+
أأ
-

د.عامر سبايلة يكتب :- الغضب الملحمي: من الاحتواء إلى الإنهاء

{title}
بلكي الإخباري

 

لم يكن الهجوم الذي بدأته إسرائيل والولايات المتحدة ضد النظام الإيراني مفاجئاً. فالحشد العسكري غير المسبوق خلال الأسابيع الماضية لم يكن إجراءً عابراً أو استعراض قوة مؤقتاً، بل بدا واضحاً أنه يتجاوز في حجمه وشكله وطبيعته فكرة إسقاط النظام بمعناها التقليدي. غير أن الأهم ربما كان خطاب حالة الاتحاد، الذي مهّد فيه الرئيس للمواجهة بلغة حاسمة وتوصيف محسوب، واضعاً القدرات الباليستية الإيرانية – التي تطال أوروبا وقد تطال الولايات المتحدة – في صلب المبرر الإستراتيجي للتحرك.

 

 

واختيار اسم العملية المشتركة لم يكن تفصيلاً ثانوياً. "الغضب الملحمي" ليس مجرد عنوان عسكري، بل توصيف ذو حمولة رمزية تستحضر بعداً ميثولوجياً واضحاً، يوحي بأن الجيش الأميركي لن يعود قبل إنجاز المهمة كاملة. الاسم جاء متسقاً مع خطاب الرئيس ترامب الذي أُذيع مع بدء الضربات، حين أكد أن العملية لن تنتهي إلا بإنهاء القدرات وتغيير الواقع، موجهاً في الوقت ذاته رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني بضرورة أن يتقدم لملء الفراغ بعد إضعاف النظام إلى حافة السقوط.

الضربة الأولى التي وجهتها إسرائيل كانت ترجمة عملية لاختراق استخباري عميق. وحتى إن لم تعترف طهران بحجم هذا الاختراق، فإن شكل العملية وحجمها وأسلوب تنفيذها يكشف أنها كانت الحركة التأسيسية في المعركة، الهادفة إلى تكريس عنصر المفاجأة وضرب مركز القيادة السياسية والعسكرية في آن واحد. نحن أمام نسخة مطوّرة من نموذج حرب الاثني عشر يوماً، ولكن بأدوات أكثر تعقيداً، وبما يؤكد أن ورقة التفوق الاستخباري ما زالت فعّالة ولم تفقد قيمتها رغم استخدامها المتكرر في محطات سابقة.

فكرة عزل الجسد عن الرأس شكّلت الهدف المركزي للمرحلة الأولى: شلّ القرار قبل شلّ القدرة، ودفع التحرك الإيراني إلى حالة من الارتباك وفقدان التوازن، تمهيداً لاستهداف البنية التحتية والمواقع الحساسة المرتبطة بالعمود الفقري للنظام، سواء ما يتصل بالحرس الثوري أو ببنية النظام السياسية. هذا المسار لا يؤسس فقط لإضعاف عسكري، بل يهيئ لبيئة هشاشة داخلية يُترك فيها النظام ليواجه واقعه دون أدوات تماسكه التقليدية، وهو ما يتقاطع مع رسالة ترامب إلى الإيرانيين.

السيطرة شبه الكاملة على الأجواء الإيرانية وعزل منظومات الدفاع الجوي تعني تضييق الخيارات أمام طهران. فإما استخدام مخزون الصواريخ والطائرات المسيّرة سريعاً، وإما المخاطرة بفقدانه تحت وطأة التفوق الجوي. وفي الحالتين، تنتقل المعركة إلى استنزاف منهجي للقدرات الإستراتيجية للنظام تمهيداً لتصفية ما تبقى من عناصر قوته الصلبة.

في المقابل، قد تلجأ إيران إلى إستراتيجية رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة والمنطقة، عبر توسيع دائرة الاستهداف لتشمل دول الخليج، سواء بأدوات مباشرة أو عبر أذرع غير تقليدية، وبعيداً عن نقاط التمركز العسكري الأميركي. غير أن هذا المسار يحمل مخاطر معاكسة؛ إذ إن استهداف دول لم تنتهج سياسة عدائية مباشرة، بل اتخذت خلال السنوات الأخيرة مواقف إيجابية تجاه طهران، قد يعيد تعريف السلوك الإيراني بوصفه تهديداً بنيوياً للأمن الإقليمي. كما أن التلويح بإغلاق مضيق هرمز قد يدفع أوروبا إلى مراجعة حساباتها جذرياً، بما يمنح شرعية أكبر لتوسيع نطاق الضربات وصولاً إلى إعادة صياغة المعادلة في طهران.

الحرب على إيران، في هذا السياق، لا يمكن اختزالها في إطار تصعيد أميركي– إيراني، أو إسرائيلي– إيراني، فحسب. إنها محطة تأسيسية لإعادة صياغة واقع إقليمي لم يعد قابلاً للتعايش وفق معادلاته السابقة. بعد أكثر من عامين على حرب بدأت بفكرة "وحدة الساحات" التي صاغتها طهران، وانتهت بتفكيك تلك الساحات وإنهاء معظم وكلائها، أصبح الانتقال من ضرب الأطراف إلى الوصول إلى المركز مساراً شبه حتمي. في هذه اللحظة، لم يعد الحديث عن تغيير النظام مجرد شعار، بل احتمال واقعي في معادلة ما بعد الحرب. ومع ذلك، أصر النظام الإيراني على التعامل مع التطورات باعتبارها واقعاً يمكن التحايل عليه، ومفاوضات يمكن تجزئتها وتسويفها لشراء الوقت. غير أن منطق هذه المرحلة يشير بوضوح إلى أن الوقت لم يعد حليفاً لطهران، وأن الانتقال من سياسة الاحتواء إلى خيار الإنهاء لم يعد افتراضاً نظرياً، بل مسار دخل حيّز التنفيذ الفعلي.