+
أأ
-

محمد معن الحباشنة :- الضمان … عقد اجتماعي أم فاتورة مفتوحة؟

{title}
بلكي الإخباري

 

 

في كل مرة تُطرح فيها تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، يُفترض أن نشعر بالطمأنينة، فالضمان في جوهره عقد أخلاقي بين الدولة وأبنائها، مظلّة أمان لا عصا بيروقراطية، لكن ما يتسرّب إلى الوعي العام اليوم ليس شعور الأمان، بل نبرة خافتة تقول للجيل القادم: دبّروا أموركم وجهزوا حقائبكم..

الضمان الاجتماعي ليس رفاهيةً مالية، بل فكرة حضارية نشأت مع بدايات دولة الرعاية الحديثة، كما تجسّدت في تجارب أوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، ومنها ما ارتبط باسم السياسي الألماني   "Bismarck" الذي أسس مبكراً لفكرة التأمينات الاجتماعية، الفكرة بسيطة:حين تعمل تسهم وحين تتعثر تُسند..

أما أن يتحوّل الضمان إلى معادلة غامضة، تزداد فيها الشروط وتضيق فيها المنافع، فذلك أشبه بإعادة تعريف كلمة أمان لتصبح انتظاراً طويلاً مع فوائد مؤجلة..

السخرية ليست في التعديل ذاته فالقوانين تُراجع وتتطور، السخرية في الإيحاء حين يُقال للشاب إن عليه أن يعمل أكثر ليحصل أقل، وأن ينتظر أطول ليضمن ما كان مضموناً، فإن الرسالة الضمنية ليست إصلاحاً ماليًا، بل إعادة ترتيب أولويات: اصبر أو ابحث عن سماء أخرى، وهنا يصبح المطار مؤسسةً رديفةً للضمان، وجواز السفر وثيقة تقاعدية مبكرة..

لسنا ضد الاستدامة المالية، ولا ضد حماية الصندوق من العجز، لكن الاستدامة التي تُبنى على أعصاب الشباب ليست استدامة بل استنزاف، الجيل الذي يُطلب منه أن يدفع اليوم بلا يقين غداً، سيسأل سؤالاً بديهياً: أين الشراكة وأين الشفافية وأين العدالة بين من دخلوا السوق قبل عشرين عاماً ومن يدخله اليوم مثقلاً ببطالة وغلاء وتقلبات

المفارقة أن الخطاب الرسمي يتحدث عن تمكين الشباب، بينما القراءة الشعبية للتعديلات توحي بأن التمكين يبدأ بتعلّم لغةٍ ثانية وإعداد سيرة ذاتية عابرة للحدود، كأن الضمان يقول: نحن نؤمّن المستقبل ،لكن ليس بالضرورة هنا..

إن أي تعديل لا يُقنع الجيل الجديد بأن له مكانًا آمناً في بلده، هو تعديل يحتاج إلى تعديل، فالوطن ليس فندقاً نغادره حين ترتفع الكلفة، ولا الشباب حساباً احتياطياً لسدّ فجوات السياسات، الضمان الحقيقي هو أن يشعر الشاب أن جهده اليوم سيصنع غده هنا، لا في مطارٍ آخر..

المطلوب ليس رفضاً انفعالياً، بل نقاشاً وطنياً صريحاً، أرقام واضحة بدائل عادلة توزيع منصف للأعباء، وضمانات مكتوبة لا تقرأ بين السطور لأن الرسائل المبطنة أخطر من البنود المعلنة وإذا كانت التعديلات تُراد لها أن تحفظ الصندوق، فالأجدر أن تحفظ الثقة أيضاً..

أما أن يخرج الجيل القادم بانطباع واحد: لك الله  والبحث عن وطن آخر، فهذه ليست سياسة اجتماعية، بل إعلان ناقوس خطر مبكّر عن خسارة رأس المال الأهم: الإنسان.