احمد العموش يكتب :- غادرت الموقع… وبقيت الفكرة: نحو استقلال إدارة الأراضي في الأردن

أكتب اليوم بصفتي رجلًا كان جزءًا من مؤسسة الدولة، وما يزال يرى نفسه ابنًا لها، حتى بعد أن غادر موقعه التنفيذي. لم تكن الوظيفة بالنسبة لي محطة عابرة، ولم يكن المنصب غاية بحد ذاته. نشأت مهنيًا في القطاع العام، وتعلمت فيه معنى الانضباط المؤسسي، وتسلسل المسؤولية، وثقل القرار حين يرتبط بحقوق الناس واستقرارهم. ثم خضت تجربة القطاع الخاص، فعرفت إيقاع السوق، ودقة الأرقام، وحقيقة أن الكفاءة ليست ترفًا بل شرط بقاء. وبين المدرستين تشكّلت قناعتي بأن إدارة الأرض في الأردن تستحق إطارًا مؤسسيًا أكثر نضجًا واستقلالًا.
غادرت الموقع، نعم. لكنني لم أغادر الفكرة. ولم يكن خروجي انسحابًا من الشأن العام، بل تحررًا من قيود المنصب لأتحدث بصراحة أكبر عن ضرورة إصلاح هيكلي أراه ملحًا. فأنا أعرف القطاع الخاص، وأدرك أن العودة إليه متاحة لمن يمتلك الخبرة، لكن الارتباط بالعمل العام ليس عقدًا وظيفيًا فقط؛ إنه انتماء ومسؤولية. الوظيفة مرحلة، أما الدولة فهي مشروع مستمر.
خلال تجربتي في إدارة الأراضي، أدركت أن الأرض ليست مجرد سجل معاملات أو وعاء رسوم. إنها أصل سيادي، وأداة استقرار اجتماعي، ورافعة استثمارية يمكن أن تعيد تشكيل معادلة النمو إذا أُديرت بعقلية استراتيجية. من هنا بدأ السؤال: هل النموذج المؤسسي الحالي يمنح هذا القطاع القدرة على أداء دوره التنموي الكامل؟
إن ارتباط دائرة الأراضي والمساحة بـ وزارة المالية الأردنية مفهوم في سياقه التاريخي، لكنه بطبيعته يميل إلى النظر للأرض من زاوية الإيراد قبل زاوية القيمة. إدارة الأراضي تحتاج منظورًا أوسع من التحصيل؛ تحتاج إلى إدارة أصول، وتخطيط طويل الأمد، وتكامل رقمي يعزز الثقة في السوق العقاري. كما أن تشتت إدارة أملاك الدولة بين جهات متعددة يحدّ من قدرتنا على تعظيم العائد الاقتصادي لهذه الأصول، ويجعل التخطيط الاستثماري أقل انسجامًا.
الجمع بين خبرتي في القطاعين العام والخاص جعلني أرى الحاجة إلى نموذج يزاوج بين الانضباط المؤسسي ومرونة الأداء. لسنا بحاجة إلى خصخصة القطاع، ولا إلى فصله عن الدولة، بل إلى استقلال تشغيلي منضبط داخل إطار رقابي واضح. التجارب الدولية تؤكد أن الاستقلال المؤسسي لا يعني الانفصال عن الدولة، بل تعزيز فعاليتها. ويمكن أن نستفيد من نماذج مثل Singapore Land Authority، وHM Land Registry، وGeneral Directorate of Land Registry and Cadastre، حيث تتكامل الحوكمة المهنية مع التحول الرقمي الشامل، وتُدار البيانات العقارية بوصفها بنية تحتية وطنية.
اليوم، ومع التوجه نحو تعديل قانون الملكية العقارية، أرى أننا أمام لحظة تشريعية نادرة. يمكن أن يكون التعديل محدودًا في نطاقه، أو يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة تصميم المنظومة بالكامل. ما أطرحه هو أن ينص القانون بوضوح على استقلال إداري ومالي منضبط لإدارة الأراضي، وأن يُوحّد السجل العقاري وأملاك الدولة تحت مظلة مؤسسية واحدة، وأن يُعترف قانونيًا بالسجل الرقمي الكامل، مع إنشاء مجلس إدارة مهني متعدد التخصصات يضع مؤشرات أداء واضحة وشفافة.
ومن هنا جاءت فكرة تحويل الدائرة إلى هيئة مستقلة بقيادة “محافظ العقارات وأملاك الدولة”. هذا ليس توصيفًا لشخص، ولا امتدادًا لمسار وظيفي، بل تعريف لوظيفة سيادية ينبغي أن توجد بصرف النظر عمن يشغلها. الهدف هو إدارة الأرض كأصل استراتيجي، لا كملف إداري تقليدي.
قد يظن البعض أن الحديث بعد مغادرة المنصب يحمل بُعدًا شخصيًا، لكن الحقيقة عكس ذلك. لو كان هدفي موقعًا، لبقيت فيه. ولو كان هدفي مسارًا مهنيًا بحتًا، لعدت إلى القطاع الخاص بهدوء. لكنني أؤمن أن الكفاءات التي خبرت المؤسستين العام والخاص تتحمل مسؤولية مضاعفة في طرح رؤى إصلاحية حتى خارج الإطار الرسمي. العودة إلى السوق سهلة، أما الابتعاد عن التفكير في تطوير مؤسسات الدولة فليس سهلًا لمن يعتبرها جزءًا من هويته.
إن استقلال إدارة الأراضي ليس مطلب فرد، بل ضرورة مؤسسية إذا أردنا رفع جاذبية الاستثمار، وتسريع الإجراءات، وتعظيم عوائد أملاك الدولة، وبناء سوق عقاري يقوم على الثقة والشفافية والبيانات الدقيقة. تعديل القانون فرصة ذهبية؛ والسؤال ليس هل نعدّل، بل كيف نعيد تعريف الدور.
غادرت الموقع، نعم.
لكنني لم أغادر إيماني بأن إدارة الأرض يمكن أن تكون إحدى أهم روافع نهضة الأردن في المرحلة المقبلة.
المناصب تتبدل، أما الفكرة — إذا كانت صادقة — فتبقى.



















