلى مئات الآلاف – وهو مقياس كان دنكان بالكاد سيتخيله. كما يلاحظ إيفرون: “إنها قصة قيام الكمبيوتر ببطء، ثم بسرعة، بالتأثير على النظرية الإحصائية وبشكل عملي أيضا”.
نظرية الكثافة الوظيفية

عندما يريد واضعو النظريات صنع نموذج لقطعة من مادة ما –  سواء كانت جزيئا دوائيا أو لوحا معدنيا – فغالبا ما يستخدمون برنامجا لحساب سلوك إلكترونات المادة. من معرفة هذا السلوك يتدفق فهم العديد من الخصائص الأخرى: تفاعلية البروتين، مثلا، أو مدى سهولة توصيل الحديد السائل -الذي يشكل لب الأرض الخارجي- للحرارة.

بنيت معظم هذه البرامج استنادا إلى نظرية الكثافة الوظيفية (DFT)، الذي يمكن اعتباره بسهولة المفهوم الأكثر استشهادا في العلوم الفيزيائية. هناك إثنا عشر بحثا في قائمة أكثر مائة بحث مُستشهد به على صلة بالمفهوم، من ضمنها بحثان ضمن قائمة أكثر عشرة أبحاث مستشهد بها. في جوهرها، تعتبر نظرية الكثافة الوظيفية مقاربة تجعل من الرياضيات المستحيلة أمرا سهلا، وفقا لقول فيليتشيانو جيوستينو، المختص بفيزياء المواد في جامعة أكسفورد، بريطانيا. لدراسة السلوك الإلكتروني في بلورة سيليكون، مع الأخذ في الاعتبار كيفية تفاعل كل إلكترون وكل نواة مع كل إلكترون ونواة أخرى، سيحتاج الباحث لتحليل سكستليون (1021) تيرابايت من البيانات، كما يقول – وهو رقم يتجاوز قدرة أي كمبيوتر يمكن تصوره. تقلل نظرية الكثافة الوظيفية متطلبات البيانات إلى بضع مئات من الكيلوبايت فقط، وهذا الرقم ضمن قدرة أي جهاز كمبيوتر محمول قياسي.

قام عالم الفيزياء النظرية والتر كون بريادة وضع نظرية الكثافة الوظيفية قبل نصف قرن في أبحاث20،21 وصل ترتيبها الآن إلى الأرقام 34 و39. أدرك كون انه يستطيع حساب خصائص نظام ما، مثل حالته عند أدنى طاقة، بافتراض أن كل إلكترون يتفاعل مع جميع الإلكترونات الأخرى لا بصفتها الفردية، ولكن كبُقعة تمثل المتوسط المأخوذ منها. من حيث المبدأ، الحساب واضح: يتصرف النظام وكأنه سائل مستمر ذو كثافة تختلف بين نقطة وأخرى. ومن هنا اشْتُقّ اسم النظرية.

لكن بضعة عقود كانت قد انقضت قبل أن يجد الباحثون وسائل لتطبيق الفكرة على المواد الحقيقية، حسب قول جيوستينو. هناك بحثان 22،23 ضمن قائمة أكثر مائة بحث مستشهد به يمثلان وصفات تقنية للأساس الذي بنيت عليه أكثر طرق ومجموعة برمجيات نظرية الكثافة الوظيفية جماهيرية. أولهما (المرتبة 8) وضعه أكسل بيك، عالم الكيمياء النظرية في جامعة دالهاوزي في هاليفاكس، كندا، والثاني (المرتبة 7) وضعه علماء الكيمياء النظرية المقيمون في الولايات المتحدة تشنجتي لي، وويتاو يانغ، وروبرت بار. في عام 1992، ضمّن عالم الكيمياء الحسابية جون بوبل (الذي تقاسم مع كون جائزة نوبل 1998)  شكلا من نظرية الكثافة الوظيفية في حزمته البرمجية الجماهيرية الجاوسية Gaussian.

ربما يستشهد مستخدمو البرمجيات بالأبحاث النظرية الأصلية حتى لو كانوا لا يفهمون النظرية تماما، حسب قول بيك. “إن النظرية والرياضيات وبرامج الكمبيوتر أمور متخصصة وهي محور اهتمام علماء فيزياء وكيمياء الكم، لكن التطبيقات لا حصر لها. على المستوى الأساسي، يمكن استخدام نظرية الكثافة الوظيفية لوصف كل من الكيمياء والكيمياء الحيوية والبيولوجيا والأنظمة النانوية والمواد. كل شيء في عالمنا الأرضي يعتمد على حركات الإلكترونات – لذا، فإن نظرية الكثافة الوظيفية تكمن حرفيا وراء كل شيء”، هكذا يقول.
علم البلورات

بدأ جورج شلدريك، كيميائي من جامعة جوتنجن في ألمانيا، بكتابة البرامج للمساعدة في كشف البنى البلورية في سبعينات القرن العشرين. في تلك الأيام، كما يقول: “لم يكن بوسعك الحصول على منح مالية لهذا النوع من المشاريع. كان عملي هو تدريس الكيمياء، ووضعت هذه البرامج كهواية في وقت فراغي”. لكن على مدى أكثر من 40 عاما، قدّم عملُه دفعة للتحديث المنتظم لبرمجيات الكمبيوتر شِلِكس SHELX، التي أصبحت واحدة من الأدوات الأكثر جماهيرية لتحليل أنماط تشتت الأشعة السينية التي تطلق عبر البلورات –  وتكشف بالتالي عن البنى الذرية.

أصبح مدى هذه الجماهيرية واضحا بعد عام 2008، عندما نشر شلدرك بحثا مراجعا24 عن تاريخ النظام، مشيرا إلى إمكانية استخدامه كمرجع عام كلما استخدم أي من برامج شِلِكس. وقد اتّبع القراء نصيحته. في السنوات الست الماضية، جمع ذلك البحث ما يقرب من 38,000 استشهاد، مما ارتقى به إلى المرتبة 13، وجعل منه البحث المنشور الأعلى مرتبة في العقدين الماضيين.

هناك أدوات أخرى أساسية بالنسبة لعلم البلورات والأحياء البنيوية منتشرة ضمن قائمة المائة، وهي تشمل أبحاثا تصف مجموعة برامج25 HKL  (المرتبة 23) لتحليل بيانات حيود الأشعة السينية؛ وبرامج26  PROCHECK (المرتبة 71) التي تستخدم لتحليل ما إذا كانت بنية البروتين المقترحة تبدو طبيعية من الناحية الهندسية أم غريبة؛ وبرنامجين27,28 يستخدمان لرسم البنى الجزيئية (المرتبتان 82 و95). هذه الأدوات هي اللبنات التي تحدد البنى البلورية، حسب قول فيليب بورن، المدير المساعد لعلوم البيانات في  معاهد الصحة الوطنية في بيثيسدا، ميريلاند.

ثمة إدراج غير عادي، يحتل المرتبة 22، وهو بحث29 نشره عام 1976 روبرت شانون، الباحث في دوبونت، الشركة الكيميائية العملاقة في ويلمنجتون، ديلاوير، والذي قام بجمع قائمة شاملة لأنصاف أقطار الأيونات في سلسلة من مواد مختلفة. يقول روبن جرايمز، عالم المواد في إمبريال كوليدج لندن، إن علماء الفيزياء والكيمياء وواضعي النظريات ما زالوا يستشهدون بهذا البحث عندما يبحثون عن قيم حجم الإيونات، والتي غالبا ما ترتبط بدقة بالخصائص. هذا ما جعلها قاعدة البيانات الأكثر استشهادًا في التاريخ.

“إننا كثيرا ما نستشهد بهذا النوع من الأبحاث دون أن نفكر بالأمر تقريبا”، هكذا يقول بول فوساتي، أحد زملاء جرايمز في الأبحاث، ويمكن قول الأمر نفسه بالنسبة للعديد من المناهج وقواعد البيانات ضمن قائمة أكثر مائة بحث مُستشهد به. تكشف القائمة مدى قوة تأثر البحوث بحساب وتحليل مجموعات البيانات الكبيرة، لكنها تذكرنا أيضًا بأن موقع أي بحث في أساليب معينة أو قاعدة بيانات على قمة مخططات قوائم الاقتباس يخضع للحظ والظروف.

مع ذلك، هناك درس قوي للباحثين، كما يذكر بيتر مور، المختص بالكيمياء في جامعة ييل في نيو هيفن، كونيكتيكت. “إذا كنت تبحث عن الاستشهادات، فإن ابتكار الأسلوب الذي سيتيح للناس إجراء التجارب التي يريدونها، أو تحقيقها بشكل أسهل، سيمنحك رقمًا أكبر من اكتشاف سر الكون مثلا”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *