+
أأ
-

نضال المجالي يكتب:- الضمان الاجتماعي.. إصلاح ضروري بعدالة مطلوبة

{title}
بلكي الإخباري

 

 

بعد جدل قاده شعور المعارض للتعديلات في داخلي وبحث أعمق، أرى النقاش الدائر حول مقترح تعديل قانون الضمان الاجتماعي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه صراعا بين مؤيد ومعارض، ولا يحق لأي كاتب أو اقتصادي أو مدافع أن يتهم الرفض الكبير بحق تلك التعديلات بالشعبويات أو غير ذلك، بل يستوجب الوعي أولا من جهات الاختصاص باعتباره محاولة وطنية للتوفيق بين حقيقتين لا يمكن تجاهل أي منهما: ضرورة الحفاظ على الاستدامة المالية للنظام، وضرورة صون الثقة التي بناها المواطنون مع مؤسسة الضمان عبر سنوات طويلة من الالتزام.

 

من الواضح أن التحديات الاقتصادية والتغيرات الديموغرافية تفرض على الدول مراجعة أنظمة التقاعد بشكل دوري، فاستمرار قدرة الضمان على دفع الرواتب التقاعدية للأجيال الحالية والقادمة هو هدف أساسي لا يحتمل التأجيل. وأي إصلاح يهدف إلى حماية استقرار الصندوق على المدى البعيد هو في جوهره حماية لحقوق المشتركين أنفسهم، وليس انتقاصا منها. ونقاط التعادل للاستدامة لا تمس المشتركين الجدد فقط ليكون التعديل مقتصرا عليهم كما يطالب كثيرون، فمن ينتظر حقوقه التقاعدية في نقطة التعادل الأولى أو قبلها إن توافقت مع سن تقاعده المتوقع فسيكون أيضا هو ضمن دائرة الخطر إن لم نجد الحل، وقد تكون التعديلات أو أقل منها بقليل هي الحل الوحيد، وهنا يلزم على صانع القرار التوسع إعلاميا في توضيح أهمية التعديل حتى لمن اقترب من سن التقاعد. 

وفي الوقت ذاته، تبقى الثقة بتوجهات الدولة راسخة؛ إذ لا يمكن افتراض أن أي حكومة تسعى إلى الإضرار بالمواطن، بل إن الهدف المعلن من التعديلات هو ضمان بقاء نظام الحماية الاجتماعية قادرا على أداء دوره لعقود قادمة. غير أن نجاح الإصلاح لا يُقاس فقط بصحته المالية، بل أيضا بمدى شعور الناس بعدالته ووضوح أثره على حياتهم.

فالمشتركون التزموا لسنوات طويلة بشروط واضحة، وبنوا خططهم المستقبلية على أساسها، ولذلك فإن أي تعديل يحتاج إلى حساسية عالية في التطبيق، تراعي خصوصا الفئات التي قد تتأثر أكثر من غيرها، والذي يمثل معالجة الخلل فيها امتصاص ما يزيد على 50 ٪؜ من حالات الرفض، وفي مقدمتها المرأة العاملة.

فالمرأة الأردنية دخلت سوق العمل خلال العقود الماضية في ظروف اجتماعية واقتصادية معقدة، وغالبا ما حملت مسؤوليتين في آن واحد: العمل خارج المنزل وإدارة الأسرة داخله. كثير من العاملات لم ينظرن إلى التقاعد كهدف قريب بقدر ما رأينه ضمانة للاستقرار المستقبلي. ولهذا، فإن أي تغيير في شروط التقاعد ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المسار المهني والاجتماعي للمرأة، وأن يُصمم بطريقة تمنحها الأمان لا القلق.

الإصلاح الحقيقي لا يعني فقط تعديل الأرقام، بل تحقيق توازن عادل بين الاستدامة والإنصاف. فكلما شعر المواطن بأن كلفة الإصلاح موزعة بعدالة، زادت ثقته بالمنظومة وارتفع مستوى التزامه بها. أما إذا بدا الإصلاح وكأنه عبء إضافي على الفئات الأكثر هشاشة، فإن الهدف الإصلاحي نفسه قد يفقد جزءا من أثره الاجتماعي. ومثال ذلك حجم وعدد المسميات والأعضاء المقترح تشكيلها في الهيكلة الجديدة للمؤسسة وما يرافقها من امتيازات وطريقة اختيار والتي تحتاج قراءة بذات حجم قراءة التعديل على سن التقاعد. 

ومن هنا، فإن دعم التعديل وهو أساس استدامة المستقبل لا يعني إغفال الحاجة إلى تحسينه وتجويده، بل العمل على ضمان انتقال تدريجي ومتوازن يحفظ حقوق المشتركين الحاليين، ويمنح الأجيال القادمة نظاما أكثر استقرارا. الإصلاح الناجح هو الذي يطمئن الناس بأن ما دفعوه طوال سنوات عملهم سيبقى أساسا ثابتا لحقوقهم المستقبلية.

قد نغضب كمشترين لأننا نطمح إلى الكمال والمصلحة في كل حقوقنا، لكن العدالة الحقيقية تكمن في البحث عن حلول تراعي الظروف الاقتصادية للأردن مع إبراز أن يكون المواطن الحلقة الأساس في غاية المعالجة. فالإصلاح المستدام هو الذي يحمي المؤسسة ويحمي الإنسان في الوقت نفسه. ولهذا لا يهمني أن نعلم من أوصلنا إلى هنا؟ أو محاسبته، بل يهمني أن أتقاضى راتب التقاعد كاملا غير منقوص في المستقبل فلا أكون كما هو حال بعض النقابات مؤخرا والتي وصل بهم الحال لتأخير دفع مستحقات مشتركيهم أو إنقاصها لمستوى الربع، بالرغم من التغني بخبرتهم في الهندسة لأمور كثيرة. 

في النهاية، يبقى الضمان الاجتماعي رسالة طمأنينة قبل أن يكون معادلة مالية. وكل تعديل ينجح في تعزيز استدامته مع الحفاظ على حس العدالة، خاصة تجاه المرأة العاملة، هو خطوة نحو عقد اجتماعي أكثر توازنا وثقة بالمستقبل.