+
أأ
-

نهاية بلا نهاية...ماذا لو لم يسقط النظام الايراني؟

{title}
بلكي الإخباري

البرفسور عبد الله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

في مقالين سابقين، أحدهما بعنوان «سقوط إيران… ما بين وهم الارتياح الجيوسياسي وخطر السيولة الجيواستراتيجية» (15/1/2026)، والآخر بعنوان «الحرب لم تبدأ بعد… مرحلة الحسم أخطر من الصواريخ» (28/2/2026)، جرى تناول احتمالات المواجهة من زاوية التصعيد وتداعياته المباشرة. غير أن ثمة احتمالًا لا يحظى بالاهتمام الكافي، وربما لا يرغب كثيرون في التفكير فيه أصلًا، ماذا لو لم يسقط النظام الإيراني كما خُطِّط له؟

التحليل السائد يفترض أن نهاية المواجهة الحالية ستقود إما إلى إضعاف جذري للنظام الإيراني، أو إلى انهياره تحت ضغط الضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية. غير أن السؤال الأكثر عمقًا ليس، ماذا لو سقط النظام؟ بل، ماذا لو صمد، وأعاد إنتاج نفسه سياسيًا وأمنيًا، وخرج من المواجهة أكثر تشددًا، وأكثر اقتناعًا بأن الصمود تحت النار هو الطريق لترسيخ النفوذ لا لتقليصه؟

هذا الاحتمال يتسق مع منطق حروب الاستنزاف طويلة النفس؛ عندما، لا يُهزم الخصم بضربة قاضية، بل يُعاد تشكيله تحت الضغط. عندها لا تكون الحرب قد أنهت التهديد، بل صقلت أدواته ومنحته قوة داخلية عنوانها الصمود.

لفهم هذا السيناريو، لا بد من قراءة البنية الذهنية للدولة الإيرانية. فإيران، كيان تاريخي متجذر يمتد من الدولة الأخمينية إلى الصفوية وصولًا إلى الجمهورية الإسلامية. هذا الإرث رسّخ في العقل السياسي الإيراني مفهوم الصبر الاستراتيجي والتمدد غير المباشر.

في هذه المقاربة، لا يعني التراجع التكتيكي التخلي عن الهدف، ولا تعني الضربة نهاية المشروع، بل قد تكون مدخلًا لإعادة التموضع. لذا فإن الرهان على انهيار سريع للنظام الإيراني، يبقى محفوفًا بالمخاطر؛ فحتى لو ضعفت السلطة السياسية، وقطع راسها، تبقى بنية الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري، قادرة على إعادة التشكل ما لم تُستهدف بصورة جذرية، وبقوة غير تقليدية.

التصعيد القائم لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي، بل بشكل النظام الإقليمي القادم. الضربات تهدف إلى تقليص قدرة إيران على المناورة وفرض قواعد اشتباك جديدة، لكن تجارب التاريخ تشير إلى أن الضغوط الخارجية كثيرًا ما تعزز تماسك الداخل، خاصة في الأنظمة التي تمتلك أدوات تعبئة أيديولوجية فعالة وتقدم المواجهة باعتبارها حرب بقاء.

إيران لا تعتمد على المواجهة التقليدية فحسب، بل على شبكة نفوذ إقليمية عابرة للحدود. قد تحول الصراع إلى نمط استنزاف متعدد الساحات. تُستخدم فيه الأدوات غير المباشرة لإعادة توزيع الضغط وخلق بيئة ردع متبادل طويل الأمد، ويتحوّل الإقليم إلى شبكة ضغط متداخلة.

وإذا اختارت طهران استخدام أوراقها القصوى، وتعطيل الملاحة في باب المندب، بعد إغلاقها مضيق الخلج العربي، فإن الصراع سيتجاوز إطاره الإقليمي ليصبح تهديدًا مباشرًا للنظام الاقتصادي الدولي (أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد)، واستدعاء تدخلات دولية أوسع، لمنع انهيار منظومة التجارة والطاقة. هنا، لا تعود المواجهة شأنًا إقليميًا، بل تتحول إلى مسألة استقرار عالمي.

الخطر الأكبر، يتمثل في توسيع الاستهداف في دول الخليج والسعودية والأردن، سواء عبر رسائل عسكرية مباشرة أو تهديدات أمنية غير تقليدية. عندها سنكون أمام بيئة ردع متوترة قابلة للانزلاق في أي لحظة.

هنا، ستشتد المنافسة الدولية على الإقليم، حيث لا تكمن الخطورة في الضربات ذاتها، بل في النتائج الاستراتيجية التي ستترتب عليها، تفكك يفتح باب الفوضى الإقليمية، او إضعاف يعيد تشكيل المعادلة، أو صمود يرسّخ استقطابًا طويل الأمد.

في هذا السياق، لا تنظر روسيا والصين إلى إيران بوصفها حليفًا عابرًا، بل باعتبارها ركيزة توازن في المنطقة، وترى موسكو في طهران عنصرًا مهمًا في معادلتها الأوراسية، فيما تنظر بكين إليها كمورد طاقة أساسي ونقطة محورية في مشروع الحزام والطريق. لذلك تعملان على منع انهيار الدولة الإيرانية، والبحث عن تسوية تعيد ترتيب الداخل الإيراني دون انهيار شامل للدولة، لكن دون الانخراط في مواجهة مفتوحة، إدراكًا بأن الفوضى في دولة بحجم إيران ستكون زلزالًا إقليميًا يعيد رسم التوازنات بطريقة قد لا تخدم مصالحهما.

اما في حال، لم يسقط النظام، ونجح في احتواء الضربات، فقد يخرج بنتائج استراتيجية خطيرة، منها ترسيخ عقيدة الصمود بوصفها انتصارًا سياسيًا، وتعزيز موقع التيار العقائدي الأكثر تشددًا داخليًا، وتكريس نفوذ إقليمي باعتباره أمرًا واقعًا لا يمكن تجاوزه.

أما إسرائيل، فتنظر إلى المسألة من زاوية أوسع من البرنامج النووي، إذ تتصل بطبيعة التهديد البنيوي الذي تمثله إيران وشبكات نفوذها. في حال سقوط النظام، لن يكون التحدي هو الانتصار، بل إدارة ما بعد الانهيار، منع الفراغ الأمني، وضبط انتشار الأسلحة المتطورة، والحيلولة دون صعود قوى غير منضبطة.

لذلك قد تفضل تل أبيب، بالتنسيق مع واشنطن، انتقالًا منضبطًا يحافظ على بنية الدولة دون انهيار شامل. فهي لا تبحث عن إسقاط إيران ككيان، بل عن إيران أقل تهديدًا وأقل قدرة على التموضع العدائي.

في المقابل، يبقى السيناريو الأكثر تعقيدًا بالنسبة لها، هو صمود النظام وخروجه أكثر تشددًا. عندها ستتجه إلى ترسيخ ردع طويل الأمد، ومواصلة العمل الوقائي لمنع ترسيخ قدرات نوعية تغير ميزان القوة، وتعميق شراكاتها الإقليمية لخلق شبكة ردع متداخلة، مع الحرص على إبقاء الصراع تحت سقف السيطرة ومنع تغيير قواعد اللعبة جذريًا.

في جميع الأحوال، إسرائيل لا تخشى فقط قوة إيران، بل تخشى فوضاها، وهي تدرك أن انهيار دولة مركزية كبيرة قد يفتح المجال لتهديدات أكثر فوضوية وأقل قابلية للاحتواء. وفي المقابل، ترى واشنطن وتل أبيب أن ترك هذا النموذج دون كبح يعني تكريس بنية إقليمية موازية للنظام التقليدي للدولة الوطنية.

في كلا الحالتين، ستظل إسرائيل لاعبًا مركزيًا في إعادة هندسة البيئة الأمنية للمنطقة، وهو ما يضع الدول العربية أمام معادلات أكثر تعقيدًا.

ليست تركيا لاعبًا هامشيًا في هذه المعادلة. ففي حال سقوط النظام الإيراني، قد تسعى وبقوة إلى منع تفكك يهدد حدودها الشرقية، أما إذا صمد النظام فستواصل سياسة التوازن البراغماتي. كذلك فإن الجبهة الشرقية لإيران، المحاذية لباكستان وأفغانستان، قد تتحول في حال الانهيار إلى مسرح استنزاف جديد يزيد المشهد تعقيدًا في ظل التوترات التي تعيشها الحدود الدولية هناك (الهند وباكستان وأفغانستان، بعضها على تماس مع الحدود الصينية).

الدول العربية، من جهتها، لا تخشى فقط سقوط النظام الإيراني، بل تخشى أيضًا صموده دون تغيير في سلوكه الإقليمي. ففي الحالتين نحن أمام إعادة تشكيل عميقة للتوازنات، ومحاولات لفرض ترتيبات جديدة دون مشاركة عربية فاعلة.

سواء سقط النظام أم لم يسقط، فإن أخطر السيناريوهات يتمثل في نجاح مشروع إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية للمنطقة، عبر التفكيك أو إعادة توزيع النفوذ، وتحولات ديموغرافية بفعل النزوح أو إعادة التوطين، وضغوط اقتصادية خانقة تعيد تشكيل المجتمعات من الداخل، بما يؤدي إلى تآكل الدولة الوطنية لصالح كيانات هشة أو طامحة للانفصال. فالتهديد هنا ليس عسكريًا فحسب، بل اقتصاديًا وديموغرافيًا وسياسيًا.

الرد العربي في الحالتين لا يمكن أن يكون انفعاليًا أو ظرفيًا، بل مؤسسيًا طويل الأمد. المطلوب الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مقاربة أمنية جماعية تتضمن تنسيقًا استخباراتيًا وعسكريًا، وتنويع التحالفات الدولية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وحماية سلاسل الإمداد والأمن الغذائي، وترسيخ جبهة داخلية منيعة قادرة على امتصاص الصدمات، والتوافق على رؤية سياسية موحدة تمنع فرض ترتيبات خارجية على المنطقة.

في جميع الأحوال، سقط النظام ام لم يسقط، فالمنطقة لن تعود إلى ما كانت عليه. الرد العربي هنا، لا يمكن أن يكون فرديًا أو متفرقًا، بل قائمًا على إعادة تعريف الأمن القومي العربي ضمن بيئة إقليمية مضطربة.

في هذا الإطار، يبرز الأردن بوصفه دولة تماس جغرافي وسياسي مع بؤر التوتر، ما يجعله أكثر عرضة لتداعيات أي تصعيد، سواء في حال سقوط النظام الإيراني أو صموده. غير أن التحدي الأردني لا يقتصر على رفع الجاهزية الأمنية، بل يتصل بتحصين الجبهة الداخلية سياسيًا ومجتمعيًا واقتصاديًا.

أخطر ما يمكن أن يواجه الدولة الأردنية، هو التشكيك من قبل البعض في ثوابتها الوطنية وخياراتها الاستراتيجية خدمة لأجندات خارجية. لقد بنى الأردن مقاربته تاريخيًا على حماية المصلحة الوطنية العليا وعدم الانجرار إلى محاور تستنزف الدولة. وأي خطاب يصوّر الحياد الإيجابي ضعفًا إنما يهدد التماسك الداخلي. فالمعركة في لحظات التحول الكبرى ليست عسكرية فقط، بل معركة وعي وتماسك وطني.

تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، ومواجهة حملات التضليل، ودعم الاقتصاد الوطني، وترسيخ أولوية القرار الوطني، كلها عناصر أساسية لضمان أن يبقى الأردن قادرًا على إدارة العاصفة دون أن يكون جزء من ساحتها. فاستقراره ليس مصلحة وطنية فحسب، بل ركيزة من ركائز امن واستقرار الإقليم.

في النهاية، القضية لا تختزل في سؤال سقوط النظام الإيراني، بل في حالة بقائه دون تغيير في سلوكه، أو خروجه من المواجهة وهو أكثر اقتناعًا بأن الزمن يعمل لصالحه. عندها لن يكون الشرق الأوسط أمام حرب شاملة، بل أمام حالة ردع متوتر طويل الأمد، تتزايد فيها سباقات التسلح وتتآكل مساحات الثقة ويصبح الاستقرار هشًا وقابلًا للاهتزاز مع كل شرارة.

المعادلة الإقليمية القادمة لن تُحسم بسؤال، من ينتصر عسكريًا؟ بل بسؤال، من يستطيع منع الفراغ، وضبط الفوضى، وإعادة تشكيل التوازن دون أن ينهار الإقليم بأكمله؟ وكيف ستبدو المنطقة بعد توقف الحرب؟

في الجغرافيا السياسية، الخطر لا يكمن دائمًا في سقوط أحد الاعمدة، بل في بقائه واقفًا وهو يعيد ترتيب توازنه فوق أرض تتحرك ببطء تحت الجميع. أما السيناريو الأخطر، فهو أن تُعاد كتابة خرائط النفوذ فيما يقف العرب خارج معادلة صياغة مستقبلهم.